القصة الكاملة للخدعة الحوثية.. خبراء يضعون لـ"الهدهد" خارطة طريق للانتصار لقضية "محمد قحطان" محلياً ودولياً
أعادت قضية السياسي اليمني البارز "محمد قحطان"، المخفي قسراً في سجون مليشيا الحوثي منذ نيسان/ أبريل 2015، إلى الواجهة مجدداً، بعد تطورات صادمة تمثلت في عرض الجماعة جثماناً مبتوراً، زعمت أنه يعود إليه، في خطوة أثارت موجة واسعة من الشكوك الحقوقية والقانونية، وفتحت الباب أمام تساؤلات بشأن احتمال تعرضه للتصفية الجسدية وإخفاء الأدلة الجنائية.
وتحوّلت القضية، التي ظلت طوال أكثر من 11 عاماً أحد أبرز ملفات الإخفاء القسري في اليمن، من قضية إنسانية تتعلق بالكشف عن مصير شخصية سياسية بارزة، إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة المنظومة القضائية المحلية والآليات الدولية على محاسبة مرتكبي جرائم الإخفاء القسري والتصفية خارج القانون.
وشهد الملف تطوراً عقب معاينة أسرة "قحطان"، إلى جانب لجان يمنية ودولية، جثماناً مجتزأً يقتصر على النصف السفلي فقط، كشفت عنه مليشيا الحوثي في صنعاء، (الخميس)، وسط تشكيك واسع من الأسرة وخبراء قانونيين في الرواية التي قدمتها الجماعة بشأن الوفاة.
وفي هذا التقرير، تستعرض منصة "الهدهد" أبرز المسارات القانونية والحقوقية، التي يمكن أن تشكل خارطة طريق لملاحقة المسؤولين عن هذه الجريمة، محلياً ودولياً، بما يمنع إغلاق الملف قبل الوصول إلى الحقيقة الكاملة وضمان مساءلة المسؤولين.
معركة قانونية تتجاوز كشف المصير
ويرى محامون وخبراء قانونيون تحدثوا لـ"الهدهد" أن الانتصار لقضية "محمد قحطان" لم يعد يقتصر على معرفة مصيره، بل أصبح معركة حقوقية وقضائية متكاملة تتطلب العمل على مسارين متوازيين.
ويتمثل المسار الأول في بناء ملف جنائي متكامل داخل اليمن، يستند إلى توثيق جريمة الإخفاء القسري وما رافقها من انتهاكات، بما يحفظ الأدلة ويمنع سقوطها بالتقادم، فيما يقوم المسار الثاني على تفعيل آليات العدالة الدولية، والاستفادة من مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة القيادات الحوثية المتورطة أمام المحاكم المختصة في الدول التي تتيح قوانينها ذلك.
ويؤكد القانونيون أن تحويل قضية "محمد قحطان" إلى نموذج قانوني دولي قد يشكل مدخلاً لإنهاء عقود من الإفلات من العقاب في اليمن، ويؤسس لمساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
الحمض النووي لا يغلق الملف
ورغم شروع الجهات المختصة في أخذ عينات الحمض النووي (DNA) للتحقق من هوية الجثمان، شدد حزب التجمع اليمني للإصلاح على أن تلك الإجراءات لا تعني حسم القضية أو إغلاقها.
وقال المتحدث الرسمي باسم الحزب، "عدنان العديني"، إن "ملف محمد قحطان لا يزال مفتوحاً، ولا يمكن الانتقال إلى أي نقاش آخر قبل الحصول على إجابة حقيقية وواضحة بشأن مصيره"، محملاً جماعة الحوثي المسؤولية الكاملة عن إخفائه طوال السنوات الماضية.
من جهته، قال "عبد الرحمن قحطان"، نجل السياسي المخفي قسراً، في تصريح خاص لـ"الهدهد"، إن الجثمان الذي عرضته جماعة الحوثي يفتقد بصورة كاملة للنصف العلوي، بما في ذلك الرأس والقفص الصدري، وهو ما دفع الأسرة وفريقها الفني إلى رفض الرواية المقدمة بشأن الوفاة، واعتبارها غير منطقية من الناحية الجنائية.
روايات متناقضة وشبهات طمس الأدلة
وبررت مليشيا الحوثي اختفاء الجزء العلوي من الجثمان بأنه تعرض للتدمير نتيجة غارة جوية قالت إنها استهدفت مكان الاحتجاز في 21 نيسان/ أبريل 2015، أي بعد نحو 17 يوماً من اختطاف قحطان.
غير أن "عبد الرحمن قحطان" رفض هذه الرواية، مؤكداً أن القصف الجوي، حتى في الحالات العنيفة، يترك عادة أجزاء من الجمجمة أو بقايا عظمية يمكن الاستدلال بها، معتبراً أن غياب الرأس والقفص الصدري بالكامل يعزز فرضية تعرض والده للتصفية بالرصاص في منطقتي الرأس والصدر، قبل إخفاء تلك الأجزاء عمداً لطمس معالم الجريمة والأدلة الجنائية.
كما زادت شكوك الأسرة بعد إصرار الحوثيين على أخذ عينة حمض نووي خاصة بهم، رغم تأكيدهم المسبق أن الجثمان يعود لمحمد قحطان، فضلاً عن تبريرهم فقدان الوثائق الرسمية المتعلقة به باحتراقها داخل مبنى البحث الجنائي جراء غارات سابقة.
وترى الأسرة أن هذه الروايات المتعددة والمتناقضة تفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية، خاصة أن الضحية يعد من أبرز الشخصيات السياسية اليمنية التي ظلت قضيته محل اهتمام محلي ودولي منذ اختطافه.
خارطة طريق محلية ودولية
ويؤكد خبراء قانونيون أن قضية السياسي "محمد قحطان" لم تعد مجرد ملف يتعلق بالإخفاء القسري، فقد أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة المنظومة الحقوقية والقضائية على ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، محلياً ودولياً، ومنع طي القضية دون مساءلة.
وفي هذا السياق، قال المحامي والخبير في القانون الجنائي الدولي، "المعتصم الكيلاني"، إن قضية قحطان "تمثل واحدة من أبرز قضايا الإخفاء القسري في اليمن، وتستوجب تحركاً قانونياً وحقوقياً جاداً لكشف الحقيقة كاملة وضمان عدم إفلات أي مسؤول من المساءلة".
وأضاف الكيلاني، لمنصة "الهدهد"، أن ثبوت وفاة قحطان أثناء احتجازه، أو نتيجة التعذيب أو التصفية داخل مكان الاحتجاز، عبر تحقيق مستقل ومحايد، سيشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وقد يرتب مسؤولية جنائية فردية بحق كل من شارك في الجريمة أو أمر بها أو سهّل ارتكابها أو تستر عليها.
وأوضح أن الخطوة الأولى تتمثل في فتح تحقيق دولي مستقل وشفاف بإشراف خبراء دوليين في الطب الشرعي والقانون الدولي، مع ضمان الحفاظ على الأدلة الجنائية، وإجراء فحص طب شرعي مستقل، والاستماع إلى الشهود، وصولاً إلى تحديد الحقيقة الكاملة والمسؤوليات الجنائية.
وأشار إلى ضرورة تفعيل الآليات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي، والمقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج القضاء، والمقرر الخاص المعني بالتعذيب، إلى جانب مطالبة مجلس حقوق الإنسان والأمم المتحدة بدعم تحقيق دولي مستقل في القضية.
وعلى المستوى الوطني، شدد "الكيلاني" على أهمية أن تباشر النيابة العامة المختصة تحقيقاً جنائياً شاملاً، يجري خلاله جمع الأدلة وتوثيقها وفق المعايير الدولية، بما يتيح ملاحقة المسؤولين أمام القضاء الوطني، أو أمام المحاكم التي تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية في عدد من الدول، متى توافرت الشروط القانونية لذلك.
وأكد أن تحقيق العدالة لا يقتصر على إعلان وفاة الضحية، وإنما يبدأ بكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة جميع المسؤولين عن الجريمة، وضمان حق أسرة محمد قحطان في العدالة والإنصاف وجبر الضرر، بما يسهم في وضع حد لسياسة الإفلات من العقاب التي شجعت على تكرار الانتهاكات الجسيمة في اليمن.
تحقيق جنائي يؤسس للملاحقة
من جهته قال المحامي والقانوني اليمني، المدير التنفيذي للمركز الأمريكي للعدالة، "عبد الرحمن برمان"، إن الانتصار لقضية السياسي المخفي قسراً "محمد قحطان" يتطلب العمل على مسارين متوازيين، محلي ودولي، معتبراً أن القضية يجب أن تتحول إلى نقطة انطلاق لمواجهة شاملة لجرائم الإخفاء القسري والتعذيب التي ارتكبتها جماعة الحوثي خلال سنوات الحرب.
وأوضح "برمان"، في حديث خاص لمنصة "الهدهد"، أن أولى الخطوات على المستوى الوطني تتمثل في فتح تحقيق جنائي رسمي من قبل الحكومة اليمنية والنيابة العامة المختصة، يشمل جرائم الاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب، إضافة إلى القتل أو التصفية -إذا ثبتت الوفاة- فضلاً عن جرائم العبث بالأدلة وإخفاء الجثمان.
وشدد على ضرورة تحديد المسؤولية الجنائية الفردية لكل المتورطين، بدءاً بالمنفذين المباشرين من حراس ومحققين ومسؤولي أماكن الاحتجاز، وصولاً إلى القيادات التي أصدرت أوامر الاعتقال أو أشرفت على استمرار الاحتجاز وإخفاء مصير الضحية، تمهيداً لإصدار مذكرات قبض وطنية بحقهم.
وأضاف أن تعذر تنفيذ تلك المذكرات في الوقت الحالي، بسبب فرض الحوثيين سلطة الأمر الواقع، لا يفقدها قيمتها القانونية، بل يؤسس لملف ملاحقة قضائية متكامل يمكن تفعيله مستقبلاً، مؤكداً أن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن تجارب العدالة الدولية أثبتت أن كثيراً من مرتكبي الانتهاكات ظلوا ملاحقين لسنوات قبل أن يمثلوا أمام القضاء.
عبد الملك الحوثي.. "المسؤولية القيادية"
وربط "برمان" القضية بمبدأ "المسؤولية القيادية" المعمول به في القانون الدولي، والذي يحمل القادة المسؤولية الجنائية عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم إذا كانوا على علم بها أو كان يفترض أن يعلموا بها ولم يتخذوا إجراءات لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
وأشار إلى أن ملف "قحطان" ظل، منذ سنوات، بيد القيادة العليا للحوثيين، كاشفاً أن أسرة "قحطان" تلقت في وقت سابق رسالة واتصالاً من قيادات حوثية أكدت لها أن "الملف بيد السيد"، في إشارة إلى زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.
واعتبر "برمان" أن هذه المعطيات، إذا ما دُعمت بالأدلة والتحقيقات، تضع القضية ضمن نطاق المسؤولية المباشرة للقيادة العليا للجماعة، وتجعل عبد الملك الحوثي في صدارة المسؤولين عن استمرار احتجاز قحطان وإخفائه، وعن أي جريمة تصفية قد يثبت وقوعها خلال فترة احتجازه.
تفعيل آليات الأمم المتحدة
وفي هذا السياق، دعا المحامي "برمان"، إلى التحرك على ثلاثة مسارات متوازية، تبدأ بمطالبة الحكومة اليمنية رسمياً بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تتولى التحقيق في قضية محمد قحطان، إلى جانب بقية ملفات الإخفاء القسري، مع توفير جميع الأدلة والوثائق التي تثبت تورط جماعة الحوثي في هذه الانتهاكات.
وأوضح أن الخطوة الثانية تتمثل في تحديث الملفات المقدمة إلى آليات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي، من خلال تزويده بملف متكامل يتضمن التسلسل الزمني للقضية، والمراسلات الرسمية، والأدلة المرئية، والتصريحات الأخيرة الصادرة عن مليشيا الحوثي، إلى جانب مطالبة الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص إلى اليمن بممارسة ضغوط مباشرة على الجماعة للكشف الكامل عن مصير قحطان والظروف التي أحاطت بوفاته، إذا ما ثبتت رسمياً.
أما الخطوة الثالثة، بحسب "برمان"، فتتمثل في تقديم شكاوى قانونية متخصصة إلى عدد من الآليات الأممية، تشمل الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، والمقرر الخاص المعني بالتعذيب، والمقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء، وذلك استناداً إلى الأدلة التي ستسفر عنها التحقيقات، وما ستثبته نتائج فحوصات الحمض النووي بشأن هوية الجثمان وملابسات الوفاة.
وأكد أن نجاح هذه المسارات يتطلب تنسيقاً وثيقاً بين الحكومة اليمنية، ومنظمات المجتمع المدني، والهيئات الحقوقية الدولية، بما يحول قضية محمد قحطان من ملف فردي إلى قضية حقوقية دولية، يمكن أن تشكل مدخلاً لإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الإخفاء القسري والتعذيب والاعتقال التعسفي والوفاة أثناء الاحتجاز في اليمن.
اختبار لجدية المجتمع الدولي
بدوره، قال المستشار "محمد أحمد العمدة"، رئيس "الشبكة اليمنية للحقوق والحريات"، إن قضية "قحطان" "ليست مجرد حالة اختطاف فردية، وإنما تمثل نموذجاً صارخاً لجريمة الإخفاء القسري الممنهج التي مارستها جماعة الحوثي بحق مئات المدنيين والمعارضين منذ انقلابها على الدولة عام 2014".
وأوضح "العمدة" لمنصة "الهدهد"، أن الانتصار لحقوق قحطان وملاحقة المسؤولين عن اختفائه يتطلب التحرك على مسارين متوازيين، أولهما وطني، من خلال الاستمرار في فتح البلاغات الجنائية، وجمع الأدلة، وتحديد المسؤولية الفردية لكل من أصدر الأوامر أو شارك في تنفيذها، باعتبار أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم.
أما المسار الثاني، بحسب "العمدة"، فيتمثل في تدويل القضية عبر إعداد ملف حقوقي وقانوني متكامل يُرفع إلى الآليات الأممية المختصة، إلى جانب مخاطبة الدول التي تطبق مبدأ الولاية القضائية العالمية، للمطالبة باتخاذ إجراءات قانونية بحق المتورطين، وفرض عقوبات فردية تشمل حظر السفر وتجميد الأصول.
وأشار إلى إمكانية تفعيل دور فريق الأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري (WGEID)، بما يسهم في توثيق القضية وإبقائها ضمن ملفات المتابعة الأممية، تمهيداً لمساءلة المسؤولين عنها مستقبلاً، لافتاً إلى أن إصدار نشرات أو مذكرات ملاحقة عبر الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) يظل مرتبطاً بوجود إجراءات قضائية وطنية رسمية، ولا يتم بناءً على طلبات فردية.
وكشف "العمدة" أن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات وثقت، منذ عام 2014، عشرات الآلاف من الانتهاكات المنسوبة إلى مليشيا الحوثي، شملت جرائم القتل والتعذيب وتجنيد الأطفال وتفجير المنازل، محذراً من أن أي تسوية سياسية أو مسار تفاوضي يتجاهل حقوق الضحايا أو يتعامل مع هذه الجرائم بوصفها أوراقاً قابلة للمساومة، لن يؤدي إلا إلى ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب.
وأكد أن قضية "محمد قحطان" تمثل اليوم اختباراً حقيقياً لمدى جدية المجتمع الدولي في إنفاذ مبادئ العدالة، معتبراً أن أي سلام مستدام في اليمن لن يتحقق عبر تجاوز الجرائم أو إغلاق ملفاتها، وإنما من خلال كشف الحقيقة كاملة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
ويعد "محمد قحطان"، القيادي البارز في حزب التجمع اليمني للإصلاح، من أبرز المشمولين بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 الصادر عام 2015، والذي ألزم جماعة الحوثي بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه، إلى جانب جميع الأسرى والمختطفين والمحتجزين، ولا سيما الشخصيات السياسية التي تعرضت للاعتقال أو الإقامة الجبرية.
ورغم مرور أكثر من عقد على صدور القرار، بقي ملف قحطان عالقاً في جميع جولات التفاوض التي رعتها الأمم المتحدة، دون الكشف عن مصيره، الأمر الذي جعل قضيته واحدة من أبرز القضايا الحقوقية المرتبطة بجريمة الإخفاء القسري في اليمن، وأحد الملفات المفتوحة أمام المجتمع الدولي في مسار المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.