كيف أعاد الحوثيون تشكيل هيئة الزكاة بإبعاد موظفيها السابقين وإحلال موالين لهم بدلًا عنهم؟

2025-12-23 22:38 الهدهد/خاص:
صورة مدمجة لهيئة الزكاة الحوثية ورئيسها
صورة مدمجة لهيئة الزكاة الحوثية ورئيسها

محمد علوان، 45 عامًا، موظف قضى أكثر من عشرين عامًا في مصلحة الزكاة بأمانة العاصمة، وجد نفسه فجأة بلا عمل، واقفًا على رصيف البطالة، رغم أن وظيفته كانت في واحدة من أهم المؤسسات الإيرادية في مناطق سيطرة جماعة الحوثي اليوم.

محمد، الذي يعيل خمسة أبناء، لم يكن حالة فردية؛ فهو واحد من أكثر من عشرين موظفًا جرى استبعادهم تدريجيًا عقب إعادة تسمية المصلحة وتأسيس الهيئة العامة للزكاة في أمانة العاصمة، وفقًا لما يؤكده.

على مدى سنوات طويلة، التزم محمد وزملاؤه بأسس العمل المؤسسي التقليدي، وحافظوا على الأداء والانضباط الوظيفي، غير أن الجماعة بدأت، وفق روايته، بتقليص مهامهم ونفوذهم خطوةً بعد أخرى، قبل أن تُزيحهم تدريجيًا لصالح كوادر جديدة موالية لها، يُطلق عليهم داخل المؤسسة مسمى “المؤمنين”.

ويؤكد محمد، في تصريح للهدهد، أن عملية الإقصاء التي طالت هو وزملاءه لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن خطة حوثية لإعادة توزيع النفوذ والسيطرة على موارد الزكاة، وهو ما حوّل موظفين ذوي خبرة طويلة إلى أرقام في قوائم البطالة، وترك المواطنين في مواجهة منظومة جديدة تُحكم قبضتها على كل تفاصيل العمل داخل الهيئة.

إقصاء ممنهج

منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة، لم تكن التحولات التي شهدتها الهيئة العامة للزكاة مجرد تغييرات إدارية عابرة، بل جاءت ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل المؤسسة من الداخل، شملت الهيكل التنظيمي والعنصر البشري الذي يدير مفاصلها الحساسة.

فخلف شعارات “التطوير التنظيمي” و”رفع الكفاءة”، برز مسار آخر أقل وضوحًا، تمثل في الإقصاء التدريجي للموظفين السابقين، مقابل إحلال كوادر جديدة أكثر انسجامًا مع التوجه السياسي والفكري والطائفي للجماعة. قبل انقلاب الحوثيين، كانت الزكاة تُدار ضمن الإطار المؤسسي لوزارة المالية، ويعمل فيها موظفون مدنيون خاضعون لقانون الخدمة المدنية، يؤدون مهامهم وفق أنظمة مالية وإدارية واضحة.

غير أن هذا الواقع تغيّر جذريًا بعد عام 2018، حين جرى فصل الهيئة عن بنيتها التقليدية، وإنشاء كيان مستقل بمرجعية إدارية جديدة، مُنحت قياداته صلاحيات واسعة في التعيين وإعادة توزيع الأدوار.

الإقصاء التدريجي

لم يكن إبعاد الموظفين السابقين قرارًا فجائيًا أو معلنًا، بل تم عبر مسار هادئ ومتدرج؛ إذ وجد كثير منهم أنفسهم منقولين إلى مواقع هامشية، أو محرومين من الصلاحيات التي ظلوا يمارسونها لسنوات.

وتوقفت ترقياتهم، واستُبعدوا من دوائر القرار، أو أُعيد توصيف وظائفهم بطريقة لا تتناسب مع خبراتهم المتراكمة، ومع مرور الوقت أصبح وجودهم شكليًا داخل مؤسسة لم يعودوا جزءًا من مركزها الفاعل.

وبحسب مصادر خاصة في الهيئة، شهدت الأخيرة تدفقًا لكوادر جديدة جرى تعيينها في مواقع مؤثرة تحت مسميات وظيفية مستحدثة. ولم تُقدَّم هذه الكوادر باعتبارها مؤهلة إداريًا فحسب، بل بوصفها قادرة على “مواكبة المرحلة”، وهو معيار غير معلن يقوم أساسًا على القرب الإيديولوجي والطائفي من الجماعة.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه التعيينات إلى مراكز نفوذ حقيقية داخل الهيئة، في مقابل انحسار دور الموظفين القدامى وتهميش خبرتهم المؤسسية.

منظومة نفوذ مالي

وتشير المصادر إلى أن هذه التحولات رافقها خطاب إعلامي وإداري حوثي، مدعوم بتوجيهات وتعميمات متكررة تحت لافتات “التطوير” و”الانتقال” و”التحديث المؤسسي”، في محاولة لإضفاء طابع مهني على قرارات تحمل في جوهرها بعدًا سياسيًا واضحًا.

وبحسب المصادر، لم تُستخدم مشاريع ما يُسمى بـ”الهيكلة” لتحسين الأداء، بقدر ما استُخدمت كأداة لإعادة فرز الكادر الوظيفي، وتمكين عناصر موالية لقيادات الجماعة، وتقليص أي هامش للاستقلال الإداري.

وأكدت أن هذه التحولات غيّرت فلسفة العمل داخل الهيئة، حيث برز نمط إداري جديد يركز على الانضباط وقابلية التوجيه لما يُسمى بـ”القيادة الربانية”، في إشارة إلى زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، وأصبح معيار الكفاءة مرتبطًا بدرجة الالتزام بالتوجيهات العليا، لا بالقدرة على المبادرة أو تطوير الأداء.

وانعكست هذه السياسات بشكل مباشر على البيئة الوظيفية، إذ تراجعت الروح المهنية لدى الموظفين السابقين، واتسعت الفجوة بين الإدارة الجديدة والخبرة المؤسسية المتراكمة.

وأكدت المصادر أن الهيئة تحولت من أداة تكافل اجتماعي لخدمة المواطنين إلى مؤسسة تعمل ضمن منظومة نفوذ مالي وسياسي، تُسخّر لخدمة أهداف الجماعة الطائفية والعسكرية.

تحكم شديد في الموارد

ومع اقتراب شهر رمضان، كثفت مليشيات الحوثي إجراءات إعادة هيكلة الهيئة العامة للزكاة عبر تغيير موظفين وإحلال كوادر موالية لها، في إطار استعداد الجماعة لفرض الزكاة على المواطنين وضمان توجيهها وفق المصارف الخاصة بها.

وأكدت مصادر خاصة للهدهد أن الجماعة باتت تموّل من خلال أموال الهيئة عملياتها العسكرية وتحركات قياداتها، في حين لا يحصل المواطنون سوى على نسبة محدودة من الدعم لا تتجاوز 30% من الإيرادات، بينما يذهب نحو 60% لتغطية النفقات العسكرية ومخصصات القيادات والأسر الهاشمية المقربة من عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر ذاتها، تجاوزت إيرادات الهيئة في مناطق سيطرة الحوثيين خلال العام الماضي 150 مليار ريال، وسط إجراءات صارمة لتحصيل الزكاة، شملت فرض مبالغ بأثر رجعي، وإلزام التجار بنظام محاسبي موحد، وتوفير إسناد أمني لترهيب المعترضين.

ويُشرف على الهيئة رئيس موالٍ للجماعة يُدعى شمسان أبو نشطان، بينما يشغل وكلاء القطاعات أفراد من أسر هاشمية، في مؤشر على توجه الجماعة لتحويل أموال الزكاة إلى أداة للسيطرة الطبقية والامتيازات الحصرية، في وقت يتفاقم فيه الفقر والجوع بين السكان، الذين لم يتلق معظمهم أي رواتب منذ أكثر من سبع سنوات.

ووفق مصادر مطلعة، تشمل نفقات الهيئة تمويل جبهات القتال، وعلاج جرحى الحوثيين، ودعم المراكز الصيفية للتعبئة المذهبية والطائفية، وصرف مكافآت للجان المجتمعية المنتشرة في المدن والقرى، مقابل تهميش برامج التعليم والخدمات الاجتماعية الرسمية.

وتُظهر هذه الأرقام والأنشطة أن الجماعة حوّلت الهيئة من مؤسسة يفترض أن تدعم الفقراء إلى أداة مالية وعسكرية لترسيخ نفوذها، وهو ما وصفه تقرير سابق لبرنامج الغذاء العالمي بأنه “سلب الطعام من أفواه الجوعى” وتحويل الموارد لخدمة السلالة والحرب.