من التريّث إلى التفعيل: كيف كشفت وسائل الإعلام الإيرانية توقيت إدخال الحوثيين إلى الحرب؟
عندما يتعلق الأمر بالتغطية الإعلامية الإيرانية لإعلان مليشيات الحوثي الانضمام إلى جانب إيران في الحرب الجارية، فإن المسألة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد خطاب تعبوي أو احتفاء دعائي بانضمام "جبهة جديدة" إلى ساحة الصراع، بل باعتبارها نافذة كاشفة لطريقة تفكير طهران في إدارة الحرب عبر شبكتها الإقليمية من الوكلاء، وكيفية توظيف هذه الأطراف ليس فقط كأدوات ضغط عسكرية، بل كأوراق يتم تحريكها وتوقيت استخدامها وفق الحاجة الاستراتيجية الإيرانية، لا وفق منطق القرار الذاتي الكامل لتلك الجماعات.
ومن هذا المنطلق، فإن التغطية التي ظهرت في الصحف والمنصات الإيرانية، من صداوسيما إلى عصر إيران ووطن امروز، تكشف تناقضا لافتا بين الرواية الإيرانية التقليدية التي تتحدث عن "استقلالية" حلفائها، وبين ما توحي به هذه المواد نفسها، وهو أن الحوثيين لم يدخلوا الحرب حين أرادوا فقط، بل عندما أصبح دخولهم مفيدا في الحساب الإيراني العام.
تغطية الحدث.. ودلالة توقيته السياسي
مما يلفت الانتباه في هذه التغطية ليس ما قالته هذه المنصات بعد دخول الحوثيين إلى الحرب، بل ما تناولته قبل ذلك؛ فحين تنشر منصة إيرانية قريبة من المزاج السياسي السائد مثل عصر إيران مضمونا يفيد بأن الحوثيين في اليمن ابتعدوا عن الدخول في الحرب "بطلب من إيران"، فإن هذا يدل على أن قرار الانخراط أو عدمه لم يكن قرارا حوثيا خالصا، بل كان جزءا من إدارة مركزية للتوقيت، تتحكم بها ما تسمّى "غرفة العمليات المشتركة" التي تقودها طهران وتضم حلفائها في المنطقة.
وبصيغة أوضح، لم يكن الحوثيون خارج الحرب ثم قرروا فجأة دخولها، بل كانوا ورقة جاهزة لكنها مؤجلة الاستخدام في الوقت المناسب بالنسبة للنظام الإيراني في مواجهة حرب تُوصف بالوجودية من منظوره.
وهذا النمط من توظيف الوكلاء ينسجم تماما مع العقيدة الإيرانية في إدارة الأزمات، والتي لا تقوم على فتح كل الجبهات دفعة واحدة، بل على توزيع التصعيد بطريقة تتيح تحقيق أعلى قدر من الضغط بأقل كلفة ممكنة من وجهة النظر الإيرانية، ولو كانت الكلفة باهظة جدا على خصومها سياسيا وعسكريا واقتصاديا.
وعلى هذه الخلفية، يُمكن فهم لماذا بقي الحوثيون، رغم جاهزيتهم الخطابية والعسكرية، خارج الانخراط الكامل لشهر منذ اندلاع الحرب، قبل أن يتحولوا فجأة إلى عنوان بارز في الإعلام الإيراني، إذ بمجرد أن تغيّر التوقيت السياسي والعسكري، لم تعد وسائل الإعلام الإيرانية تتحدث عن "التريث"، بل انتقلت إلى خطاب مختلف تماما، كما ظهر في تغطية صداوسيما التي أعلنت صراحة: "اليمن دخل الحرب رسميا"، وهي عبارة لا تعني فقط انضمام طرف جديد إلى الصراع، بل تكشف أن الجبهة اليمنية جرى تفعيلها في اللحظة التي رأت فيها طهران أن إدخالها بات يخدم شكل الحرب الذي تريده.
وظيفة الحوثيين داخل الاستراتيجية الإيرانية
على مدى سنوات طويلة، حاولت إيران الحفاظ على معادلة دقيقة في خطابها السياسي أن تستفيد من وكلائها الإقليميين باعتبارهم أدوات ردع وتهديد واستنزاف، من دون أن تتحول هذه العلاقة إلى تبنٍّ صريح ومكلف سياسيا على الأقل في الخطاب العلني.
ولهذا، لطالما لجأت طهران إلى سردية مفادها أن الحوثيين أو حزب الله أو المليشيات العراقية يتصرفون وفق حساباتهم الخاصة، وأنهم ليسوا مجرد أدوات بيدها.
لكن في الحرب الراهنة، كما في السنوات الأخيرة عموما، يبدو أن هذه الصيغة القديمة بدأت تتآكل؛ فالصحف الإيرانية تتحدث عن "محور المقاومة" ليس كتحالف سياسي فضفاض، بل كـ بنية عملياتية متكاملة، وهو ما يظهر بوضوح في تناول وطن امروز للحوثيين باعتبارهم جزءا من "معادلة الحرب"، لا مجرد فاعل جانبي فيها.
وهنا يصبح دور الحوثيين أكثر وضوحا: إيران لم تعد تريد منهم في هذه المرحلة أن يكونوا فقط ذراع ضغط قابلة للإنكار، بل أن يظهروا كجزء من هندسة الردع الإقليمي المعلنة.
وتكمن القيمة الاستراتيجية الخاصة للحوثيين في نظر طهران في أن سيطرتهم على جزء مهم من الموقع البحري اليمني تمنحهم قدرة على تهديد:
البحر الأحمر
الملاحة الدولية
الممرات التجارية
التموضع الأمريكي في القرن الإفريقي
وبالتالي، فإن إدخالهم إلى المعركة لا يعني فقط إضافة جبهة جديدة، بل إضافة حيز جغرافي استراتيجي جديد للحرب، ورفع كلفة المواجهة على الخصوم بطريقة تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى الاقتصادي والبحري والإقليمي.
إحراج رواية الحوثيين كفاعل مستقل
تكمن المفارقة في هذه التغطية أن الإعلام الإيراني، وهو يحاول إظهار قوة "المحور"، كشف أكثر مما كان ينبغي كشفه، فكلما بالغت هذه الوسائل في تصوير الحوثيين كجزء من شبكة إيرانية واحدة تُفتح وتُغلق جبهاتها بحسب الضرورة، اقتربت أكثر من نسف الرواية القديمة التي حاولت طهران وحلفاؤها تسويقها لسنوات، ومفادها أن هذه الجماعات تتحرك بوصفها فاعلين مستقلين بالكامل.
وهنا تحديدا تظهر القيمة السياسية لهذه المواد لأن المراقب الخارجي لا يحتاج، بعد هذا النوع من التغطية، إلى كثير من الجهد ليستنتج أن قرار الحرب والسلم لدى الحوثيين ليس بيدهم، بل يرتبط بحسابات إيرانية أوسع.
وإذا كانت بعض المنصات الإيرانية تقول بوضوح إن الحوثيين لم يدخلوا الحرب لأن إيران لم تطلب منهم ذلك بعد، ثم تأتي المنصات الرسمية نفسها بعد ذلك لتحتفل بأن "اليمن دخل الحرب رسميا"، فإن الرسالة السياسية تصبح واضحة: إيران لا تنظر إلى الحوثيين فقط كحليف يساندها عند الحاجة، بل كـ جبهة احتياطية قابلة للتفعيل وفق الإيقاع الإيراني.
الخلاصة
ما تقوله الصحافة والمنصات الإيرانية لا يدعم فقط فرضية التنسيق بين طهران والحوثيين، بل يكشف بصورة أوضح أن دخول الجماعة إلى الحرب لم يكن تعبيرا عن قرار محلي مستقل أو تصعيدا نابعا من حساباتها الذاتية وحدها، بقدر ما كان تفعيلا محسوبا لورقة إقليمية جرى الاحتفاظ بها إلى أن رأت إيران أن فتح الجبهة اليمنية بات يخدم إيقاع الحرب وشكلها وتوقيت التصعيد الذي تريد فرضه.