مجلس القيادة الرئاسي بين التفويض والانقسام: شرعية معلّقة في مواجهة انقلابين.. قراءة قانونية

2025-12-25 01:30 الهدهد- نبيل صلاح:
تصميم خاص بمنصة الهدهد
تصميم خاص بمنصة الهدهد

 

تشكّل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل/نيسان 2022 بموجب إعلان نقل السلطة الموقع في الرياض، كصيغة توافقية هدفت إلى توحيد المعسكر المناهض لمليشيات الحوثي، ووقف الانقسامات داخل مكونات الشرعية اليمنية، وإدارة المرحلة الانتقالية في ظل حرب مستمرة وانهيار المؤسسات الرسمية للدولة.

 

ولدت هذه الهيئة معاقة من رحم أزمة عميقة في قلب الدولة، عقب سلسلة من التمردات التي شنها المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا منذ 2017، وحتى توقيع اتفاق الرياض في 2019، الذي تعثّر تنفيذه وأسهم، وفق مراقبين، في تعزيز هيمنة الانتقالي وداعميه، وإضعاف قدرة الشرعية على إدارة الحرب ضد الحوثيين في شمال البلاد. 

 

ومنذ اللحظة الأولى لتأسيسه، تم تسويق المجلس باعتباره إطارًا توافقيًا يجمع قوى سياسية وعسكرية متباينة تحت مظلة واحدة، على أن يتولى السلطة التنفيذية العليا ويقود جهود استعادة الدولة وحماية وحدة البلاد وسيادتها.

 

غير أن التطورات الأخيرة، مع اجتياح الانتقالي الذي يشغل نصف أعضاء المجلس والحكومة لمحافظتي حضرموت والمهرة، وتصعيده العسكري والسياسي بالتوازي مع بيانات من مسؤوليه تدعو للانفصال، أظهرت أن الشراكة داخل المجلس لم تكن سوى تكتيك لتفكيك الدولة من داخل مؤسساتها، وتشتيت جهود المعسكر المناهض للحوثيين. 

 

ومع استلاب القرار من أعلى هرم السلطة وتعميق الانقسامات، يطرح هذا الواقع تساؤلات حادة حول جدوى المجلس، والإطار القانوني والدستوري لإمكانية تراجع الرئيس عبدربه منصور هادي عن التفويض الممنوح له، ومستقبل شرعية قرارات المجلس السابقة والحالية، والخيارات المتاحة للحفاظ على الشرعية الدستورية باعتبارها الإطار القانوني الأساسي لمواجهة انقلاب الحوثيين واستعادة الدولة.

 

ماذا يقول الدستور؟

الدستور اليمني، وتحديدًا في المادة (4)، يقرر أن الشعب مالك السلطة ومصدرها، ويمارسها «بطريق الاستفتاء والانتخابات العامة، وعبر السلطات الدستورية». أما المادة (110) فتنص أن رئيس الجمهورية «يعمل على تجسيد ارادة الشعب واحترام الدستور والقانون وحماية الوحدة ومبادئ وأهداف الثورة اليمنية»، في حين تنص المادة (124) بوضوح على أن لرئيس الجمهورية نائبًا واحدًا، ويجوز له تفويضه ببعض اختصاصاته.

هذه النصوص، التي لا تزال سارية بوصفه الدستور الدائم والمعمول به للجمهورية اليمنية، لا تشير من قريب أو بعيد إلى صيغة مجلس رئاسي جماعي يتولى السلطة التنفيذية العليا، ولا تمنح الرئيس صلاحية تفويض سلطاته لمجموعة من الأشخاص.

تفويض غير دستوري

من هذا المنطلق، يرى المحامي عبد الرحمن برمان، رئيس المركز الأمريكي للعدالة، أن التفويض الصادر في 7 أكتوبر 2022 لا يستند إلى أي نص دستوري، وأنه أحدث تحولًا جوهريًا في شكل الحكم، من نظام رئيس ونائب إلى نظام مجلس رئاسي غير منصوص عليه. وبهذا المعنى، فإن مجلس القيادة، وفق قراءة برمان، لا يمتلك مشروعية دستورية، وإنما يستمد وجوده من التوافق السياسي، والاعتراف الدولي والإقليمي، إضافة إلى مشروعية شعبية مؤقتة حصل عليها في بداياته.

غير أن هذه المشروعية، كما يلفت برمان في حديث خاص لمنصة "الهدهد"، ليست ثابتة، بل مشروطة بالقدرة على استعادة مؤسسات الدولة، وتوحيد القوات المسلحة، وإعادة تشغيل القضاء والأمن، وتوفير الخدمات الأساسية. الفشل في هذه المهام لا يعني فقط إخفاقًا سياسيًا، بل تآكلًا مباشرًا في أساس المشروعية ذاتها.

ما قبل المجلس: شرعية توافقية طويلة

لكن قراءة الأزمة لا تكتمل، وفق توفيق الحميدي، رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، دون العودة إلى عام 2013، حين دخل اليمن فعليًا مرحلة «الشرعية التوافقية».

فتعطيل أجزاء من الدستور بفعل المبادرة الخليجية، وانتخاب الرئيس هادي مرشحًا توافقيًا، ثم مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، كلها – بحسب الحميدي – تمت خارج النص الدستوري، وبمنطق الإجماع السياسي.

من هذا المنظور، لا يبدو مجلس القيادة استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة ترتيبات سياسية جرى تسويقها باعتبارها حلولًا انتقالية، لكنها راكمت فراغًا دستوريًا ممتدًا.

 

ويذهب الحميدي في حديث خاص لمنصة "الهدهد" إلى أن إعلان نقل السلطة في الرياض أنهى فعليًا مرحلة الرئيس هادي، وأن التفويض الذي وقّعه كان تفويضًا نهائيًا لا رجعة فيه، ما يجعل أي عودة محتملة لهادي مشروطة بإجماع سياسي جديد، لا بإحياء الصيغة السابقة.

ديباجة تعلو النصوص

اللافت في قراءة الحميدي أنه يمنح ديباجة إعلان نقل السلطة مكانة حاكمة، معتبرًا إياها بمثابة «نص فوق دستوري»، لأنها تحدد الغاية التي أنشئ من أجلها مجلس القيادة والمتمثلة في الحفاظ على وحدة البلاد، وتوحيد القرار، واستعادة الدولة.

وبناءً على ذلك، فإن أي تصرفات من أعضاء المجلس تخرج عن هذه الغاية – بما في ذلك قيادة تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة أو مهاجمة قوات نظامية في حضرموت وهي قوات أُنشئت بموجب القرار رقم (16) لسنة 2013، الذي أعاد تشكيل مسرح العمليات العسكرية خلال مرحلة الرئيس هادي.– تفقد مشروعيتها، باعتبارها مخالفة للهدف المؤسس ذاته.

هل يمكن سحب التفويض؟

هنا يتقاطع القانوني بالسياسي. فبرمان يرى أن ما قام به الرئيس هادي كان تصرفًا استثنائيًا استند إلى مبدأ الضرورة في ظل الحرب وتعطّل مؤسسات الدولة، ما يجعل شرعية مجلس القيادة «مشتقة لا أصيلة». ووفق هذا المنطق، فإن الرأي الدستوري الراجح يمنح هادي الحق في سحب التفويض أو إعادة ترتيب المجلس، خصوصًا أن التفويض كان مشروطًا بأهداف لم تتحقق، بل جرى الانحراف عنها.

لكن هذا الخيار، رغم وجاهته القانونية، يصطدم – كما يقر برمان – بواقع سياسي معقد: هل ستقبل القوى السياسية بعودة هادي؟ هل سيتعامل المجتمع الدولي والإقليمي معه مجددًا كرئيس شرعي؟ وهل يمكن بناء إجماع جديد في ظل الانقسام القائم؟ هذه الأسئلة، هي ما يضعف هذا السيناريو.

مصير قرارات الرئاسي 

أما قرارات مجلس القيادة، فمصيرها – وفق القراءة القانونية للمحامي عبدالرحمن برمان – ليس واحدًا. فالقرارات التي صدرت بإجماع، ونُفذت فعليًا، ولم تخالف الدستور أو القوانين الدولية، تبقى محصنة نسبيًا ونافذة. في المقابل، فإن القرارات الصادرة بالإكراه أو القوة، أو تلك التي تخدم مشاريع تقوض وحدة الدولة وسيادتها، تظل قابلة للإلغاء بسهولة، لأنها تتعارض مع أسس تشكيل المجلس ومع النصوص الدستورية ذاتها.