"نافذة ضيقة" لوجوه تختفي خلف الجدران.. صحفي يستعيد آلام 58 يوماً في أحد سجون الحوثيين بصنعاء
روى الصحفي اليمني "صلاح القاعدي" (الأربعاء)، تفاصيل 58 يوماً قضاها في سجن قسم الجديري بالعاصمة صنعاء، متحدثاً عن مشاهد التعذيب والإذلال، التي يقول إنه تعرض لها وشاهدها بحق معتقلين آخرين، وعن مختطفين دخلوا السجن قبل أن يُنقلوا إلى أماكن احتجاز أخرى، بعضها سجون سرية انقطعت فيها أخبارهم عن أسرهم.
وفي شهادة نشرها على صفحته بمنصة "فيسبوك" رصدتها "الهدهد"، استعاد "القاعدي" تفاصيل تلك الفترة، موثقاً ظروف الاختطاف القاسية، وأساليب مراقبة المختطفين وفرزهم، والوجوه التي التقاها داخل السجن قبل أن تختفي خلف أبواب سجون أخرى، وصولاً إلى زميله الأستاذ الشهيد "نائف الثابتي"، الذي قال إن ذكراه ما تزال حاضرة في تفاصيل تلك الأيام.
سجن بلا طعام ولا دواء
"القاعدي" الذي مضى ما يقارب من 3 سنوات فس سجون الحوثيين، وصف سجن الجديري بأنه مكان غابت عنه أبسط مظاهر الرحمة والإنسانية، وقال إن المعتقلين واجهوا نقصاً في الطعام والدواء والمياه، إلى جانب الإهانة والإذلال وممارسات قال إنها سلبت الإنسان أبسط مظاهر الكرامة.
وتحدث عن عدد من الأشخاص الذين قال إن مليشيا الحوثي أوكلت إليهم إدارة السجن والإشراف على المعتقلين، بينهم مدير السجن المعروف باسم "أبو علي"، والذي قال إن اسمه الحقيقي "بكيل الحاكم"، مشيراً إلى أنه سبق أن دخل السجن على خلفية قضايا وصفها بالأخلاقية.
وأضاف أن الحاكم كان يتحدث أمام المعتقلين عن "بطولاته" ورواياته بشأن أسباب دخوله السجن، بينما كان رجال أمن سابقون يزورون المعتقلين يروون، بحسبه، روايات مختلفة.
كما أشار إلى شخص آخر يُعرف باسم "أبو صالح"، قال إن بحقه قضية قتل، ومع ذلك جرى نقله للعمل "شاويشاً" في سجن الجديري بدلاً من إيداعه السجن المركزي.
وتطرق القاعدي إلى شاب يُعرف باسم "أبو فاضل"، قال إنه لم يكن قد تجاوز العشرين من عمره، وإن مليشيا الحوثي عينته مشرفاً على مديرية معين، ومنحته صلاحيات واسعة عطلت، وفق روايته، عمل مدير الأمن المعين من وزارة الداخلية التابعة للجماعة.
الجديري.. محطة لفرز المختطفين
قال "القاعدي" إن سجن الجديري كان أشبه بمحطة مؤقتة لاستقبال المختطفين وفرزهم، قبل توزيعهم على سجون أخرى، بعضها سجون سرية تُستخدم لإخفائهم عن أسرهم وقطع أخبارهم عنها.
وأضاف أن أشخاصاً كثيرين مروا بالسجن، بعضهم كان يعرفه وآخرون لم يكن يعرفهم، وكانت مدة بقاء كل مختطف تختلف بحسب الجهة التي تقرر جماعة الحوثي نقله إليها.
ومن بين الذين مروا بالسجن زميله الصحفي "نبيل السداوي"، الذي قال إن الحوثيين اختطفوه واقتادوه إلى الجديري، قبل نقله إلى سجن الأمن السياسي بعد نحو ساعتين من وصوله.
"أظهر عدم معرفتك بأحد هنا"
وأشار "القاعدي" إلى أن مليشيا الحوثي كانت تملك "عيوناً" داخل السجن لمراقبة المختطفين ورفع تقارير عنهم، تشمل من يعرفون، وطبيعة تعاملهم مع بعضهم، ومدى اندماجهم، والعلاقات التي تنشأ بينهم.
وقال إن هذه المعلومات كانت تدخل في عملية تصنيف المختطفين وتؤثر في تحديد السجن الذي يُنقلون إليه لاحقاً.
وروى أنه عندما أُدخل السداوي إلى السجن ورآه، تقدم نحوه وسلم عليه، قبل أن يقترب منه القاعدي ويهمس في أذنه: "أظهر عدم معرفتك بأحد هنا"، خشية أن يُفسر مجرد التعارف السابق بين المعتقلين باعتباره دليلاً على وجود ارتباط أو تنسيق بينهم.
وجوه مرت من الجديري
إلى ذلك استعاد القاعدي أسماء عدد من المعتقلين الذين قال إنهم مروا بسجن الجديري قبل نقلهم إلى أماكن احتجاز أخرى.
ومن بينهم الأستاذ فؤاد العواضي، الذي قال إن الحوثيين اختطفوه وأودعوه زنزانة انفرادية لمدة يومين، قبل نقله إلى سجن الأمن السياسي.
وذكر أيضاُ فؤاد الكبودي، الذي قال إنه اعتُقل من محله في شارع هائل وأُودع الزنزانة الانفرادية أسبوعاً كاملاً، قبل نقله إلى احتياطي الثورة، إضافة إلى المهندس رشاد المجيدي، الذي بقي في سجن الجديري نحو شهر قبل نقله إلى سجن هبرة، حيث التقى به القاعدي بعد نقله إلى هناك.
وأضاف أن آخرين مروا بالسجن قبل نقلهم إلى سجون مختلفة، بينهم عاطف العزكي، ونور الدين الذيب، والشيخ نور الدين مزرية، ومحمد الدريني، وحسن بوصه، ومحيي الدين الحاج، وغيرهم.
نائف الثابتي.. وجه لا يغادر الذاكرة
غير أن أكثر الوجوه التي قال القاعدي إنها التصقت بذاكرته من سجن الجديري كان وجه الأستاذ الشهيد نائف الثابتي.
وقال إن الثابتي اختُطف بعد ستة أيام من اختطافه، من مطعم الخطيب، أثناء مأدبة غداء أقامها لأساتذته احتفاءً بمناقشة رسالة الماجستير في ذلك اليوم.
وبحسب روايته، اقتاد الحوثيون الثابتي بالقوة إلى سجن قسم الجديري، رغم توسلات أساتذة الجامعة، ثم أودعوه الزنزانة الانفرادية، حيث أمضى يومين من دون طعام.
وأضاف أن أحد المختطفين في الزنزانة الجماعية، ممن كان لديهم هامش محدود من حرية الحركة داخل السجن، أخبره بوجود شخص في الزنزانة الانفرادية منذ يومين، وأن شاوش السجن أصدر أوامر بمنع الاقتراب منها.
"الغالي".. كلب تعذيب
قال القاعدي إنه انتظر حتى موعد دخول الحمام، حين فُتح باب الزنزانة، ثم حمل معه بعض قطع الكعك وقليلاً من الماء، وتوجه خلسة إلى الزنزانة الانفرادية وأدخل ما معه من أسفل الباب.
وأضاف أنه سأل المعتقل عن اسمه على عجل، آملاً أن يكون شخصًا يعرفه من قبل، قبل أن يتبين له أنه نائف الثابتي.
وبحسب رواية القاعدي، تعرض الثابتي للتعذيب باستخدام كلب بوليسي يُعرف باسم "الغالي"، وهو الكلب نفسه الذي قال إن الحوثيين استخدموه في تعذيبه. ووصف المشهد بأنه كان تجسيداً لقسوة المكان، حيث يواجه إنسان أعزل آلة من العنف لا تعرف الرحمة.
نافذة ضيقة وسط عتمة السجن
ومع مرور الأيام، قال القاعدي إنه تعرض هو الآخر للتعذيب ومُنع من مغادرة الزنزانة الانفرادية، مشيراً إلى أن الثابتي كان يتعاهده بالطعام كلما استطاع، ويقدم له ما يمكن من العون وسط ظروف السجن القاسية.
وقال إن تلك المواقف الصغيرة بقيت عالقة في ذاكرته، واصفاً إياها بأنها "نافذة ضيقة" دخل منها بعض الضوء إلى عتمة السجن.
وبعد سنوات على مغادرته، يقول القاعدي إن ذاكرته ما تزال تحتفظ بتفاصيل سجن الجديري؛ أبوابه الثقيلة، وزنازينه الضيقة، وصراخ المعتقلين وأنينهم خلف الجدران، وخطوات الحراس وهي تقترب ثم تبتعد.
كما بقيت في ذاكرته وجوه أولئك الذين مروا من هناك، قبل أن يختفوا في طرق مجهولة، من دون أن يعرف إلى أين انتهى بهم المصير.
شهادة تفتح ملف المعتقلين
تضع شهادة القاعدي جانباً من تجربة المعتقلين في سجون جماعة الحوثي أمام أسئلة حقوقية تتجاوز تفاصيل تجربة فردية، خصوصاُ ما يتعلق بالتعذيب، وظروف الاحتجاز، والعزل، ونقل المختطفين بين أماكن احتجاز متعددة، وما يرافق ذلك من انقطاع أخبارهم عن أسرهم.
وتعيد هذه الشهادة التذكير بمسؤولية الجهات المسيطرة على أماكن الاختطاف عن ضمان سلامة المعتقلين وصون كرامتهم، ووقف أي ممارسات تنتهك حقوقهم، إلى جانب الكشف عن مصير المختفين وتمكين الأسر من معرفة أماكن وجود ذويها وأوضاعهم.
كما تبرز الحاجة إلى تحقيقات مستقلة وشفافة في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات، وضمان عدم إفلات المتورطين من المساءلة.
وبالنسبة للقاعدي، ما تزال تفاصيل الـ58 يومًا حاضرة في ذاكرته؛ أسماء ووجوه، أبواب وزنازين، صرخات وأنين، ومختطفون غادروا المكان إلى سجون أخرى دون أن يعرف إلى أين انتهت بهم الطريق. وتبقى شهادته، وفق ما رواه، جزءًا من ذاكرة آلاف المعتقلين وعائلاتهم الذين ينتظرون الحقيقة والعدالة والمصير المعلوم.