الرعيني بين الثورة والدولة.. سيرة تنتهي بمأساة سياسية

2026-03-19 03:33 الهدهد/خاص:
الرعيني بين الثورة والدولة.. سيرة تنتهي بمأساة سياسية

قد يكون العميد محمد حسن الرعيني من أكثر رجال الحركة الوطنية الذين دفعوا ثمن الثورة مرتين؛ مرة في حياته ومرة بعد رحيله. فقد عوقب أولاً على مرونته وانفتاحه على مختلف الأطراف وسعيه لتخفيف حدة الصراع داخل دولة لم تستقر بعد، ثم عوقب لاحقاً حين جرى تهميش سيرته وربطها باتهامات لا تعكس حقيقته ولا موقعه في مسار الثورة.

وعند قراءة سيرته عبر شهادات رفاقه ومن عايشوا تلك المرحلة، تتكشف صورة مغايرة، تُظهر حجم الغبن الذي لحق به، وتؤكد أن ما حدث لم يكن معزولاً، بل نتيجة مباشرة لتعقيدات مرحلة تشكلت فيها الدولة وسط صراعات داخلية وتشابكات إقليمية، اختلطت فيها الحسابات السياسية بالطموحات الشخصية.

النشأة والتكوين والوعي المبكر بالثورة

وُلد محمد حسين الرعيني في مدينة صنعاء عام 1925، ونشأ في بيئة تقليدية خاضعة لنظام الإمامة، حيث كانت الدولة مغلقة والفرص محدودة. وفي مدارس المدينة، تلقى تعليمه ثم التحق بمدرسة دار الأيتام، قبل أن ينتقل إلى الكلية الحربية التي تخرج منها عام 1943 برتبة ملازم ثانٍ.

بدأ حياته العسكرية قائداً لوحدة في إب، ثم في الراهدة بمحافظة تعز، متنقلاً بين مواقع مختلفة وهو ما أتاح له الاقتراب من طبيعة النظام الذي يعمل داخله، وفهم واقع المجتمع الذي كان يعيش حالة من الانغلاق السياسي والاجتماعي.

شارك في الثورة الدستورية عام 1948، التي انتهت بالفشل وصعود الإمام أحمد، غير أن تلك التجربة تركت أثراً عميقاً في وعيه، إذ لم تكن الهزيمة نهاية الفكرة، بل بداية إدراك أكثر نضجاً بأن التغيير يحتاج إلى تنظيم طويل النفس لا إلى اندفاع مؤقت.

من وظيفة أمنية إلى مركز للعمل الثوري

شكّل انتقاله إلى الحديدة عام 1955 وتعيينه مديراً للأمن نقطة تحول حاسمة في مسيرته، حيث بدأ يتحول تدريجياً إلى أحد الفاعلين الرئيسيين في العمل الثوري؛ فقد أتاحت له طبيعة المدينة المفتوحة نسبياً توسيع شبكة علاقاته داخل الجيش وخارجه، وهو ما استثمره في بناء نواة تنظيمية للضباط الأحرار، حيث تحوّل منزله إلى ملتقى للنقاش والتخطيط، ومركز غير معلن للعمل التنظيمي.

ومع تصاعد النشاط الثوري، لم يقتصر دوره على التنظيم، بل امتد إلى المشاركة في التخطيط لعمليات نوعية، أبرزها محاولة اغتيال الإمام أحمد داخل مستشفى الحديدة. ورغم فشل العملية، فإنها كشفت عن مستوى الاختراق الذي وصل إليه التنظيم داخل مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، يوضح اللواء علي سعيد عبادي طبيعة تلك المرحلة قائلاً:"بدأ التفكير في القضاء على الطاغية أحمد مطلع عام 1960، حيث تشكلت في الحديدة خلايا عسكرية للتخطيط لاغتياله... وكانت الحديدة معسكراً للثوار والمناضلين".

كما يؤكد على الدور القيادي للرعيني داخل هذه الخلايا بقوله:"مجموعتنا كانت بقيادة الشهيد البطل محمد حسين الرعيني... بهدف إطلاق الرصاص على الطاغية أحمد".

تكشف هذه الشهادات أن الرعيني لم يكن مجرد مشارك، بل كان في موقع القيادة داخل واحدة من أخطر العمليات التي استهدفت رأس النظام.

ورغم اعتقاله لفترة قصيرة عقب تلك المحاولة، لم يتراجع نشاطه، بل تعزز موقعه داخل التنظيم، بوصفه أحد أبرز العناصر التي جمعت بين الموقع الرسمي والعمل السري، وهي معادلة معقدة أسهمت في تسريع بناء التنظيم الثوري داخل الحديدة.

من التنظيم السري إلى الفعل الميداني

مع اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962، كان الرعيني في موقع متقدم داخل المشهد، فتحرك مع الضباط الأحرار للسيطرة على الحديدة وتأمينها، باعتبارها نقطة استراتيجية لاستمرار الثورة.

انتقل سريعاً إلى قيادة العمليات العسكرية، حيث قاد حملات في عبس وحرض والمحابشة، وشارك في مواجهة فلول الإمامة في معارك مفتوحة ومعقدة. لم يكن دوره نظرياً، بل ميدانياً مباشراً، حيث ظل مسؤولاً عن العمليات في الجبهة الشمالية الغربية حتى عام 1966.

وفي هذا السياق، يشير المناضل العميد سليمان محمد علي الأهدل إلى أنه شارك ضمن السرية التي قادها الرعيني في جبهات عبس والقفل بعد قيام الثورة، في إشارة إلى حضوره الفعلي في خطوط المواجهة.

الصعود داخل الدولة… من الميدان إلى مركز القرار

مع استقرار الدولة نسبياً، بدأ الرعيني يتدرج في المناصب العليا، حيث تولى وزارة الزراعة، ثم الداخلية، فالمواصلات، ثم نائباً لرئيس الوزراء، ووزيراً للحربية، وصولاً إلى قائم بأعمال رئيس الجمهورية، ثم وزيراً لشؤون القبائل.

لم يكن هذا الصعود مجرد انتقال وظيفي، بل تعبيراً عن موقعه داخل مركز القرار، في مرحلة كانت الدولة بحاجة فيها إلى شخصيات تجمع بين الخبرة العسكرية والشرعية الثورية.

لكن هذا الاقتراب من السلطة وضعه أيضاً داخل دائرة أكثر تعقيداً، حيث بدأت الصراعات تتشكل داخل بنية النظام نفسه.

الاعتقال والمحاكمة… حين بدأت الدولة تأكل أبناءها

في عام 1966، وفي ذروة حضوره، تم اعتقاله في ظروف سياسية معقدة، ووجهت إليه تهم ثقيلة شملت التخابر والتخريب والتخطيط لانقلاب.

أُحيل إلى محاكمة عسكرية سريعة، في سياق لم يكن منفصلاً عن صراع داخلي داخل السلطة، وتداخل التأثير المصري في القرار السياسي والعسكري آنذاك، وتحوّل الرجل من صانع قرار إلى متهم، في مشهد يعكس هشاشة التوازنات داخل الدولة.

وعن شهادته على تلك الفترة، يقول محمد هاشم الشهاري في مذكراته:"أذكر تمامًا أنه عقب الثورة تولّى الرعيني منصب وزير الداخلية... فأضمر له الأهنومي الغدر، واتحدت رغبته مع رغبة القيادة المصرية في التخلص منه".

وفي السياق نفسه، يرى المناضل الوطني الراحل محمد عبدالله الفسيل أن ما جرى لم يكن مجرد محاكمة، بل خطأ جسيم في حق أحد أبرز رجال الثورة، إذ وصف الرعيني بأنه "من أفضل رجال الثورة"، معتبراً أن إعدامه كان خطأً، ومحمّلاً المسؤولية للنفوذ المصري الذي كان يتحكم بمفاصل القرار آنذاك.

كما كتب القاضي عبدالرحمن الإرياني أن الرعيني قُتل "برصاص الثورة"، في تعبير يلخص حجم المفارقة التي انتهت إليها مسيرته.

تمثل سيرة الرعيني انعكاس لمرحلة كاملة؛ ثائر شارك في صنع الثورة، ودافع عنها، وصعد داخل مؤسساتها، ثم انتهى ضحية لصراعاتها.