أداة طيعة لـ "إيران".. كيف قرأ اليمنيون انخراط الحوثيين في الحرب؟
ليس جديداً أن تلتحق مليشيا الحوثي بالحرب دعماً للنظام الإيراني، فإن قصفها (السبت) بدفعة من الصواريخ الباليستية أهدافاً عسكرية قالت إنها حساسة للاحتلال الإسرائيلي جنوبي "فلسطين المحتلة" لا يعد أكثر من أن الجماعة لا تعطي أي أهمية لليمن وأمنه وأنها مستعدة أن تزج بالبلاد وتحولها إلى ساحة حرب في صراع يتجاوز حدوده الجغرافية والسياسية.
وغير آبهة بالمآلات، أعلنت مليشيا الحوثي مساء أمس الجمعة تأكيدها على موقفها المتمثل في أن "أياديها على الزناد" للتدخل العسكري المباشر إلى جانب إيران، التي تتعرض لهجوم من أمريكا وإسرائيل.
وقال يحيى سريع، المتحدث باسم "الحوثيين"، في بيان، إنهم سيتدخلون في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أمريكا وإسرائيل ضد إيران وما يسميه "محور المقاومة" الذي تقوده طهران.
إلا إنه فجر اليوم ودون انتظار لأي تحالفات جديدة ضد إيران كما ذكرت في بيانها أعلنت قصفها مواقع إسرائيلية بدفعة من الصواريخ الباليستية بالتزامن مع دخول الحرب على إيران شهرها الثاني.
وقال "سريع" نفسه في بيان بثته وسائل الإعلام التابعة للجماعة، إنهم نفذوا العملية صباح اليوم بالتزامن مع العمليات التي تنفذها إيران وحزب الله في لبنان، زاعماً أن "العملية حققت أهدافها بنجاح"، مؤكدًا استمرار العمليات حتى تتحقق الأهداف المعلنة.
إزاء ذلك يؤكد مراقبون أن قرار الحوثيين الدخول في الحرب، لم يكن "مفاجئاً" ولم يُتخذ في صنعاء أو صعدة، بل صيغ في طهران، باعتبار الجماعة أحد أبرز الأذرع العسكرية لإيران خارج حدودها، وجزءاً من استراتيجيتها الإقليمية.
أداة طيعة لإيران
وفي تعليق له عن دخول الحوثيين الحرب يرى رئيس إعلامية حزب الإصلاح اليمني "علي الجرادي" أن "الحوثي لم يجلب لليمن سوى الحرب والخراب والجوع والانقسام".
وقال الجرادي في منشور على منصة "فيسبوك" "فمنذ اللحظة الأولى، لم يكن مشروعه مشروع دولة، ولا مشروع شراكة وطنية، ولا مشروع خلاص لليمنيين، بل كان مشروعًا قائمًا على العنف والانقلاب والارتهان للخارج".
وأضاف "لقد بدأ الحوثي بحرب على اليمنيين، ثم مضى في تقويض الدولة والانقلاب عليها، قبل أن يربط مصير اليمن كليًا بالمشروع الإيراني، حتى انتهى به الأمر إلى أن يكون أداةً طيّعة في يد طهران، تقاتل نيابة عنها، وتُحرق اليمن دفاعًا عن مصالحها وأجندتها التوسعية".
وأشار إلى أنه في الوقت الذي يرزح فيه اليمنيون تحت وطأة الفقر، وانقطاع الرواتب، وانهيار مؤسسات الدولة، وتفاقم الكارثة الإنسانية، وهي كلها نتائج مباشرة لانقلاب مليشيات الحوثي على الدولة اليمنية ومقدراتها، يواصل الحوثي المتاجرة بالقضايا الكبرى، محاولًا الاحتماء بشعارات زائفة للتغطية على حقيقته.
ويقرر الجرادي أن "الحقيقة التي لا يمكن حجبها هي أن الحوثي ليس سوى مليشيا انقلابية اختطفت اليمن، وصادرت قراره الوطني، ودفعت به إلى حروب عبثية بالوكالة عن إيران، على حساب دم اليمنيين وأمنهم ومستقبلهم".
مشروع دمار
وقال: "إن من دمّر الدولة لا يمكن أن يبني وطنًا، ومن جوّع الشعب لا يمكن أن يحمل قضية، ومن ارتهن للخارج لا يمكن أن يدّعي السيادة أو يتحدث باسم الكرامة الوطنية".
وأضاف "لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحوثي لم يكن يومًا مشروع مقاومة، بل كان وسيظل مشروع دمار وتمزيق وارتهان، وأن وجوده المسلح خارج إطار الدولة لم ينتج لليمن سوى الانهيار، والفوضى، والعزلة، واستباحة القرار الوطني".
وتابع بالقول: "ولهذا، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة شعارات يرفعها الحوثي لخداع البسطاء، بل هي معركة استعادة الدولة، وإنقاذ اليمن من مشروع المليشيا، وتحرير قراره الوطني من الوصاية الإيرانية"، مؤكداً أن "الحوثي ليس مقاومة، بل مشروع دمار إيراني على الأرض اليمنية".
تقسيط الحرب
وعن توقيت مشاركة الحوثيين إيران حربها، يقول الصحفي "علي الفقيه" "انخراط الحوثيين في الحرب بعد مرور حوالي شهر على اندلاعها، يؤكد الطرح الذي ذهب إلى تقسيط إيران لأوراق اللعبة التي لم تستخدمها دفعة واحدة وتزامنه مع بدء محادثات لوقف الحرب يمنحها نقطة قوة على اعتبار انه لا يزال لديها نقاط قوة".
ويشير "الفقيه" إلى أن اختيار الحوثي تدشين انخراطه في اللعبة بإطلاق دفعة صواريخ إلي جنوب إسرائيل، وليس بهجمات على سفن في البحر الأحمر، يحمل رسالة أن لديه ما يقدمه أكثر من مجرد تشكيل مصدر إزعاج لحركة الملاحة في البحر الأحمر أو تكرار استهداف قواعد أمريكية في المنطقة على غرار ما تقوم به إيران والمليشيات الموالية لها في العراق.
ويرى الصحفي الفقيه أن "الأهم من هذا كله أن صنعاء والحديدة ستكون خلال الساعات القادمة على موعد مع هجمات ربما تكون أشد من سابقاتها".
بحسب حاجة إيران
وفي هذا الإطار يؤكد الصحفي والمحلل السياسي "عدنان الجبرني" أن الحوثي اختار تدخله إلى "جانب إيران عبر إطلاق صاروخ إلى إسرائيل لعدة أهداف"، منها "استدعاء رد إسرائيلي لكي يدخل المعركة مباشرة وتخفيف الارتباط بإيران".
ووصف هذا الدخول بأنه "متدرج" وبحسب حاجة إيران، مضيفاً أنه "إذا الحاجة الايرانية الآن إرهاق الدفاعات الاسرائيلية وإحداث ضرر في إسرائيل فسيركز على إسرائيل، وإذا الحاجة ضغط على ترمب سيتجه باب المندب، وإذا دزل المنطقة فسيضغط عليها وإن بمبرر القواعد العسكرية وهكذا".
ويرى أنه "واضح في بيان الحوثي أن إدخاله على خط المعركة جاء بسبب استهداف اسرائيل للبنية التحتية الإيرانية قبل يومين. لافتاً إلى أنه "في نص بيان الحوثي صباح اليوم "ورداً على استهداف البنية التحتية".
ووفق ذلك يشير الجبرني إلى أن "الحوثي يرى المعركة طويلة، وعلى مراحل وسيكون تدخله تصاعدياً (حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة) بحسب البيان الافتتاحي للجماعة".
وقال "المحور اليوم يخوض المعركة بكامل ثقله وأركانه، في ظل ضعف المركز في طهران، وهذا يعني معركة طويلة بنهاية حاسمة له أو عليه".
دخول متوقع
من جهته يؤكد الباحث والكاتب "توفيق الحميدي" أن دخول الحوثي في الحرب إلى جانب ما يُسمّى بمحور المقاومة كان متوقعًا، لكن الجدل ظلّ حول توقيته، الذي بات أكثر وضوحًا مع الضربات الإسرائيلية على منشآت الطاقة النووية الإيرانية، بما يشير إلى تحول مدروس ذي طابع استراتيجي".
ولفت الحميدي في تعليق له إلى أن "هذا الدخول سيعيد تعريف موقع اليمن داخل الصراع الإقليمي والدولي، بوصفه منطقة قلق استراتيجي تتطلب مقاربة مختلفة في التعاطي معها".
وعن بعد ذلك العملياتي قال إنه يهدف إلى تخفيف الضغط عن إيران وتوسيع نطاق الاشتباك عبر الصواريخ والمسيّرات واستهداف الممرات البحرية، كما يسعى إلى إرباك الخصم الإسرائيلي داخليًا وعسكريًا، ورفع كلفة المواجهة دون الانزلاق إلى حرب تقليدية مفتوحة.
وفي الجانب السياسي، أوضح الحميدي أن الحوثي يحاول توظيف هذه اللحظة لفرض نفسه كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة، منتقلاً من طرف محلي إلى لاعب ضمن معادلة إقليمية أوسع.
وقال: "وفي الإطار الأوسع، يظهر دوره كجزء من استراتيجية إيرانية تقوم على إدارة الصراع عبر الوكلاء، من خلال الضغط غير المباشر دون مواجهة مباشرة".
عقدة الصراع
وطبقاً للكاتب الحميدي، يحمل هذا التحرك أيضاً "رسالة واضحة بأن عقدة الصراع لم تعد محصورة في مضيق هرمز، بل امتدت إلى باب المندب كسلاح جغرافي مؤثر يعيد تشكيل معادلات التجارة والتحالفات الدولية".
وأشار إلى أنه على المستوي الأقتصادي، يفضي ذلك إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، مع اتساع أثر الأزمة ليطال دولًا وأفرادًا، ويزيد الضغط على الأطراف المنخرطة في مواجهة إيران.
وداخلياً يرى أن هذا التصعيد يقوض أي فرص للسلام، كما يعزز احتمالات التوتر الداخلي، ويعمّق أزمة الدولة اليمنية، ويعيد إنتاج الانقسام ويضعف أي إمكانية لبناء مسار وطني جامع.
وأكد أنه في المحصلة، فإن دخول الحوثي الحرب لا يعني فقط فتح جبهة جديدة، بل تحويل اليمن إلى عقدة صراع مفتوح بقدرة عالية على التعطيل دون حسم.