دور "صالح" و"هادي".. شهادة جديدة تعيد فتح ملف سقوط عمران واستشهاد العميد القشيبي
بعد أكثر من 11 عاماً على سقوط محافظة عمران (شمالي اليمن)، بيد مليشيا الحوثي في يوليو/تموز 2014، تعود تفاصيل تلك المرحلة إلى الواجهة مجدداً عبر شهادة "عمر القشيبي"، نجل القائد العسكري في الجيش اليمني، قائد اللواء 310 مدرع العميد حميد القشيبي، الذي قدّم رواية موسعة حول مسار الأحداث العسكرية والسياسية التي سبقت سقوط المدينة ومقتل والده.
وفي مقابلة مصورة ضمن بودكاست اليمن" الذي يقدمه "أسامة عادل"، كشف القشيبي الابن عن سلسلة من التفاصيل، يرى أنها مهّدت لانهيار الجبهة العسكرية في عمران، بدءاً من تمدد الحوثيين شمالي المحافظة، مروراً بالانقسام القبلي والسياسي، وصولاً إلى ما وصفه بحالة “الحياد الرسمي” التي التزم بها الجيش والدولة آنذاك.
بعد دماج
يقول القشيبي إن التحولات الميدانية بدأت عقب انتهاء معارك دماج، عندما شرعت مليشيا الحوثي بالتقدم نحو مديريات شمالي عمران، خصوصاً منطقة عذر.
وبحسب روايته، كانت القبائل المحلية من "عذر والعصيمات" أول من تصدى لهذا التقدم دفاعاً عن مناطقها، بينما بقيت الوحدات العسكرية دون تدخل مباشر.
ويضيف أن 4 ألوية عسكرية كانت متمركزة في صعدة ومحيط دماج لم تتحرك بسبب غياب أوامر واضحة، ما جعل القبائل تخوض المواجهة بشكل منفرد في المرحلة الأولى.
ويرى أن قرار الحياد الذي اتخذته الدولة آنذاك خلق فراغاً أمنياً استغلته الجماعة لتعزيز حضورها الميداني تدريجياً.
اتفاق الخط الأسود.. الطريق نحو عمران
من أبرز النقاط التي تحدث عنها القشيبي ما عُرف باتفاق "الخط الأسود"، وهو تفاهم قبلي ـ سياسي قال إنه سمح للحوثيين بالتحرك عبر مسار محدد باتجاه صنعاء مقابل عدم دخول بعض المناطق القبلية.
وبحسب شهادته، وقّع عدد من المشايخ على الاتفاق، ما أدى عملياً إلى تأمين مرور الجماعة حتى وصولها إلى أطراف مدينة عمران، حيث تمركزت قرب نقطة الأمن المركزي شمال المدينة.
دور صالح وتخاذل هادي
وبهذا الخصوص كشف القشيبي عن دور مباشر للرئيس الأسبق علي عبدالله صالح في تلك الأحداث، مؤكداً أنه كان يتصل بمشايخ "العصيمات" وبقية القبائل ويحثهم صراحة على عدم مواجهة الحوثي، قائلاً لهم: "لا تخربوا ما نصلحه نحن".
كما أشار إلى "تخاذل" متعمد من قبل الرئيس السابق عبدربه منصور هادي ووزير دفاعه حينذاك محمد ناصر أحمد، معتبراً أن الخلافات السياسية التي خلفتها أحداث 2011 قسمت الولاءات القبلية، وهو ما استغله الحوثيون لاختراق الجبهة الداخلية.
اتهامات بتعطيل المواجهة
في روايته، يوجّه القشيبي انتقادات حادة للقيادة السياسية والعسكرية في تلك المرحلة، متهماً أطرافاً رسمية بالتقصير في دعم القبائل والقوات المدافعة عن عمران.
كما تحدث عن اتصالات سياسية جرت مع مشايخ قبائل، هدفت ـ بحسب قوله ـ إلى ثنيهم عن مواجهة الحوثيين، الأمر الذي ساهم في إضعاف الجبهة القبلية.
لجان "التحكيم" بدلاً من الضبط
وفيما يخص وصول الحوثيين إلى مشارف مدينة عمران، استذكر القشيبي واقعة نقطة "الأمن المركزي" في ريدة، حيث أرسل الرئيس هادي لجنة عسكرية برئاسة قائد العنسي وأحمد المقدشي، وبدلاً من ضبط الأمن، قامت اللجنة بـ"تحكيم" الحوثيين ببنادق هجر، في مشهد عكس ضعف موقف الدولة.
استعدادات اللواء 310
يشير القشيبي إلى أن اللواء 310 مدرع، بقيادة والده، لم يبدأ القتال مباشرة، بل ركز في البداية على تعزيز الأمن داخل المدينة بالتنسيق مع السلطة المحلية والأجهزة الأمنية.
وقال إن الحوثيين بدأوا لاحقاً بتنظيم اعتصامات ومظاهرات مسلحة على مداخل عمران، وأقاموا نقاط تفتيش خاصة بهم على الطرق الرئيسية، قبل أن يتحول التصعيد إلى هجوم عسكري انطلق من جبال المطلعة شمال غرب المدينة.
وأضاف أن الهجوم بدأ بقصف منزل الشيخ الأحمر بصواريخ الكاتيوشا، ما أدى إلى اندلاع مواجهات واسعة شاركت فيها وحدات الجيش وقبائل المنطقة وأبناء المدينة، لتتوسع الاشتباكات إلى عدة مواقع حول عمران واستمرت قرابة أربعة أشهر حتى سقوط اللواء 310.
غرفة عمليات مشتركة ودعم قبلي
وأشار إلى تشكيل غرفة عمليات مشتركة ضمت قيادة المحافظة والأجهزة الأمنية واللواء 310، إضافة إلى تنسيق مباشر مع القبائل والمقاتلين المحليين للدفاع عن المدينة، مؤكداً أن مختلف المكونات السياسية والاجتماعية وفي مقدمتهم حزب الإصلاح، شاركت في القتال، بما فيها مواطنون من توجهات حزبية مختلفة.
آخر 48 ساعة
وعن سير المعارك التي استمرت نحو 4 أشهر، أكد عمر القشيبي أن الكفة كانت راجحة لصالح الجيش والقبائل وأبناء المدينة المتطوعين حتى آخر 48 ساعة قبل سقوط اللواء.
واتهم القشيبي وزير الدفاع آنذاك، "محمد ناصر أحمد"، بلعب دور مزدوج، حيث كان يحرض القبائل والأحزاب (وعلى رأسها حزب الإصلاح) على القتال، ليس دفاعاً عن الدولة، بل لإيجاد ذريعة للحوثيين لتصفية هذا "المكون" وإظهار المعركة وكأنها صراع بين ميليشيات، مما مهد الطريق لسقوط اللواء 310 واستشهاد العميد القشيبي.
ملف مفتوح بعد سنوات
تعيد شهادة نجل قائد اللواء 310 تسليط الضوء على واحدة من أهم المحطات التي سبقت سيطرة الحوثيين على صنعاء بعد أشهر قليلة من سقوط عمران.
وبين روايات متعددة حول ما جرى، يبقى ملف معارك عمران عام 2014 واحداً من أكثر ملفات الحرب اليمنية تعقيداً، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الانقسامات السياسية والتحالفات القبلية، في حدث لا تزال تداعياته حاضرة في المشهد اليمني حتى اليوم.