"قحطان".. الأب وصوت الشعب الذي غيبّه الحوثيون (بروفايل)
يدخل السياسي "محمد قحطان"، اليوم 5 أبريل/ نيسان 2026 عامه الـ 12 وهو في سجون مليشيا الحوثي في صنعاء، والتي لم تزج به فقط في غياهب السجون، بل منعت "خروج صوته وصورته إلى خارج جدران وأسوار المعتقل، حيث تتلهف أسرته لسماعه ومعرفة مصيره".
قحطان وهو السياسي والقيادي في حزب الإصلاح، وأحد أبرز رموز العمل الحزبي والسياسي المعاصر في اليمن، يكون قد دخل هذا العام كذلك عامه الـ 68 وهو المولود في العام 1958 في منطقة تعد جزءًا من العدين محافظة تعز سابقاً (إب حالياً)، إذ ولد في عامٍ، كانت تتخلق فيه ثورة على النظام الإمامي والتي اكتملت بعد 4 أعوام تقريباً.
وطيلةُ طفولتهِ التي عاشها في قريته ثم شبابه في مدينة تعز، التي كانت قد سبقت في نفض غبار الجهل وكسر قيد الإمامة البائسة، لينطلق فيها صوت اليمني معبراً عن ذاته في رحلة البحث عن دولة مواطنة تتسع للجميع، فكان لقحطان فيها أي تعز دراسته الابتدائية والثانوية، وهي المدينة التي كانت تضج بالعمل السياسي وتعدد التيارات من قومية ويسارية وإسلامية.
وبين تعز وصنعاء ظلت خطواته تتسارع ووعيه السياسي يتفتح ثم ينضج، متلهفاً بروح وثابة لتحصيل العلم وممارسة العمل السياسي والذي كان سرياً لطبيعة المرحلة حينها، كما أنه بدأ حياته العملية مدرساً في مدارس تعز من العام 1974 وحتى بداية الثمانينيات ثم ليتوج مسيرته العلمية بالحصول على شهادة "الشريعة والقانون"، من جامعة صنعاء.
ليأتي عام الوحدة اليمنية 1990 حيث أعلنت التعددية السياسية لأول مرة في اليمن، ليكون بذلك "محمد قحطان" أحد أبرز أقطابها وأصواتها المرتفعة، حيث أصبح قيادياً بارزاً في حزب “الإصلاح” ثاني أكبر الأحزاب اليمنية، متولياً رئاسة الدائرة التنظيمية، ثم الدائرة السياسية، ثم عضواً في الهيئة العليا للحزب حتى اليوم.
ومع ذلك تجاوز قحطان أسوار العمل التنظيمي، كما أن صوته وتأثيره السياسي تجاوز هو الآخر دوائر وأنصار حزبه ليمتد إلى الأحزاب الأخرى بل وصل تأثيره إلى غرف صنع القرار، لرؤاه وأفكاره التي كان يعبر عنها عياناً فغدا قحطان رمزاً بإمكان المنتسب لحزب الإصلاح حينها أن يباهي به ويقرنه بشخصيات سياسية أخرى شكلت معه أيقونة سياسية عبرت عن مرحلة ما قبل حرب صيف 94 وما بعدها.
رجل الإجماع
عمل "محمد قحطان" خلال مسيرته على تكوين شبكة علاقات داخل حزبه وخارجة، وهي السبب الرئيسي الذي جعل منه "رجل الإجماع" في مراحل والهدف الأول للتغييب في مراحل أخرى، ففي داخل التجمع اليمني للإصلاح، يُعتبر قحطان "البوصلة السياسية" للحزب، فكما كان قريباً من كل قيادات الحزب المؤثرة كان داعماً للشباب، لذا كان صوته قوياً إبان ثورة 11 فبراير 2011 والتي تصدر لها الشباب ومنهم شباب الإصلاح.
مهندس اللقاء المشترك
وفي ظل التجاذبات السياسية ومعترك الخلاف مع النظام الحاكم وحزب المؤتمر الشعبي العام، برزت عبقرية قحطان، حيث نجح في بناء علاقات "شبه مستحيلة" في ذلك الوقت، فظهر مهندساً للتوافقات والتحالفات فأطلق عليه مهندس "تحالف اللقاء المشترك" الذي ضم قوى إسلامية وقومية ويسارية، وتولى فيه منصب المتحدث الرسمي، كأول تحالف من نوعه ليس في الدول العربية بل في الديمقراطيات الناشئة على مستوى العالم.
ويرى الكثير ممن كتب عنه أنه ظل "محط أنظار الجميع" تتبعه عدسات "الكاميرات"، وتتصدر كلماته "مانشيتات الصحف" والتي تلتقط حديثه في ديناميكية نشاطه السياسي في المفاوضات والاجتماعات، وعند التطورات المتلاحقة في التجاذب مع السلطة الحاكمة وقت الأزمات والإخفاقات.
فمع اليسار والقوميين بنى علاقة ثقة عميقة مع قادة الحزب الاشتراكي اليمني (مثل جار الله عمر) والتنظيم الناصري. هذه العلاقة حولت الخصوم الأيديولوجيين إلى حلفاء سياسيين تحت مظلة "اللقاء المشترك".
ومع حزب المؤتمر (الحزب الحاكم سابقاً)، رغم معارضته الشديدة لنظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، إلا أنه كان "المحاور الذي لا يُرفض له اتصال"، وكان يمتلك خيوط تواصل مباشرة مع قيادات المؤتمر للوصول إلى تسويات في لحظات التأزم.
ثقل شعبي
وفوق ذلك كان على المستوى الاجتماعي والقبلي، له ثقل كبير، كونه ينتمي لمحافظة تعز (الثقل الثقافي والمدني) ونشاطه في صنعاء (مركز القرار والقبيلة)، لذا استطاع قحطان أن يكون حلقة وصل بين تطلعات المدنية في تعز والتوازنات القبلية في الشمال.
أما على المستوى الإقليمي والدولي فهو المحاور الموثوق، ففي فترات الحوار الوطني وما قبلها، كان قحطان الشخصية التي تلتقي بها الوفود الدولية وسفراء الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية، حيث كان يُنظر إليه كمصدر دقيق لتحليل المشهد اليمني.
كما أنه حافظ على تواصل متزن مع القوى الإقليمية المؤثرة في الملف اليمني، مستخدماً لغة سياسية واقعية، لذلك لم يكن قحطان مجرد قيادي حزبي، بل كان "نقطة التقاء". هذه الشبكة الواسعة من العلاقات جعلت من إخفائه محاولة لكسر "غرفة العمليات العقلية" للسياسة اليمنية التوافقية.
صوت الأب والشعب المصادر
في 4 أبريل/ نيسان 2015، بعد أشهر من انقلابها على الدولة ومع بدء المقاومة لمشروعها الانقلابي وانطلاق عاصفة الحزم، اقتحمت مليشيا الحوثي منزل محمد قحطان في صنعاء بعد أن كانت قد فرضت عليه إقامة جبرية عقب إيقافه وهو غفي طريقه إلى مدينة عدن وذلك في 24 فبراير/شباط 2015.
وفي 14 من الشهر ذاته ولثقل الرجل في المعترك السياسي، اعتمد مجلس الأمن الدولي قراره رقم 2216 تضمن المطالبة بالإفراج الفوري عن السياسي “قحطان” ووزير الدفاع محمود الصبيحي، واللواء فيصل رجب.
إلا إن المليشيا لم تنفذ قرار مجلس الأمن ومع أنها أفرجت عن بقية المشمولين بالقرار وكلهم عسكريون، أبقت على "قحطان" كورقة للابتزاز، كما أنها وطيلة السنوان الماضية لم تسمح لأسرته في زيارته أو الاتصال به سوى مرة واحدة في السنة الأولى من اختطافه.
تصريحات سابقة لأولاده ومنهم ابنته "فاطمة قحطان" تحدثت عن مدى الحرمان الذي تعانيه الأسرة، فهم محرمون من صوته فكما غيبت مليشيا الحوثي صوت السياسة في اليمن صادرت دون حق صوت الأب والجد وكبير الأسرة.