من الصعود إلى الغياب: كيف أعادت السعودية رسم مستقبل الزبيدي؟
بعد مرور أكثر من 100 يوم على اختفاء اللواء عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، تتجه الأنظار مجدداً نحو مستقبله السياسي، وسط انقسام واضح بين من يرى أن الرجل أصبح من الماضي، استناداً إلى الموقف السعودي، وهو الرأي السائد، وبين من يعتقد أنه سيعود وأن المسألة مسألة وقت، وهو موقف أنصار ومؤيدي الانتقالي.
من عدن إلى الغياب: كيف اختفى الزبيدي في لحظة مفصلية من الصراع؟
وكان الزبيدي قد اختفى عن المشهد منذ يناير الماضي، بعد أن ترك قيادات المجلس في مطار عدن للسفر إلى الرياض استجابة لدعوة سعودية، قبل أن يتوارى عن الأنظار دون معرفة أسباب رفضه أو تغيّر موقفه. وفي وقت لاحق، قال المتحدث باسم التحالف العربي بقيادة السعودية، تركي المالكي، إن الزُبيدي غادر عدن باتجاه جمهورية أرض الصومال غير المعترف بها دولياً، ومنها استقل طائرة عسكرية إماراتية إلى أبوظبي.
ومنذ ذلك الوقت، لم يظهر الزُبيدي في أي تسجيل صوتي أو مرئي، واكتفى بالتواصل المحدود مع أنصاره عبر منشورات في حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.
وجاء اختفاؤه بعد خمسة أيام فقط من طرد قواته من محافظتي حضرموت والمهرة، اللتين كانتا قد شهدتا تحركات عسكرية في مطلع ديسمبر الماضي ضمن مساعٍ لتعزيز نفوذ المجلس، وهو ما اعتُبر تهديداً مباشراً للأمن القومي السعودي، نظراً لكون المحافظتين تمثلان عمقاً استراتيجياً للمملكة.
التحول في الموقف السعودي: من الاحتواء إلى محاولة الإقصاء
ودفع ذلك الرياض إلى التدخل عبر دعم قوات "درع الوطن"، وإطلاق عملية عسكرية أُطلق عليها اسم "استعادة المعسكرات"، انتهت بسيطرة هذه القوات على المحافظتين. وترافقت هذه التطورات مع تصعيد سياسي تمثل في إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي إنهاء اتفاقية التعاون العسكري مع الإمارات، وطرد قواتها من اليمن بدعم سعودي، بعد اتهامها بدعم تحركات الانتقالي في حضرموت والمهرة رغم حساسية تلك المناطق بالنسبة للرياض.
كما شهدت العلاقة بين السعودية والإمارات توتراً غير مسبوق منذ تدخلهما في اليمن عام 2015، خصوصاً بعد إرسال أبوظبي تعزيزات عسكرية إلى المكلا، ما دفع الرياض إلى توجيه ضربات عسكرية استهدفت مواقع مرتبطة بها، في تصعيد لافت بين الحليفين.
وفي خضم هذه التطورات، أصدر مجلس القيادة الرئاسي قراراً بإسقاط عضوية الزُبيدي وإحالته إلى التحقيق بتهمة الخيانة العظمى، رغم أنه لم تُجرَ أي محاكمة فعلية حتى الآن.
وخلال الأيام الماضية، ومع اقتراب مرور 100 يوم على اختفائه، ظهرت تسريبات إعلامية متضاربة، تحدثت تارة عن دعوة سعودية له عبر وسطاء للتفاهم، وتارة عن وجوده في الولايات المتحدة، وغيرها من الروايات التي بدت أقرب إلى محاولات لإرباك المشهد، دون أن يتحقق أي منها.
وعلى هذه الخلفية، يعود السؤال: هل انتهى مستقبل الزُبيدي السياسي أم أنه لا يزال قادراً على العودة؟
الانتقالي بين التراجع السياسي وبقاء القوة العسكرية: هل تعود المعادلة للواجهة؟
السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً وواقعية، أن المستقبل السياسي للزُبيدي قد انتهى إلى حد كبير، ويرتبط ذلك بشكل أساسي بالموقف السعودي، الذي تعكسه خطوات الرياض منذ أحداث ديسمبر، حيث بات يُنظر إليه كشخص غير مرغوب فيه ضمن أي تسوية يمنية.
ويعود هذا الموقف إلى ما تعتبره السعودية "طعنة" من الزُبيدي، الذي استفاد طوال السنوات الماضية من دعمها ودعم الإمارات، وحقق مكاسب سياسية مكّنته من ترسيخ وجوده ضمن مؤسسات الدولة. ففي عام 2019، وخلال المواجهات في عدن، سيطر الانتقالي على المدينة بدعم إماراتي، بينما اكتفت الرياض بغض الطرف، قبل أن تعيد ترتيب الوضع عبر "اتفاق الرياض" الذي منح الانتقالي شرعية المشاركة في السلطة دون إلزامه الكامل بتنفيذ بنوده، خصوصاً ما يتعلق بإخراج قواته من عدن.
ومنذ ذلك الحين، واصل الانتقالي التمدد في المحافظات المجاورة، إلى أن تم تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022 بتوافق سعودي-إماراتي، ليحصل الانتقالي على تمثيل مؤثر داخله، ما مكّنه من التأثير في القرار السياسي.
غير أن هذا النفوذ لم يُترجم إلى دور فاعل في مواجهة الحوثيين، بل اتجه المجلس في أواخر 2025 نحو التوسع في حضرموت والمهرة، رغم إدراكه لحساسية ذلك بالنسبة للسعودية، وهو ما أدى إلى تغير جذري في موقف الرياض.
حاولت السعودية احتواء الموقف عبر إرسال لجان عسكرية والتواصل مع الزبيدي وقياداته، إلا أنه رفض تلك المساعي، بل تردد أنه منع هبوط طائرة تقل وفداً سعودياً في مطار عدن، ما اعتُبر إهانة مباشرة للرياض، ودفعها إلى التصعيد ضده إعلامياً وسياسياً، وصولاً إلى دعم قرارات إسقاط عضويته.
وبناءً على ذلك، يبدو أن الرياض حسمت موقفها تجاه الزُبيدي، خصوصاً بعد أن أصبحت الطرف الأكثر نفوذاً في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً عقب تقليص الدور الإماراتي.
أما السيناريو الثاني، فيرتبط برؤية أنصاره الذين يعتقدون بإمكانية عودته، مستندين إلى استمرار قوة التشكيلات العسكرية والأمنية التابعة للمجلس، والتي لم يتم تفكيكها أو إعادة هيكلتها، وما تزال تحتفظ بقدرتها على التأثير.
كما أن سياسة الاحتواء التي تتبعها الحكومة والسعودية، وتجنب الصدام المباشر، قد تمنح الانتقالي فرصة لإعادة ترتيب صفوفه تدريجياً، وهو ما ظهر في استعادة بعض مقراته، رغم مواقف السلطات المحلية الرافضة.
غير أن هذا السيناريو يظل مرهوناً بعوامل عدة، أبرزها موقف الإمارات، التي قد تعود إلى التصعيد خصوصاً بعد انتهاء الحرب على إيران والتي شغلتها، وهو ما قد يضع الحكومة اليمنية والسعودية أمام تحدٍ جديد، خاصة مع محدودية الخيارات العسكرية المتاحة.
فالقوات التي تعتمد عليها الحكومتان في المحافظات الجنوبية، مثل "درع الوطن" أو بعض التشكيلات السلفية، قد لا تكون قادرة أو راغبة في مواجهة قوات الانتقالي، كما أن التعويل على قوات العمالقة، التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي، يبدو خياراً غير مضمون.
وفي المقابل، فإن عدم استكمال الإجراءات بحق الزُبيدي، سواء عبر المسار القضائي أو عبر إعادة هيكلة قواته وتفكيك نفوذه، يجعل أي محاولة لإعادة ترتيب الوضع في عدن والمحافظات الأخرى محفوفة بالمخاطر.
وفي المحصلة، يبقى مستقبل الزُبيدي مرتبطاً إلى حد كبير بقرار سعودي، وهو يميل حتى الآن إلى طي صفحته، في مقابل واقع ميداني لا يزال يمنح الانتقالي أدوات قوة قد تعيد خلط الأوراق في أي لحظة.