15 عاماً على المجزرة.. لماذا لم تجف دماء ضحايا "جمعة الكرامة"؟

2026-03-19 03:09 الهدهد - خاص
من مشاهد جمعة الكرامة في 18 مارس 2011
من مشاهد جمعة الكرامة في 18 مارس 2011

في 18 مارس/ أذار 2011، لم يكن الرصاص يستهدف صدور المعتصمين السلميين فحسب، بل كانت يستهدف "فكرة الدولة" و"هيبة القانون"، في اليمن، البلد التي كانت تشتعل فيه ثورة شعبية في أغلب المدن الكبرى والثانوية، فأراد النظام إطفاءها في مهدها وفي قلب ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء.

ومع مرور 15 عاماً من هذه المجزرة التي عرفت في الذاكرة اليمنية بـ "مجزرة جمعة الكرامة"، إلاّ إنها ما زالت مثالاً للتحول على المستوى السياسي، وكذلك للعدالة الغائبة، التي بقيت "ثغرة" نفذ منها الإرهاب المليشياوي عبر الانقلاب أولاً على ما أتت به الثورة ثم على الدولة وصولاً إلى ما يشهده اليمن اليوم.

ففي الشهر الثاني من الثورة الشبابية ومع توسع الساحات أراد نظام علي عبدالله صالح أن يئد تلك الثورة في مهدها ويمنع من توسعها إضافة إلى قتل فكرة الثورة نفسها من الأساس أو الجذور والتي قامت على نظامه، وذلك باستخدام آلة القتل والترهيب بالرصاص الحي "المتفجر" والذي يعرف بـ "الدمدم".

ومع أن الحصيلة كانت ثقيلة في تلك الجمعة، حيث سقط أكثر من 50 شهيدًا، أغلبهم من الشباب في مقتبل العمر، كما أصيب 600 ثائر، إلا إن تأثيرهم ما زال إلى اليوم، كما أن دمهم لم يجف، رغم ما حصل من عدالة غائبة ودخول البلاد برمتها في حرب لاستعادة الدولة التي انقلب عليها الحوثيون المؤدلجون بمشاركة وتسهيل من صالح نفسه قبل أن يرجع عن ذلك فيتعرض للقتل في قلب صنعاء في ديسمبر 2017.

كيف يتذكرها اليمنيون اليوم؟

مع ذروة الربيع اليمني حينها رسخت مذبحة جمعة الكرامة في ذاكرة اليمنيين كأعلى مثال للتضحية في سبيل التغيير، وصورت نظام صالح، بأنه غدا غير شرعي، كما أن الانشقاقات جعلته هزيلاً وأن توجهه وحرصه للحفاظ على نفسه لا على الشعب، وهو ما جعل صالح ودائرة مقربة منه بعدها التمترس مع الحوثيين على حساب المجموع اليمني.

وفوق ذلك، ورغم مرور هذه السنوات على جمعة الكرامة، والتحولات التي شهدتها البلاد، المتمثلة في عسكرة الثورة والانقلاب على السلطة الشرعية وتدخل التحالف العربي بدعوة من السلطة الشرعية، إلا أن حادثة جمعة الكرامة لم تغب عن الأذهان، ولم تمحها كل الأحداث والتحولات.

ويرى متابعون للشأن اليمني، أن جمعة الكرامة ما زال لها تأثير، وأن ما يحصل اليوم من تعقيدات ساهم فيه بشكل كبير ذلك النظام الذي ثار عليه اليمنيون في ثورة فبراير، حيث أن نظام صالح أفرغ الدولة من معناها، كما أنه لم يوجد مؤسسات حقيقية إذ سرعان ما انهارت ولم تقو على مواجهة مليشيا الحوثي.

في دهاليز التهميش

في المقابل، تواجه مجزرة جمعة الكرامة غياب الاهتمام من الأحزاب السياسية أو منظمات المجتمع المدني، نظراً لما يعيشه اليمن من انقسام سياسي، كما أن أسرة صالح عادت من جديد لتكون جزءاً من النظام، والمتمثل بطارق صالح وهو نجل شقيق الرئيس اليمني الأسبق، والذي غدا عضوا في مجلس القيادة الرئاسي ويقود قوات في الساحل الغربي ضمن القوات التي تقاتل ضد الحوثيين.

ويأتي ذلك تواصلاً للعدالة المفقودة أو المؤجلة، بعد أن جرت المساومة على دم الضحايا مبكراً برعاية أممية ومن الإقليم، والتي رعت تسوية ثم مبادرة خليجية أعفت المتهمين من المحاكمة عبر قانون "الحصانة" سيء الذكر الذي أقره البرلمان بشقيه المعارضة والسلطة، في 25 من كانون الثاني/ يناير من عام 2012.

لا مُساءلة ولا تعويض

شكلّت مجزرة جمعة الكرامة، علامة فارقة في السقوط الأخلاقي لنظام المخلوع، الذي تهاوت معظم أركانه حينها، على خلفية ارتكابه للمجزرة البشعة والمروّعة، بحق المتظاهرين السلميين. 

ومع مرور هذه الأعوام إلا إن مرتكبيها ما زالوا إلى اليوم بعيدين عن المساءلة والمحاسبة، كما أن أُسر الضحايا، لم يمنحوا أي تعويض يُذكر من أي جهة كانت رسمية أو شعبية، نظير المعاناة، التي لحقت بهم، من الفقد الأليم لأقاربهم، على طريق الكرامة والحرية.

في خنادق الجمهورية

ومع مضي 15 عاماً على تلك الجمعة الحزينة والمهيبة، حين واجه شباب اليمن بصدور عارية رصاص الغدر في "ساحة التغيير" بصنعاء، إلا إنها لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت الميلاد الحقيقي لإرادة يمنية تأبى الانكسار وتصر على استعادة الدولة من براثن الاستبداد.

ووفق يمنيين كثر، فإننا نرى وهج ذلك الحدث يتجدد في جبهات العزة بمأرب وتعز ومختلف الجبهات ونراه في ثبات من يواجهون الرصاص بقلوب مؤمنة بمدنية الدولة.

ويؤكدون أن الوفاء لشهداء الكرامة لا يكون بالبكاء على الأطلال، بل بالاستمرار في المعركة المزدوجة التي يخوضها الشعب اليمني، معركة استعادة الدولة من المليشيا، ومعركة تثبيت السلم الأهلي ضد الاغتيالات. إنها كرامة شعب لا تقبل القسمة، وسيادة وطن لا تخضع للمساومة.