صراع القيادات الحوثية يشلّ كهرباء الحديدة ويفاقم معاناة السكان
تشهد المؤسسة العامة للكهرباء صراعًا حادًا بين قياداتها، تتصاعد حدته يومًا بعد آخر، في ظل حالة فوضى واسعة تطال عددًا من المؤسسات في مناطق سيطرة الحوثيين، وفي مقدمتها قطاع الكهرباء، الذي تحوّل إلى صندوقٍ أسود لنهب الإيرادات وبيع الأصول.
وقد كانت محافظة الحديدة مركزًا بارزًا لهذه الخلافات، عقب تبادل اتهامات بين قيادات نافذة موالية للحوثيين بنهب وسرقة التيار الكهربائي، الأمر الذي فجّر صراعًا داخليًا داخل أروقة المؤسسة والوزارة، حول أحقية التعيينات والتغييرات الإدارية.
صراع الريفي والمتوكل
في مطلع الشهر الجاري، أصدر مدير عام المؤسسة مشعل الريفي، المدعوم من قيادات حوثية نافذة، قرارًا بإيقاف مدير عام كهرباء الحديدة أحمد روضان ونائبه المدير المالي والإداري، وتكليف مدير عام الشؤون التجارية بتسيير أعمال المنطقة.
وبعد يومين فقط، أصدر القيادي الحوثي أحمد المتوكل، المعيّن وكيلاً لقطاع الكهرباء في الوزارة بعد دمجها مع المياه، قرارًا بإلغاء قرارات الريفي وإعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقًا، مع التأكيد على عدم تكليف أي مدير عام أو مدير إدارة دون الرجوع إليه.
لم يقف الريفي صامتًا إزاء هذا القرار، إذ أصدر مذكرة تحدّى فيها توجيهات المتوكل، معتبرًا أن ما ورد فيها يشكّل غطاءً لاستمرار ما وصفه بالهدر المالي ووقائع الفساد داخل المؤسسة.
وأضاف أن بعض الموقوفين استغلوا المذكرة وقاموا بنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وجلبوا مسلحين لاقتحام مقر المنطقة، ولا يزالون متمركزين داخل المبنى، حسب زعمه.
وأكد الريفي تمسكه بقراره بإيقاف مدير كهرباء الحديدة ونائبه، واستمرار إشراف المؤسسة على المنطقة عبر القيادي الحوثي عبد الرحمن زيد، مدير الشؤون التجارية، المتهم بنهب أصول المؤسسة لصالح مشاريعه الخاصة ومولداته المنتشرة في صنعاء والحديدة.
صراعات الأجنحة
ما ظهر إلى العلن يعكس صراعًا محتدمًا بين قيادات وأجنحة حوثية على المؤسسات، خصوصًا الإيرادية منها، حيث يسعى كل جناح إلى تعيين المقربين منه، في ظل أنباء عن إقالة عدد من مديري المؤسسات، من بينهم مشعل الريفي.
وبحسب مصادر خاصة، فقد أصدرت قيادات حوثية الشهر الماضي قرارًا بإقالة الريفي وتعيين بديل عنه، غير أن القرار تم إيقافه وتجميده نتيجة العلاقة الشخصية التي تربطه بقيادات حوثية نافذة داخل الحركة.
وأشارت المصادر إلى أن الدعم الذي يحظى به الريفي يعود إلى قيامه بتسهيل حصول عدد من القيادات الحوثية على درجة الماجستير إبّان توليه عمادة كلية التجارة بجامعة صنعاء، من بينهم مهدي المشاط، الذي حصل مؤخرًا على الماجستير بتواطؤ عدد من القيادات، من ضمنهم مشعل الريفي، بحسب ما أكدته الدكتورة سلوى دماج.
وأضافت الدكتورة دماج في منشور لها أن مشعل الريفي عمل، خلال فترة عمله في كلية التجارة، على خدمة المشروع الحوثي الانقلابي ضد الدولة ومؤسساتها والجمهورية، عبر تسجيل عدد من القيادات الحوثية في برامج الماجستير بالكلية.
وخاطبت الريفي بالقول:«سيكون مكانك في الموقع الذي يليق بك وبأمثالك ممن باعوا واشتروا وتخلّوا عن مبادئ الثورة والجمهورية من أجل مصالحهم الشخصية الصغيرة».

استنجاد بالقطاع الخاص
أدى الرفض المستميت من قبل مشعل الريفي لقرارات وزارة الكهرباء، ممثلة بالقياديين الحوثيين عادل بادر وأحمد المتوكل، إلى لجوء عادل بادر للاستنجاد بالقطاع الخاص، حيث عقد اجتماعًا موسعًا مع ملاك المولدات التجارية لمناقشة وضع الكهرباء.
وبحسب مصادر مطلعة، يسعى بادر إلى تقديم تسهيلات لملاك المولدات التجارية مقابل منحهم حق الانتفاع بالشبكة التابعة للمؤسسة، بما في ذلك الكمبات وغيرها.
وأكدت المصادر أن بادر يهدف إلى تعزيز نفوذ القطاع الخاص، لا سيما في المناطق التي كانت تتواجد فيها المؤسسة، وتحديدًا في الحديدة، التي تحولت – بحسب وصف المصادر – إلى «ثقب أسود» لقيادات مؤسسة الكهرباء، حيث يتم نهب مئات الملايين شهريًا تحت مسميات وهمية، أبرزها تقليل الفاقد.
وأشار مصدر في كهرباء الحديدة إلى أن قيادات المؤسسة تنزل إلى المحافظة بحجة مكافحة الفاقد وتنفيذ مشاريع، مقابل بدلات سفر وأتعاب ومصاريف تقدر بملايين الريالات شهريًا، دون تحقيق أي إنجاز ملموس.
وأكد المصدر أن هذه النزولات تتم بشكل جماعي تحت ذريعة تقليل الفاقد، بينما يُستغل الأمر فعليًا للهرب من برد صنعاء إلى مناطق أكثر دفئًا، مقابل مبالغ مالية ضخمة. ودعا المصدر الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة إلى التدخل والبحث في صرف بدلات السفر ومهام الأشخاص الذين يقومون بالنزول، لكشف كيفية نهب المال العام بصورة منظمة، حسب تعبيره.
معاناة أبناء الحديدة
في المقابل، يشكو أهالي الحديدة من صعوبة دفع فواتير الكهرباء، في ظل أوضاع معيشية قاسية، حيث يعيش نحو 80% من السكان تحت خط الفقر نتيجة الحصار والبطالة وتراكم الديون.
وأشار موظفون إلى أن المديونيات القديمة تعود إلى سنوات طويلة، في حين حُرم السكان من الكهرباء لمدة أربع سنوات، واضطروا خلالها للاعتماد على الشموع.
وانتقد الأهالي قرارات المؤسسة بتحصيل نسبة 5% من المديونيات القديمة، معتبرين توقيتها غير مناسب وزاد من معاناتهم، إذ تضطر بعض الأسر الأشد فقرًا إلى إرسال أطفالها لجمع قوارير المياه الفارغة وبيعها لتغطية فواتير الكهرباء والمياه.
وأكد السكان أن دعم أسعار الكهرباء والفارق في سعر الكيلوواط يُصرف من صندوق دعم وتنمية الحديدة، مطالبين بتحمل المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تجاههم وتخفيف العبء في ظل هذه الظروف القاسية.
مطالب بتعيين كوادر محلية
وانتقد موظفو منطقة كهرباء الحديدة عدم تعيين مدير للمنطقة من أبناء المحافظة، رغم وجود كفاءات محلية بارزة، مؤكدين أن تعيين مدراء من خارج الحديدة يمثل تهميشًا متعمدًا وانتقاصًا من أبناء المحافظة المسالمة. وشدد الموظفون على ضرورة اعتماد كوادر إدارية وهندسية محلية مشهود لها بالكفاءة والنجاح في قيادة مؤسسة كهرباء الحديدة، مؤكدين معرفتهم الجيدة بهذه الكفاءات.
وأوضحوا أن استمرار تجاهل الكفاءات المحلية لصالح مصالح خارجية أو خاصة يعرقل تحسين خدمات الكهرباء، مشددين على أن وضع المصلحة العامة فوق المصالح الخاصة هو السبيل الوحيد لضمان نجاح المؤسسة وتقديم خدمة أفضل للمواطنين.
وفي سياق متصل، اشتكى أهالي حارة البيضاء بمحافظة الحديدة من فصل الكهرباء عن حي كامل بسبب مخالفة فردية لأحد السكان، حيث نزلت لجنة من صنعاء لاتخاذ هذا الإجراء رغم وجود مهندسين محليين، ما أثار استغراب السكان واستنكارهم.
وأوضح الأهالي أن فصل الكهرباء استمر لمدة شهر كامل، مشيرين إلى أن تكلفة نزول اللجنة من صنعاء تتحملها كهرباء منطقة الحديدة، معتبرين أن العقاب الجماعي غير عادل، وكان من المفترض محاسبة المخالف بشكل فردي دون الإضرار بالمجتمع بأسره.
وهكذا، يعكس واقع الكهرباء في الحديدة استغلال القيادات الحوثية للمؤسسات الحيوية لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب المواطنين، في ظل صراع الأجنحة المتنفذة وتجاهل معاناة السكان، بينما تتفاقم المديونيات ويتسع نطاق الفقر والفوضى.
ومع استمرار نهب الموارد وتهميش الكفاءات المحلية، تبقى الحديدة شاهدًا حيًا على فشل القيادات الحوثية في إدارة الخدمات الأساسية، وسط مطالبات بوضع المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية، وتحمل المسؤولية تجاه المواطنين الذين يعانون يوميًا من الانقطاع والمعاناة.

