بعد استعادة مقراته… الانتقالي يصعّد عبر ملف الخدمات مستغلاً تردد الحكومة في الحسم
بعد أن تمكن من استعادة مقراته في عدن وشبوة وحضرموت، بدأ المجلس الانتقالي الجنوبي استغلال التدهور الملحوظ في ملف الخدمات الأساسية وأزمة النفط والغاز للتصعيد ضد الحكومة، وإرباك عملها وإفشالها، ضمن استراتيجية تبدو بديلة بعد تحقيق أولويته المتمثلة في إعادة نشاطه إلى مجراه.
وقد استغل الانتقالي—الذي أعلنت مجموعة من قياداته العليا في الرياض حلّه خلال الفترة الماضية—حالة الضعف والتردد لدى الحكومة في تنفيذ قرارات الحسم، بما يشمل أنشطته وإغلاق مقراته واستعادتها باعتبارها مقرات حكومية جرى الاستيلاء عليها خلال السنوات الماضية، وذلك في محاولة لاستعادة زمام المبادرة سياسياً وميدانياً، في خطوة يراها بعض المراقبين نتيجة طبيعية لعدم استكمال تفكيك البنية الاقتصادية والعسكرية للمجلس، وترك خيار المحاسبة جانباً.
قرارات متذبذبة… وحسم غائب
تعكس سياسة الحكومة تجاه الانتقالي حالة من التذبذب الواضح؛ إذ تصدر قرارات بإغلاق مقراته بشكل نهائي، ثم لا تلبث أن تتراجع، ليعود النشاط إلى طبيعته، ما يثير تساؤلات حول امتلاكها رؤية واضحة للتعامل مع المجلس، الذي يُنظر إليه باعتباره ممثلاً للإمارات، خاصة بعد المتغيرات التي جرت مطلع يناير الماضي، وتداخل ذلك مع ما تريده السعودية من الانتقالي، ورؤيتها لترتيبات المحافظات الجنوبية.
وعلى الرغم من إعلانات محافظي عدن وشبوة وحضرموت بإغلاق المجلس ومنعه من ممارسة أي نشاط، بما في ذلك تنظيم المظاهرات أو المسيرات دون ترخيص مسبق، بالتزامن مع إصدار أوامر قضائية بحق عدد من قياداته بتهم التحريض على العنف وإثارة الفوضى وتهديد السلم العام، إلا أن هذه الإجراءات لم تُنفذ فعلياً، إذ سرعان ما تتبخر تلك القرارات دون تفسير واضح.
كما أن تدخل شخصيات اجتماعية وسياسية في وساطات مع السلطة المحلية في حضرموت أدى إلى الإفراج عن المعتقلين، ما أعاد الانتقالي إلى موقع المبادرة.
أزمة خدمات خانقة… وملف مفتوح للضغط
انتقل المجلس إلى استثمار تدهور الخدمات خلال الأيام الماضية، لا سيما أزمة الكهرباء التي وصل انقطاعها في عدن إلى نحو ثماني ساعات يومياً، إلى جانب أزمة الوقود والغاز المنزلي، واستمرار أزمة السيولة التي جعلت الحكومة عاجزة عن دفع الرواتب بشكل منتظم.
ورغم محاولات الحكومة ضخ فئة 100 ريال يمني، رفض الصرافون والتجار التعامل بها، ما زاد من معاناة المواطنين، في ظل ممارسات مثيرة للجدل، من بينها تقييد صرف العملات الأجنبية للمواطنين بحدود لا تتجاوز 500 ريال سعودي أو 100 دولار.
وفي هذا السياق، تبنّى الانتقالي خطاب الخدمات كأداة ضغط، باعتباره الملف الأكثر حساسية وتأثيراً في حياة المواطنين، مستغلاً حالة الغضب الشعبي لاستعادة حضوره.
النقابات كأدوات ضغط ميداني
بالتوازي، بدأ المجلس بتحريك الهياكل المدنية التي أنشأها خلال فترة سيطرته الانفرادية، ومن بينها "اتحاد عمال الجنوب"، الذي منح الحكومة مهلة ثلاثة أيام عبر بيان شديد اللهجة، مطالباً بحلول عاجلة لأزمات الكهرباء والوقود والغاز، وصرف العلاوات المتأخرة، مهدداً بالتصعيد والنزول إلى الشارع.
كما قد تمهد هذه الخطوة لتحركات مماثلة من كيانات أخرى، مثل "نقابة الصرافين الجنوبيين" للضغط على البنك المركزي في ملف السيولة، إلى جانب ما يُعرف بنقابة المعلمين الجنوبيين، في إطار شبكة أدوات ضغط ذات طابع سياسي وميداني.
انقسام داخلي وانتقادات متصاعدة
وفي السياق ذاته، قال رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان في عدن، محمد قاسم نعمان، إن وضع المجلس الانتقالي حالياً يعكس حالة من الانهيار والتمزق الداخلي، موضحاً أن اهتمامه بقضايا الخدمات والمشكلات التي يعاني منها المجتمع لا يُعد في الواقع من أولوياته في ظل الظروف التي يمر بها.
وأضاف، في تصريح لمنصة "الهدهد"، أن أولويات المجلس تتركز حالياً على محاولة لملمة أوضاعه الداخلية من خلال إجراء تقييم نقدي جريء لتجربة عمله في السنوات التي تلت تأسيسه، وصولاً إلى حالة الانهيار التي تجلت في تحركاته العسكرية الأخيرة في حضرموت والمهرة، والتي تم توريطه فيها، وما أعقبها من قرار حله، بغض النظر عن الجدل القائم حول صحة إجراءاته التنظيمية.
وتابع أن هذا التقييم النقدي هو ما يجب على القيادات المتبقية الاهتمام به والتفرغ له واستيعابه، بما يضمن توفير شروط ومتطلبات استمراره ضمن المكونات الجنوبية، وفي إطار الفعل الديمقراطي.
إعادة تشكيل أم سقوط؟ قراءة في المشهد
من جانبه، قال رئيس المنتدى الثقافي العدني، أحمد حميدان، إن ما جرى في الفترة الماضية لا يمثل سقوطاً كاملاً للمجلس الانتقالي، بل يقتصر على إزاحة قيادته، بينما لا تزال المنظومة السياسية التي قام عليها قائمة.
وأوضح حميدان في تصريح لمنصة الهدهد أن ما يحدث هو محاولة لإعادة تشكيل هذه المنظومة وتطبيعها بما يخدم أهدافاً إقليمية، مشيراً إلى أن السعودية—بحسب تقديره—لا تسعى إلى إنهاء المجلس الانتقالي بشكل كامل، وإنما إلى إعادة توجيهه ليكون أداة تخدم مصالحها بدلاً من كونه مرتبطاً بنفوذ إماراتي.
وأضاف أن تغيير القيادة جاء نتيجة تمردها على التوجهات السعودية ودخولها في سياق الصراع السعودي الإماراتي، مؤكداً أن عودة القيادة السابقة، بما في ذلك عيدروس الزُبيدي، لم تعد مطروحة.
وأشار إلى أن المجلس الانتقالي يتكوّن من خليط من المكونات السياسية، بينها عناصر من المؤتمر الشعبي العام، والحزب الاشتراكي، وتيارات الحراك الجنوبي، لافتاً إلى أن بعض هذه المكونات بدأت بإعادة ترتيب نفسها في محاولة لتقديم بدائل جديدة، خاصة تلك المرتبطة بالسعودية.
وأكد أن القوى التي لم تنخرط في المجلس الانتقالي ظلت مهمّشة ولم يتم إشراكها أو التحاور معها، رغم معارضتها لسياساته.
وبيّن حميدان أنه لاحظ، خلال زيارته إلى السعودية، أن الرياض لا تركز على بناء مؤسسات دولة أو البحث عن قيادات وطنية، بل تركز على التعامل مع الأطراف المنخرطة في المجلس الانتقالي بهدف إعادة تشكيله بما يخدم أجندتها.
وأوضح أن استمرار الأزمات الخدمية، مثل الكهرباء والرواتب، يعود إلى بقاء منظومة الفساد التي تشكّلت خلال سنوات الحرب، والتي لا تزال تتحكم في الإيرادات والموارد والقطاع المالي، بما في ذلك البنوك والمصارف، ما أعاق قدرة الدولة على إدارة مواردها أو توفير السيولة.
وأضاف أن المجلس الانتقالي قام في بنيته على خطاب المزايدة باسم القضية الجنوبية، لكنه ابتعد—بحسب قوله—عن قيمها، واتجه نحو بناء نفوذ عسكري واقتصادي وقبلي بهدف السيطرة على السلطة ومنافسة الأطراف الأخرى، وهو ما أدى إلى تعميق الانقسامات وخدمة أجندات خارجية.
وأشار إلى أن بعض قيادات هذا التيار ذهبت إلى حد إعلان الاستعداد للتحالف مع قوى إقليمية، بل وحتى القبول بالتطبيع مع إسرائيل، في سبيل تحقيق أهدافها السياسية.
وختم بالقول إن أي إصلاحات حقيقية لن تكون ممكنة ما لم يتم تفكيك المنظومة الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تشكّلت خلال فترة سيطرة الانتقالي، وفتح ملفات الفساد والاغتيالات والسجون السرية، بما يضمن المساءلة، مؤكداً أن استمرار هذه المنظومة سيبقي حالة العبث قائمة، في ظل تمسك بعض القيادات بخطاب الانقسام وعدم الإيمان بمفهوم الدولة الوطنية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن معركة الخدمات ستتحوّل إلى أداة صراع سياسي مفتوح، يستثمرها المجلس الانتقالي لتعزيز موقعه، في مقابل حكومة لا تزال عاجزة عن الحسم، وبين تصاعد الضغوط واستمرار التردد، تبقى كلفة هذا الصراع مرهونة بحياة المواطنين الذين يدفعون الثمن يومياً.