أحمد الرحومي.. ضمير ثورة سبتمبر وأحد أنزه رجال الجمهورية
يُعدّ اللواء أحمد الرحومي واحداً من الأسماء التي ارتبطت بثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 بوصفه من الضباط الذين أسهموا في ترسيخ التحوّل الجمهوري في اليمن، إذ كان من بين أولئك الذين شاركوا في لحظة الانطلاق الأولى للثورة وظلوا متمسكين بمبادئها رغم ما شهدته البلاد لاحقاً من تحولات سياسية وتبدلات في موازين القوى.
وقد عرفه معاصروه ضابطاً يجمع بين الصرامة العسكرية والنزاهة الشخصية والالتزام الوطني، حتى أن بعض رفاقه أطلقوا عليه لقب "ضمير الثورة" تعبيراً عن ثباته على قيمها الأولى.
النشأة والمسار العسكري المبكر
وُلد أحمد الرحومي عام 1936 في منطقة وادي ظهر بمحافظة صنعاء، حيث تلقى تعليمه الأول في الكتاتيب والمدارس التقليدية قبل أن يلتحق بـ كلية الشرطة في صنعاء ويتخرج منها عام 1955، ثم واصل دراسته العسكرية في مدرسة الأسلحة التي تخرج منها عام 1961. كما خضع لعدد من الدورات العسكرية المتخصصة وتلقى تدريبات على الأسلحة الخفيفة والثقيلة، إلى جانب دورة في اللغة الإنجليزية.
بدأ الرحومي مسيرته المهنية مبكراً في أجهزة الأمن، إذ عُيّن مدرباً لأفراد الشرطة في مدينة تعز عام 1956، ثم ضابطاً للأمن في مستشفى تعز في العام نفسه، قبل أن يُكلّف لاحقاً بإدارة الأمن في منطقة المخا، ثم ضابطاً للأمن في مستشفى الحديدة عام 1957. وبعد ذلك انتقل إلى العمل التعليمي العسكري، حيث عمل مدرساً في مدرسة الأسلحة ثم قائداً لجناح المدرعات فيها عام 1960.
بين الضباط الأحرار وبدايات العمل الثوري
مع تصاعد التململ داخل صفوف الضباط الشباب من نظام الحكم الإمامي، كان الرحومي من بين الضباط الذين انخرطوا في العمل السري لتأسيس تنظيم الضباط الأحرار الذي لعب الدور الحاسم في الإعداد لثورة سبتمبر.
ويشير الباحث بلال الطيب إلى أن روايات عدد من قادة التنظيم ومنهم العميد صالح علي الأشول، تؤكد أن الرحومي شارك في الاجتماعات التأسيسية للتنظيم التي بدأت في ديسمبر 1961 وضمت مجموعة من الضباط الشباب الذين كانوا يتطلعون للتغيير والخلاص من الحكم الإمامي.
وقد انتخب الرحومي عضواً في اللجنة القيادية الأولى للتنظيم إلى جانب عدد من الضباط المؤسسين، وشارك في الاجتماعات التي وضعت الصيغة النهائية لأهداف الثورة في فبراير 1962، كما ظل عضواً في القيادة العليا للتنظيم في تشكيلاته اللاحقة حتى عشية قيام الثورة في 26 سبتمبر 1962، التي أطاحت بالنظام الإمامي وأعلنت قيام الجمهورية في اليمن.
مسيرة في بناء الدولة الجمهورية
بعد نجاح الثورة، تدرج الرحومي في عدد من المناصب العسكرية والسياسية المهمة، فقد عُيّن قائداً لمنطقة عبس بمحافظة حجة، ثم أصبح عضواً في مجلس قيادة الثورة عام 1963، قبل أن يتولى منصب نائب وزير الداخلية عام 1965.
وفي عام 1966 عُيّن وزيراً للخزانة، ثم أعيد تعيينه في المنصب نفسه، قبل أن يتولى وزارة الداخلية عام 1967، ثم وزارة المواصلات عام 1968. وفي عام 1970 عاد مجدداً إلى وزارة الخزانة ثم إلى وزارة الداخلية في العام نفسه.
وخلال مرحلة لاحقة من مسيرته، تولى عدداً من المواقع القيادية، من بينها مستشار رئيس مجلس الوزراء، ورئاسة مجلس إدارة شركة الأدوية، ورئاسة مجلس إدارة المؤسسة العامة لصناعة الغزل والنسيج، إضافة إلى منصب نائب رئيس لجنة التصحيح.
في قلب معارك الدفاع عن الجمهورية
لم يقتصر دور الرحومي على العمل السياسي والإداري، بل شارك أيضاً في معارك الدفاع عن صنعاء خلال حصار السبعين يوماً عام 1967 عندما حاولت القوات الملكية استعادة العاصمة بعد الثورة. وقد شكّلت تلك المعركة واحدة من أهم المحطات العسكرية في تثبيت النظام الجمهوري في اليمن.
وعلى المستوى السياسي والفكري، شارك في عدد من المؤتمرات السياسية التي شهدتها البلاد في سنوات الثورة الأولى، من بينها مؤتمر حرض عام 1963 ومؤتمر خمر عام 1965، إضافة إلى مؤتمري عمران وهرار، فضلا عن كما ساهم مع عدد من ضباط الثورة في إعداد كتاب "أسرار ووثائق الثورة اليمنية" الذي وثّق جوانب مهمة من تاريخ الثورة.
نزاهة شخصية وابتعاد عن صراعات السلطة
رغم المناصب الرفيعة التي تقلدها، عُرف الرحومي بتواضعه الشديد وحرصه الكبير على المال العام، حيث يروي مقربون منه أنه عندما صدر قرار بإبعاده من وزارة المواصلات رفض مغادرة مكتبه بسيارة الوزارة، مفضلاً العودة إلى منزله بسيارة أجرة، في موقف أصبح يُستشهد به على نزاهته وحرصه على الممتلكات العامة.
إرث سياسي وأخلاقي في ذاكرة اليمنيين
تدرج الرحومي في الرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة لواء، وحصل خلال مسيرته الطويلة على عدد من الأوسمة والشهادات التقديرية. غير أن إرثه الأبرز ظل مرتبطاً بسمعته الشخصية كنموذج للضابط الذي شارك في صنع الثورة لكنه لم يسعَ إلى استغلالها لمكاسب شخصية.
توفي اللواء أحمد الرحومي في بداية سبتمبر عام 2016 بعد مسيرة طويلة ارتبطت بتاريخ الجمهورية اليمنية منذ سنواتها الأولى. وبقي اسمه في ذاكرة كثيرين كأحد الضباط الذين جمعوا بين الدور الثوري والنزاهة الشخصية، وهي صفات جعلت البعض يصفه بحق بأنه "ضمير الثورة".