جمعة الكرامة.. ملحمة الدم ومعركة العدالة المؤودة.. ما الذي حدث؟
لم تكن شمس الـ 18 من مارس في عام 2011 مجرد شروق اعتيادي فوق قمم جبال صنعاء المحيطة، بل كانت إيذانًا بفصل هو الأكثر دموية وحسمًا في تاريخ الثورة الشبابية السلمية، فهذا اليوم، الذي اصطلح اليمنيون على تسميته بـ "جمعة الكرامة"، لم يغير فقط موازين القوى السياسية؛ بل أعاد صياغة الوجدان الشعبي اليمني تجاه مفهوم الدولة والحرية والثمن المدفوع من أجلهما.
استقرت تلك اللحظات في وجدان اليمنيين، باعتبارها فاتورة التغيير والعدالة المنشودة، وجعلت التداعيات السياسية والمجتمعية لهذه الواقعة من ذلك اليوم الأيقونة الأشهر التي أعادت صياغة المشهد اليمني الحديث.
هدوء ما قبل العاصفة
بدأت ملامح ذلك اليوم تتشكل منذ ساعات الفجر الأولى، فقد كانت ساحة التغيير أمام جامعة صنعاء قد تحولت خلال أسابيع إلى مدينة مصغرة، تضم الخيام والعيادات الميدانية والمراكز الإعلامية.
لم تكن الساحة مجرد مكان للاعتصام، بل كانت بوتقة انصهرت فيها الفوارق القبلية والمذهبية والطبقية، وكان رجال القبائل يتركون أسلحتهم عند مداخل الساحة التزامًا بمبدأ "السلمية" الذي رفعه الثوار شعارًا وحيدًا لمواجهة نظام حكم البلاد لعقود.
على الأطراف الجنوبية للساحة، وتحديدًا في حي القاع والمناطق المؤدية إلى شارع الستين، كانت هناك تحركات مريبة، حيث بدأ "مسلحون موالون لنظام صالح" ببناء جدار من الطوب والإسمنت، بارتفاع مترين تقريبًا، ليحول بين المعتصمين وبين التقدم باتجاه الطرق والمسارات المؤدية إلى دار الرئاسة.
لم يدرك المعتصمون حينها أن هذا الجدار لم يكن لحمايتهم أو لمنع تقدمهم فحسب، بل كان "جدار موت" صُمم بعناية ليكون حاجزًا يمنعهم من الهروب، وستارًا يحجب خلفه القناصة والقتلة.
الصلاة الأخيرة وخطبة الوداع
مع اقتراب وقت الزوال، كانت الساحة قد امتلأت عن آخرها وامتدت صفوف المصلين من تقاطع "سبأ" شمالاً حتى مشارف "القاع" جنوبًا، واعتلى الخطيب المنبر، وكانت كلماته تتردد عبر مكبرات الصوت الموزعة في أرجاء الساحة، مشددة على الصمود السلمي، ومذكرة بأن الظلم "ساعة" وأن الحق "إلى قيام الساعة".
كانت الأجواء مشحونة بروحانية عالية، لكن القلق كان يتسرب إلى القلوب جراء الدخان الخفيف الذي بدأ يتصاعد من خلف الجدار الإسمنتي. قام الموالون للنظام بإحراق كميات كبيرة من إطارات السيارات، مما أدى إلى تصاعد سحب سوداء كثيفة غطت سماء المنطقة، وحجبت الرؤية تمامًا عما يدور خلف الجدار.
كان هذا التكتيك العسكري يهدف إلى تعمية المعتصمين وتشتيت انتباههم، وفي الوقت نفسه توفير غطاء للقناصة الذين اتخذوا مواقعهم فوق أسطح المنازل المرتفعة المطلة على الساحة.
انتهت الصلاة، وبدأ المصلون في ترديد الهتافات المعتادة ضد النظام، وفجأة، انكسر حاجز الصوت برصاصات حية لم تكن تهدف للتخويف، بل كانت تضرب بدقة متناهية رؤوس وصدور الشباب في الصفوف الأمامية.
حين نطق الرصاص
لم تكن عملية إطلاق النار عشوائية، بل كانت مرتبة ومدروسة، حيث تشير الروايات الموثقة من قلب الحدث إلى أن القناصة كانوا يستخدمون أسلحة متطورة مزودة بمناظير ليلية وحرارية، وكان تركيزهم منصبًا على القيادات الشبابية والمصورين والمسعفين، حيث بدأ الشهداء يتساقطون خلال دقائق معدودة.
تحولت الساحة إلى مشهد من الفوضى الممزوجة بالبطولة الأسطورية، فبينما كان الرصاص ينهمر من كل حدب وصوب، لم يهرب الشباب إلى الخلف، ولم يتراجعوا ولم يجبنوا، بل على العكس، اندفعت الجموع نحو الجدار الإسمنتي بصدور عارية، محاولين هدمه بأيديهم العارية وبأدوات بسيطة لإيقاف القناصة الذين يختبئون خلفه، وكانت صرخات "سلمية.. سلمية" تختلط بأنين الجرحى وصوت الرصاص المتفجر الذي كان يمزق الأجساد.
تجلت في تلك اللحظات صور من الإيثار الذي لا ينسى. شباب يغطون زملاءهم بأجسادهم، وآخرون يسحبون الجرحى تحت وابل من النيران، فيما كان قناصة النظام يستهدفون المسعفين بشكل مباشر، مما جعل عملية إخلاء الضحايا مهمة انتحارية. الدخان الأسود الكثيف المنبعث من الإطارات المحترقة، مضافًا إليه الغازات المسيلة للدموع والغازات المجهولة التي تسببت في حالات تشنج، جعلت الساحة تبدو كقطعة من الجحيم فوق الأرض.
التحقيقات أشارت لاحقاً إلى إخفاق متعمد من قبل قوات الأمن المركزي في حماية المعتصمين، وأن هذه القوات انسحبت ليلة الهجوم ولم تعد إلا بعد مرور 30 دقيقة على القتل.
ويعكس هذا السلوك مؤشرات قوية على وجود تواطؤ ميداني مباشر يهدف لتأمين عبور المجموعات المسلحة وتسهيل مهامها.
منصة الإعدام الميداني
أثبتت الوقائع الميدانية والشهادات الموثقة أن أسطح المنازل المرتفعة كانت هي الثكنة الحقيقية للقتلة، وعلى رأسها منزل محافظ "المحويت" آنذاك، أحمد علي محسن الأحول، فقد تحول هذا المنزل، الواقع على مسافة 30 متراً فقط من الساحة، إلى نقطة تجمع رئيسية للمسلحين الذين كانوا يطلقون النار بدم بارد.
وتشير التقارير إلى تورط مباشر لأبناء المحافظ في قيادة عمليات القنص، مستغلين نفوذهم الأمني ومواقعهم الحساسة في جهاز البحث الجنائي للتمويه على الجريمة أثناء وقوعها.
ملحمة الدم والدموع
في مسجد جامعة صنعاء، الذي تحول إلى مستشفى ميداني، كان المشهد يفوق قدرة العقل البشري على الاستيعاب. ممرات المسجد التي كانت مخصصة للصلاة والاعتكاف، غطتها الدماء بالكامل، والأطباء والمتطوعون، ومعظمهم من طلبة الطب في جامعة صنعاء، وجدوا أنفسهم أمام مئات الإصابات الخطيرة في وقت واحد.
كانت الإمكانيات الطبية شبه معدومة؛ لا أجهزة تخدير كافية، لا غرف عمليات مجهزة، ولا مخزون من الدم. اضطر الأطباء لإجراء عمليات جراحية عاجلة على أرضية المسجد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. كان الصراخ يملأ المكان، ليس صراخ الألم فقط، بل صراخ البحث عن الأقارب والأصدقاء.
أمهات وآباء وصلوا إلى الساحة بعد سماع الأخبار، ليبدؤوا رحلة البحث المريرة بين الجثث الملقاة في الممرات وبين الجرحى الذين فقدوا الوعي. بلغ عدد الشهداء في ذلك اليوم أكثر من 50 شهيدًا، أغلبهم من الشباب في مقتبل العمر، بينما تجاوز عدد الجرحى 600 جريح، الكثير منهم أصيبوا بإعاقات مستديمة نتيجة استخدام الرصاص المتفجر (الدمدم).
ليلة الحزن الطويلة
مع حلول المساء، سكن الرصاص لكن الضجيج لم يهدأ. خيمت حالة من الصمت والذهول على العاصمة صنعاء. كانت الشوارع خالية إلا من سيارات الإسعاف والسيارات الخاصة التي تنقل الجرحى بين المستشفيات. انتشرت أخبار المجزرة في كل بيت، وتحول الغضب من النظام إلى حالة من القطيعة الوجدانية الكاملة.
في تلك الليلة، لم ينم أحد في اليمن. كانت القنوات الإخبارية تنقل صور الشهداء، وصور الأطفال الذين فقدوا آباءهم، والشباب الذين سقطوا وهم يحملون أغصان الزيتون. خرج الرئيس علي عبد الله صالح في مؤتمر صحفي ليعلن حالة الطوارئ، وليلقي باللوم على "مواطنين ساخطين" يسكنون بجوار الساحة، وهي الرواية التي لم يصدقها أحد، بل زادت من اشتعال الشارع.
كانت الصدمة أعمق من مجرد سقوط ضحايا؛ كانت صدمة في منظومة القيم؛ كيف يمكن لنظام يدعي حماية الشعب أن يوجه فوهات بنادقه إلى رؤوس المصلين وهم يؤدون صلاتهم؟ هذا التساؤل كان هو المحرك الرئيسي للانشقاقات الكبرى التي بدأت تظهر في هيكل النظام في الساعات الأولى من فجر اليوم التالي.
انشقاقات "الكرامة"
كانت دماء شهداء 18 مارس هي القوة التي حطمت جدار الخوف داخل مؤسسات الدولة نفسها، ففي تلك الليلة واليوم الذي تلاه، شهد اليمن أكبر موجة استقالات في تاريخه، وزراء، سفراء، برلمانيون، وأعضاء في الحزب الحاكم أعلنوا استقالاتهم احتجاجًا على "المذبحة البشعة" .
لكن الانشقاق الأهم والذي غيّر مجرى الأحداث كان انضمام اللواء علي محسن الأحمر، قائد المنطقة العسكرية الشمالية الغربية وقائد الفرقة الأولى مدرع، إلى الثورة. هذا الانضمام لم يكن مجرد موقف سياسي، بل كان توفير حماية عسكرية للمعتصمين، مما جعل من الصعب على النظام تكرار مجزرة مماثلة دون الدخول في حرب أهلية شاملة.
بحلول يوم 19 مارس، كانت ساحة التغيير قد تضاعفت مساحتها ثلاث مرات. تدفق مئات الآلاف من المواطنين الذين لم يشاركوا في الاحتجاجات من قبل، مدفوعين بالرغبة في التضامن مع الضحايا، وتحولت الجنازات الضخمة التي شهدتها صنعاء في الأيام التالية إلى تظاهرات مليونية غير مسبوقة، حيث شُيع الشهداء في مشهد مهيب وحد قلوب اليمنيين شمالاً وجنوباً.
لماذا 18 مارس؟
لفهم عمق ما حدث في 18 مارس، يجب النظر إليه كفعل استراتيجي من قبل النظام لكسر إرادة الثورة، فقد كان النظام يعتقد أن مجزرة بهذا الحجم ستؤدي إلى فض الاعتصام وهروب الناس خوفاً على حياتهم. لكن النتيجة كانت عكسية تماماً؛ فقد منحت المجزرة "شرعية أخلاقية" مطلقة للثوار، وسلبت النظام ما تبقى له من غطاء شعبي أو دولي.
فمن الناحية الاجتماعي، أفرزت أحداث الثامن عشر من مارس تحولات اجتماعية جذرية أعادت صياغة ملامح الشخصية اليمنية المعاصرة، وتجاوزت الهوية الوطنية داخل الساحات كافة الأطر القبلية والمناطقية الضيقة لتتوحد تحت هوية "يمنية" جامعة.
وجسد امتزاج الدماء على إسفلت شارع "الدائري" تلاحماً جغرافياً فريداً ضم أبناء اليمن من كافة أرجاء البلاد، مشكلاً تلاحماً وطنياً وثيقاً تعمد بالتضحيات المشتركة، بعيداً عن الانتماءات الفئوية أو الحسابات المناطقية.
كما صمد هذا الميثاق الوطني الذي كُتب بالدم أمام كافة المحاولات اللاحقة التي استهدفت تمزيق النسيج المجتمعي، واستقرت تلك اللحظة في الذاكرة الجمعية كشاهد على ولادة إنسان يمني جديد يتجاوز في ولائه حدود القبيلة والجغرافيا.
أما من الناحية القانونية، تظل مجزرة جمعة الكرامة ملفاً مفتوحاً وجرحاً لم يندمل، فرغم محاولات التغطية على الجناة ومنحهم حصانات سياسية لاحقاً، إلا أن توثيق الجريمة بالصوت والصورة، وشهادات الناجين، والأدلة المادية التي جمعها المحامون والحقوقيون، جعلت من الصعب محو هذه الجريمة من ذاكرة العدالة.
التقارير الحقوقية أوضحت لاحقاً أن المسار القانوني الذي أعقب المجزرة شابه تدخل سياسي سافر وعيوب إجرائية جسيمة استهدفت حماية الجناة من المحاسبة.
وأشارت الوقائع إلى أن الرئيس صالح سارع لإقالة النائب العام من منصبه فور مطالبته الجريئة باعتقال مسؤولين حكوميين وقيادات أمنية تورطت في الهجوم.
وقالت الوثائق إن لائحة الاتهام التي شملت 78 متهماً لم تكن سوى محاولة للتعمية عن القتلة الفعليين الذين ظلوا بعيداً عن يد القضاء، وأكدت المراجعات القانونية أن من بين المحتجزين أشخاصاً بسطاء مثل "جامع قمامة" ورجل مشرد، جرى تقديمهم كأكباش فداء بدلاً من المنفذين الحقيقيين.
ولفتت التقارير إلى أن قانون الحصانة يظل اليوم العائق الأكبر الذي يحول دون ملاحقة المخططين الفعليين للمجزرة وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.
وفي الأخير يبقى الثامن عشر من مارس أيقونة خالدة في وجدان اليمنيين، وشاهداً حياً على إرادة شعبٍ رفض الانكسار أمام آلة القمع، ستظل تضحيات "جمعة الكرامة" بوصلة أخلاقية تُذكر دوماً بأن ثمن الحرية هو الضمانة الوحيدة لبناء مستقبل عادل ومنصف.