ما قصة "وسام قايد".. مهندس نقل الصندوق الاجتماعي من صنعاء إلى عدن الذي انتهت حياته مقتولاً؟
أثار مقتل القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، "وسام عبدالله محمد قايد"، حالة صدمة واسعة، بعد العثور على جثته داخل سيارته في العاصمة المؤقتة عدن، عقب ساعات فقط من اختطافه من أمام منزله، في حادثة أعادت تسليط الضوء على التحديات الأمنية وتعقيدات الصراع حول المؤسسات المالية والتنموية في البلاد.
مصادر أمنية ومحلية قالت لمنصة "الهدهد" إن مسلحين مجهولين اعترضوا "قايد"، عصر الأحد، أمام منزله في مدينة إنماء شمالي عدن، أثناء خروجه بسيارته الخاصة، وأجبروه تحت تهديد السلاح على التوقف قبل اقتياده إلى جهة غير معروفة.
وبحسب المصادر، نفذت العملية باستخدام سيارة من نوع “أكسنت” زرقاء اللون ذات زجاج معتم، حيث أجبر المسلحون مرافقيه على الترجل من السيارة قبل الفرار به.
وذكرت أن "قايد" قتل في نفس المربع الأمني الذي أغتيل فيه القيادي في حزب الإصلاح والتربوي الدكتور عبد الرحمن الشاعر، الأسبوع الماضي، مشيرة إلى أنه كان يستقل لحظة اختطافه سيارته الخاصة من نوع "رافور" بيضاء اللون تحمل لوحة رقم (56531) لحظة وقوع الحادثة.
وأوضحت ساعات من الاختطاف، عثرت الأجهزة الأمنية على جثة قايد داخل سيارته في منطقة الحسوة، ضمن نطاق أمني شهد في وقت سابق حوادث اغتيال مماثلة، بينها حادثة مقتل شخصية أكاديمية قبل أيام.
وأكدت المصادر أن الأجهزة الأمنية باشرت تحقيقاتها فور وقوع الحادثة، وعمّمت بيانات الضحية ومواصفات المركبات المستخدمة في العملية، في محاولة لتعقب الجناة وكشف ملابسات الجريمة.
شخصية تنموية بارزة
ويُعد "وسام قايد" أحد أبرز الأسماء في قطاع التنمية والعمل المؤسسي في اليمن خلال العقدين الأخيرين، إذ لعب دورًا محوريًا في إدارة البرامج التنموية الممولة دوليًا، خاصة عبر الصندوق الاجتماعي للتنمية، الذي يُعد من أهم المؤسسات التنموية في البلاد.
وتولى قايد منصب نائب المدير العام للصندوق، في صنعاء، قبل أن يُعتمد في عام 2025 قائمًا بأعمال المدير التنفيذي، من قبل الحكومة اليمنية في مدينة عدن في إطار ترتيبات لإعادة تنظيم إدارة المؤسسة.
مواجهة مع الحوثيين في صنعاء
وبحسب مصادر مقربة منه، فإن "قايد" يحمل قايد الجنسية البريطانية، وواجه ضغوطًا خلال فترة عمله في صنعاء، بعدما رفض تدخل جماعة الحوثي في إدارة الصندوق وآليات عمله، ما أدى إلى احتجازه لفترة قبل الإفراج عنه لاحقًا.
وتشير المصادر إلى أن الخلافات تصاعدت عقب محاولات فرض السيطرة على التمويلات الدولية التي تمر عبر الصندوق، وهو ما دفعه إلى مغادرة صنعاء والتوجه إلى عدن، حيث بدأ العمل على إعادة تنظيم نشاط المؤسسة تحت إشراف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
مهندس نقل الصندوق إلى عدن
وارتبط اسم قايد واحدة من أبرز الخطوات الاقتصادية والإدارية خلال السنوات الأخيرة، وهي نقل إدارة الصندوق الاجتماعي للتنمية من صنعاء إلى عدن، بعد سنوات من إدارة المؤسسة من مناطق سيطرة الحوثيين.
وأدى القرار إلى تغيير آلية إدارة التمويلات الدولية التي تقدر بمليارات الدولارات، وإلغاء صلاحيات قيادات سابقة كانت تدير الصندوق من صنعاء، في خطوة اعتبرتها الحكومة جزءًا من استعادة السيطرة على المؤسسات المالية والتنموية.
وتقول مصادر مطلعة إن "وسام قايد". لعب دورًا محوريًا في التنسيق مع الحكومة الشرعية لترتيب عملية النقل وإعادة هيكلة العمل المالي والإداري للصندوق.
خلافات في عدن
وبعد انتقاله إلى عدن، واجه قايد تحديات جديدة، بينها خلافات إدارية وسياسية محلية، قبل أن يستمر في عمله عقب تفاهمات سمحت باستمرار نشاط الصندوق ومشاريعه التنموية.
وواجه "قايد" عراقيل في عمله من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل والذي حاول منعه من أداء عمله، حتى تدخل وساطة حكومية حينها شرحت خلاف مع الحوثيين لرئيس المجلس الانتقالي وعضو الرئاسي المقال والمحل للمحاكمة بتهمة الخيانة "عيدروس الزبيدي".
مؤسسة في قلب المعركة
ويُنظر إلى الصندوق الاجتماعي للتنمية باعتباره أحد أهم أوعية التمويل التنموي في اليمن، إذ ينفذ مشاريع في قطاعات التعليم والصحة والمياه والبنية التحتية وسبل العيش، بدعم من مانحين دوليين.
ويرى محللون أن استهداف شخصية ارتبطت بإدارة هذه المؤسسة يعكس حساسية الصراع حول الموارد والتمويلات الدولية في بلد يعيش واحدة من أعقد الأزمات السياسية والاقتصادية في المنطقة.
وفي أغسطس/آب 2025، أوقفت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا التعامل مع توقيع المدير التنفيذي للصندوق عبدالله الديلمي المقيم في صنعاء، ووجّهت باعتماد توقيع وسام عبدالله محمد قايد قائمًا بأعمال المدير التنفيذي.
وأصدر وكيل البنك المركزي اليمني حينها تعميمًا للبنوك لاعتماد توقيع قايد، في خطوة اعتبرها مراقبون تمهيدًا لنقل مقر الصندوق إلى عدن وتعزيز الرقابة على الموارد وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.
وأُنشئ الصندوق الاجتماعي للتنمية بموجب القانون رقم (10) لعام 1997 بهدف المساهمة في تنفيذ برامج الحد من الفقر ودعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية في اليمن.
ويعتمد الصندوق على مصادر تمويل متعددة تشمل المنح والقروض الدولية ودعم مؤسسات مالية وتنموية، إضافة إلى برامج وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
وبين مسار مهني ارتبط بالعمل التنموي وإدارة التمويلات الدولية، وجريمة لا تزال دوافعها غامضة، تبقى قضية مقتل وسام قايد مفتوحة على تساؤلات واسعة بانتظار ما ستكشفه التحقيقات الرسمية بشأن ملابسات الحادثة والجهات المسؤولة عنها.