يوميات أسير من اللواء 101 في سيئون: إذلال الجنود على يد الانتقالي

2025-12-19 20:25 الهدهد/خاص:
تصميم يتضمن مقرا للواء 101 شرطة جوية بسيئون
تصميم يتضمن مقرا للواء 101 شرطة جوية بسيئون

في مساء الثاني من ديسمبر، لم يكن الليل في سيئون عابرًا.

كانت المدينة تتنفّس قلقًا مكتومًا، والمطار غارقًا في صمت ثقيل، كأن المكان بأكمله ينتظر ما سيقع في اليوم التالي. لم تكن المليشيات قد دخلت بعد، لكن الخطر كان حاضرًا، محسوسًا، يسبق قدومه بخطوة.

في ذلك المساء، جمع العميد الركن سعيد عبيد لحمر، قائد اللواء 101 شرطة جوية بسيئون، جنوده. لم يكن اجتماعًا عسكريًا تقليديًا، بل لحظة فاصلة يُرسم فيها خط واضح بين ما يجب فعله وما يجب تحمّل تبعاته. قالها بوضوح لا يحتمل التأويل: لا قتال… لا إطلاق نار… ولا رصاصة واحدة تخرج من داخل المطار، مهما حدث.

العميد الركن سعيد عبيد لحمر قائد اللواء 101 شرطة جوية

كان المطلوب تأمين المطار فقط، وحماية كل من فيه، مدنيين وعسكريين، التزامًا باتفاق أُبرم بين لجنة أمنية تابعة لمليشيات المجلس الانتقالي وإدارة المطار. ثم أضاف القائد بعدًا إنسانيًا حاسمًا لأمره:

من شعر بالخوف، أو خشي أن يعرّض غيره للخطر، فله أن يغادر، المهم أن تبقى قوة كافية تؤمّن المطار.

ومع فجر الثالث من ديسمبر، حين بدأت مليشيات المجلس الانتقالي بالسيطرة على سيئون والتمدد في مدن وادي حضرموت، كان جنود اللواء 101 قد دخلوا يومهم الأصعب وهم ملتزمون بوصية واحدة فقط: أن يحرسوا المكان دون أن يطلقوا رصاصة واحدة.

مقر اللواء 101 شرطة جوية في سيئون

يروي الجندي لمنصة "الهدهد" مشترطا عدم ذكر اسمه لسلامته"كُلّفت، مثل زملائي، بتفقد المواقع. وجدت بعض الجنود من المحافظات الشمالية وقد اعتصر التوتر قلوبهم. اقتربت منهم، هدّأت من روعهم، وذكّرتهم بوصية القائد، فاستجابوا لي وسكنت نفوسهم".

وبينما كنا نهمّ بالتحرك، أوقفنا طقم عسكري تابع للانتقالي. دفعني زملائي لمقابلتهم باعتباري ابن حضرموت. تحدثت معهم، فكان طلبهم قاطعًا:"سلموا السلاح والذخائر". وبالفعل استجبنا. كنت الوحيد بينهم الذي يرتدي الزي العسكري، أما البقية فكانوا بملابس مدنية، ومن بينهم طالب عسكري أُعيد إلى صفوف المدنيين. اقتادونا جميعًا إلى ساحة أمام برج المراقبة ومحطة الإطفاء، حيث تجمهر الموظفون المدنيون، وعيونهم تفيض بالقلق.

وهناك بدأت ملحمة الانبطاح الطويلة والمذلّة. يقول الجندي وصوته يتهدّج:

"أمرونا بالانبطاح على الأرض، وكان بجانبنا سبعة أو ثمانية عسكريين آخرين في الوضع المهين ذاته. بقينا على هذا الحال منذ السابعة صباحًا حتى ما بعد الظهر، تحت سياط الشمس الحارقة. لم يمنحونا سوى أربع قنينات ماء صغيرة على دفعتين، لا تكفي لإرواء عطش رجلين".

كانت التهديدات تنهال علينا كالمطر الغاضب؛ كلمات حادة تخترق الآذان وتغرس الرعب في القلوب:

"سوف نقتلكم! سنجعل الأطقم تدوس على أجسادكم!"

كانوا يطلقون النار بجوار رؤوسنا وأقدامنا في محاولة لكسر أرواحنا، ثم يكررون الأسئلة كأنها طلقات رصاص:

"ما الذي جاء بكم إلى هنا؟"

وكنا نجيب بصوت منهك:"جئنا نطلب الرزق، فلدينا أسر نكافح من أجلها".

لاحقًا، أمرونا بتكبيل أيدينا خلف ظهورنا. حاولت أن أعتذر بوجود عملية جراحية في يدي، لكنهم أصروا. ثم طلبوا تسليم كل ما نملك: مفاتيح الغرف، مفاتيح السيارات والدراجات، وحتى جهاز اللاسلكي الذي كان بحوزتي.

"قالوا لي: يبدو أنك كنت مسؤول الاتصال والتنسيق. فأجبتهم بأن الجهاز تابع للموقع وليس ملكي، وذكّرتهم بأن قائدنا أمرنا بعدم إطلاق النار".

أخذ الجهاز مني وأطلق النار عليه في إمعان واضح للإذلال، رغم أنه كان بإمكانه الاستفادة منه.

وبينما كنا جاثمين على الأرض، معصوبي الأعين، جلبوا جنديًا من خارج اللواء، اعتُقل في إحدى جولات المدينة. رأيناه بأعين مغمضة وهو يُركل ويُضرب، بينما اكتفوا معنا بالتهديدات اللفظية وحرارة الشمس التي كانت تلتهم جلودنا.

ثم، وكأنها يد رحمة امتدت من العدم، وصلت مجموعة من الأفراد المحسوبين على الانتقالي، ويبدو أنهم من شبوة. قدموا لنا بعض الماء والبسكويت. سمحوا لنا بالوضوء والصلاة، فتيممنا لأنهم منعونا من استخدام الحمامات. وبعد الصلاة، أعادونا إلى وضع الانبطاح لعشر دقائق أخرى، ثم نقلونا إلى الصالة القديمة، حيث وجدنا مجموعة كبيرة من رفاقنا. قضينا ليلتنا هناك، أجسادنا منهكة وقلوبنا مثقلة.

في اليوم التالي، وبعد أن لمح أحدهم علم الجمهورية على كتفي فمزقه بغضب، أمرونا بتغيير ملابسنا المدنية. لم نكن نملك ملابس، فغرفنا كانت بعيدة عن مكان احتجازنا، ولم يكن أمامنا خيار سوى التوجه إلى غرف زملائنا. هناك، وجدناها وقد عاثت فيها قوات الانتقالي فسادًا وسرقة. ارتدينا ما تيسر من ملابس، وحمل بعضنا بطانيات، وبقينا ليلتنا الثانية أمام الصالة القديمة.

في الليلة الثالثة، نقلونا إلى هنجر الجمارك، حيث بقينا من يوم الخميس حتى يوم السبت. هناك، وجدنا بعض الليونة في التعامل. سمح لنا أحدهم بالاتصال بأهالينا لنطمئنهم، لكنه عاد يوم الجمعة وقال بحسرة:

"لا تتحدثوا معي بعد الآن، لقد أمرتني قيادتي بقطع التواصل معكم".

في الهنجر، لم يكن مسموحًا لنا بالخروج إلا للوضوء أو الاستحمام، أما الطعام فكان متوفرًا. كنا 55 فردًا: 32 من أبناء حضرموت ننتمي جميعًا للواء 101، و23 من أبناء المحافظات الشمالية، نصفهم من اللواء والبقية من وحدات عسكرية أخرى.

وأخيرًا، في ليلة السبت، عند الساعة العاشرة والنصف، نادوا على أسمائنا ومناطقنا، وأفرجوا عنا نحن فقط، أبناء حضرموت.

"كانوا يخبروننا منذ الخميس أننا سنخضع لإجراءات أمنية ثم نُطلق، لكن الفرج تأخر حتى السادس من ديسمبر. أما رفاقنا من المحافظات الشمالية، فلم يُفرج عنهم حتى تلك اللحظة، ولا أعلم ما حلّ بهم".

رحلنا وتركنا خلفنا كل شيء. دراجاتنا وسياراتنا، التي كانت مركونة في الساحة أو تحت المظلات، نُهبت وبِيع بعضها بأبخس الأثمان.

يختتم الجندي قصته بمرارة:"لقد كانت تجربة قاسية، مليئة بالخوف والذل، لكنها علمتنا معنى الصبر والثبات، رغم قسوة الظروف التي حفرت ندوبها في أرواحنا إلى الأبد".