من الحشد إلى الجبايات.. باحث في حوار مع "الهدهد" يقرأ توظيف الحوثيين للمولد النبوي ودلالات استعراض الحشود

2026-08-25 16:48 الهدهد - حاوره محمد العياشي
 الباحث في الفكر الزيدي والاثني عشري، "عبدالملك الحضوري" - منصة الهدهد
الباحث في الفكر الزيدي والاثني عشري، "عبدالملك الحضوري" - منصة الهدهد

في ظل الجدل المتواصل، بشأن طبيعة الفعاليات التي تنظمها مليشيا الحوثي، في المناسبات الدينية، تبرز احتفالات المولد النبوي بوصفها إحدى أبرز المناسبات التي تحشد فيها الجماعة أنصارها وتوظف فيها الرموز والشعارات الدينية. وفي هذا السياق، تطرح هذه الممارسات تساؤلات بشأن أبعادها الدينية والسياسية والاجتماعية، ومدى ارتباطها بمحاولات إعادة تشكيل الهوية والخطاب العام في مناطق سيطرة الجماعة.

وفي حوار مع منصة "الهدهد" يرى الباحث في الفكر الزيدي والاثني عشري، "عبدالملك الحضوري" أن مليشيا الحوثي تتعامل مع المولد النبوي باعتباره مناسبة لتوظيف الدين في خدمة أهداف مذهبية وسياسية، متهماً إياها بتقديم خطاب يربط محبة النبي "صلى الله عليه وسلم"، بمفاهيم الولاية والطاعة والاصطفاء، ويستخدم المناسبة لاستقطاب شرائح من المجتمع وتعزيز الولاء للجماعة.

ويتناول "الحضوري"، خلال الحوار، جملة من الممارسات المصاحبة للاحتفالات، بينها استخدام اللون الأخضر، وتعبئة المؤسسات والمساجد ووسائل الإعلام، فضلاً عن الحشد الجماهيري وجمع الأموال. 

كما يتحدث عن فرض المشاركة، وما يصفه بالأساليب القسرية، معتبراً أن توظيف مؤسسات الدولة والمساجد في التعبئة للمناسبة ينقلها من إطارها الديني إلى مساحة أوسع من التوظيف السياسي واستعراض النفوذ.

كما يتطرق الباحث إلى ما يعتبره مخالفات عقدية وفقهية في خطاب الجماعة خلال الاحتفالات، وتأثير هذه الممارسات في النسيج الاجتماعي والانقسام المذهبي، قبل أن يطرح رؤيته لكيفية التعبير عن محبة النبي وإحياء سيرته بعيداً عن التوظيف السياسي والمذهبي للمناسبات الدينية. 

وفي ما يلي نص الحوار كاملاً:

* كيف تقرأون العبارات والشعارات التي تردد في احتفالات الحوثيين بالمولد النبوي؟ وهل تحمل مضامين دينية خالصة، أم تتضمن أيضاً رسائل مذهبية وسياسية؟

​الحقيقة، أن الحوثيين وهم يحتفلون بالمولد، ينطبق عليهم حال ذلك الشخص الذي يعق أُمَّه طوال السنة ويشتمها ويضربها ويهجرها، ثم في ما يُسمى بعيد الأم يأتي لها بهَدِيَّةٍ! فالحوثيون وكل فرق الشيعة يحاربون سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويفشلون رسالته، ويطعنون في أصحابه وزوجاته أمهات المؤمنين وغير ذلك، ثم يزعمون أنهم يحتفلون بميلاده. 

إن المولد الحوثي ما هو إلا موسم من أهم مواسم الحوثيين للإستثمار السياسي، والمذهبي والمالي. فكل تلك الشعارات ماهي إلا عبارة عن غطاء لضلال وانحراف فكري خطير، يعبث بهوية الناس، فهي لا تحمل في طياتها مضامين دينية خالصة، بل تعمل على نشر ضلالاتها العقدية والفكرية، وخرافاتها المذهبية والسلالية. وأبرز مثال على ذلك مسألة الترويج لما يسمونه (علم الهدى، وقرين القرآن... إلخ) المُتمثل في سفيههم الحوثي، زاعمين - كذباً وزوراً - أنه يمثل امتداد لولاية الله ورسوله:

المضامين العقدية المزعومة

​* ما أبرز المضامين العقدية التي تقدمها مليشيا الحوثي خلال احتفالات المولد؟ وهل تتضمن مفاهيم تتجاوز ما هو ثابت في الكتاب والسنة؟

من أهم تلك المضامين إبراز أهل الإسلام الذين لا يتبعونهم في غيهم وضلالهم، بأنهم أعداء للنبي وأنهم لا يححبونه ولا يعظمونه. وفي المقابل يحاول الحوثيون بكل وسيلة إبراز أنهم الوحيدون الأحرص على رسول الله ومحبته، وهذا يخدع الكثير من البسطاء والجهلة الذين يتم بعد ذلك استقطابهم. يغرس الحوثيون في عقول الأتباع بقية الأفكار المذهبية والسلالية وهي كثيرة، وفيهَا من الشر المستطير والخطر الكبير على عقيدة الأتباع، فهي تفسد عقيدتهم وأيضاً تعبد الأتباع للسلالة، وبالتالي توجيهها لما يخدم ويرسخ جذور السلالة. ​إعادة إنتاج الهوية والخطاب السياسي

* هل أعاد الحوثيون صياغة المولد النبوي من مناسبة دينية موروثة إلى أداة سنوية لإعادة إنتاج هويتهم المذهبية وخطابهم السياسي، ومنح مشروعهم العسكري شرعية دينية عبر توظيف مفاهيم الولاية والطاعة والاصطفاء؟

​هم يحاولون أن يجْنوا من هذه المناسبة هذه الأهداف المذهبية، وقد ينجحون مع بعض عوام من الناس. وليست هذه المناسبة فقط التي يستثمرونها لذلك، بل كل مناسباتهم تصب في نفس الاتجاه.

​رمزية اللون الأخضر

* ما الدلالة التي يحملها اللون الأخضر في احتفالات الحوثيين بالمولد؟ وهل لهذا اللون أصل شرعي يجعله رمزاً دينيا لهذه المناسبة؟

لا أصل لذلك وإنما هي بدعة من بدعهم، وخرافة من خرافاتهم. يظهرون ذلك اللون، وكذلك الصوفية المبتدعة، وربما أنهم يشيرون بذلك إلى القبة الخضراء التي على الروضة التي فيها قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

​فرض المشاركة والجبايات المالية

​* كيف يمكن قراءة فرض المشاركة في احتفالات المولد وجمع الأموال من التجار والمواطنين تحت غطاء المناسبة؟ وكيف يتعارض ذلك - إن ثبت الإكراه - مع مبدأ عدم الإكراه في الدين؟

​صاحب الباطل ليس له لنشر باطله، إلا أن يستخدم الإغراه بمختلف الوسائل حتى يتبعه الآخرون، فإن لم ينفع ذلك الأسلوب، يتجه لأسلوب الترهيب والتهديد بأنواعه، فيُرغم الآخرين ويُجبرهم على قبول مبادئه، فيستخدم القوة والإكراه، ,هذا ما فعله فرعون مع السحرة بعد إيمانهم، حيث تحول معهم من الترغيب إلى الترهيب والتهديد.

​تسخير مؤسسات الدولة والمساجد

​* كيف يقرأ الدين والسياسة تسخير الحوثيين لمؤسسات الدولة والمساجد والإعلام للتعبئة لاحتفالات المولد؟ وأين ينتهي العمل الدعوي ويبدأ التوظيف السياسي للدين؟

​الإسلام دين عالمي جماعي، له مبادئه وأحكامه، وأي استخدام لمصالح العباد والبلاد بخلاف تلك الأحكام والمبادئ مردود على فاعله، زالمشكلة ليست في إحياء البدع فحسب، بل في الأكاذيب والافتراءات التي تُنسب في هذه البدعة إلى الله ورسوله؛ حيث يوصَف "الحوثي" أنه امتداد لولاية الله ورسوله، ليصبح الإسراف والنهب وسلب أموال الناس غصباً واتهام المخالفين بالكفر منسوباً إلى الله ورسوله.

​* هل تحويل شوارع المدن والمؤسسات إلى مساحة موحدة لشعارات الجماعة، وإلزام فئات مختلفة بالمشاركة، وحشد أعداد كبيرة في احتفال سنوي، يمثل تعبيراً دينيا طوعيا أم يحمل أيضا أبعاداً تتعلق بفرض الهوية واستعراض القوة السياسية؟ وما أثر ذلك على النسيج الاجتماعي والانقسام المذهبي؟

هذه إحدى أهم غاياتهم وأهدافهم كوسيلة للاستعراض لعوام الناس وبسطائهم عندما يرون الجموع الكثيرة فيهزون ثباتهم ليسقطوا في مصايدهم لعدم امتلاك العوام العلم الذي يحصنهم من ضلالتهم، وللاستعراض للمعارضين والخصوم السياسيين وإبراز لدول الجوار والإقليم أنهم أصبحوا قوة لا يُستهان بها. 

هؤلاء المغفلون يجهلون أن من يملك زمام الحكم والسيطرة في مكان لا تقاس قوته بما يجمعه في الساحات، لأن صاحب السطوة يستخدم كل وسيلة ترغيباً وترهيباً لحشد الناس. والتأثير على النسيج الاجتماعي يتمثل في تعبئة عوام الناس بأن من لا يحتفِل بالمولد يكره النبي ولا يُسعده ذلك، وإفهامهم أن المخالف يريد المرقص والتفاهات، مما يؤدي إلى شحن هؤلاء البسطاء بالحقد والكره لذلك المخالف، وربما أقنعوه بكفره ووجوب حربه وقتله.

تبرير الأساليب القسرية

* كيف يمكن للحوثيين التوفيق بين تقديم المولد باعتباره مناسبة دينية، وبين إلزام المواطنين بالمشاركة وجمع التبرعات تحت غطائه، إذا كان ذلك يتم بالإكراه؟ ​ من يتابع أنشطة الحوثيين المختلفة يلاحظ أنهم جماعة همجية تتارية اعتمدت مفاهيم معينة وتواطأت معها جهات ودعمتها، فتسابق الحوثيون مع الزمن مستغلين الوضع لفرض أفكارهم في أسرع وقت ممكن. لو كان هناك إعلام مضاد يقوم باصطياد تلك الانحرافات وينبه الناس لها لكان لذلك تأثير عليهم. بغياب الرقيب الفاعِل والمؤثر، تحركوا مع الدعم الخارجي مستخدمين كل وسائل الإكراه للآخرين لأن من أمن العقاب أساء الأدب.

* ما أبرز المخالفات العقدية أو الفقهية التي ينبغي للباحثين والفقهاء التوقف عندها في ممارسات جماعة الحوثيين خلال احتفالات المولد؟

أولاً مخالفة القرون المفضلة بأنهم يقومون بعمل لم يقم به من هم أفضل الخلق بعد الأنبياء وهم الصحابة والتابعون وأتباع التابعين في القرون المفضلة، وأول من ابتدع هذا الاحتفال هم زنادقة الدولة العبيدية في مصر في القرن الثالث الهجري. وثانياً أن الثابت أن هذا اليوم الذي يحتفلون فيه هو اليوم الذي مات فيه النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يمكن أن يتوافق يوم ميلاد أي شخص مع يوم وفاته. 

وثالثاً تجاوز الاحتفال التذكير بالسيرة إلى الطعن في سنته والسخرية من أقواله والطعن في أصحابه كالخلفاء الراشدين وزوجاته أمهات المؤمنين والتهوين من جهادهم، وفي المقابل سرد الروايات الباطلة المنسوبة للرسول لإبراز أنه ما جاء إلا من أجل سلالته لترسيخ الحكم وتوريث الزعامة وإبراز علي رضي الله عنه على حساب إخوانه من المهاجرين والأنصار.

​* في المقابل كيف يمكن للمجتمع اليمني أن يعبر عن محبته للنبي صلى الله عليه وسلم ويحيي سيرته، بعيدا عن التوظيف السياسي والمذهبي للمناسبات الدينية؟ ​ ممكن ذلك في كل أيام السنة مع التحفظ أنه يوم مولده وكان الأمر يحدث قديماً بلا غلو ولا افتراء. فقد كان الناس يجتمعون في المساجد، ويقوم أحد الدعاة فيذكر الناس بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام الصحيحة، وسيرة طلابه الذين رباهم من المهاجرين والأنصار ذلك الجيل الذي رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأخذ العبر والدروس من تاريخهم المشرق. وليس كما يصنع الحوثيون الذين أظهروا الإسلام ونبي الإسلام بالدين السلالي الذي جاء من أجل سلالة بعينها على حساب الأمة كلها.