من حلم الانفصال إلى تهمة الخيانة: السقوط السياسي للزُبيدي

2026-01-08 04:44 الهدهد/خاص:
تصميم خاص بمنصة الهدهد
تصميم خاص بمنصة الهدهد

 

يعيش عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، واحدة من أصعب مراحل حياته السياسية والشخصية، بعدما كان قبل أيام قليلة قاب قوسين أو أدنى من إعلان انفصال جنوب اليمن، ليجد نفسه وكأنه خسر كل شيء؛ إقالته من منصبه كعضو في مجلس القيادة الرئاسي، ومُحال للتحقيق بتهمة الخيانة العظمى، وسط غموض يحيط بمصيره ومكان وجوده.

 

من ضابط في جيش الجنوب إلى قائد مشروع انفصالي

 

وُلد الزُبيدي في محافظة الضالع مطلع ستينيات القرن الماضي، وتشكّلت مسيرته في سياق سياسي وعسكري مضطرب. تخرّج من كلية الدفاع الجوي في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وعمل ضابطًا في جيش الحزب الاشتراكي، قبل أن يخوض أولى تجاربه العسكرية الكبرى خلال حرب صيف 1994، حين شارك في القتال إلى جانب مشروع الانفصال الذي أعلنه آنذاك نائب الرئيس علي سالم البيض. انتهت تلك الحرب بهزيمة قاسية، لتكون أولى محطات الانكسار في مسيرة الزُبيدي.

 

عقب الهزيمة، غادر الزُبيدي اليمن بحرًا إلى جيبوتي، حيث بقي هناك حتى أواخر التسعينيات، قبل أن يعود إلى البلاد بعد صدور عفو رئاسي، رغم أنه كان قد حُكم عليه بالإعدام. لم ينخرط بعد عودته في العمل السياسي الحزبي، ولم يظهر نشاطًا مدنيًا يُذكر، بل اتجه مبكرًا نحو العمل المسلح، خصوصًا بعد انطلاق الحراك الجنوبي عام  2007.

 

في بداياته، رفع الحراك مطالب حقوقية تتعلق بالعدالة والإنصاف، غير أن سقف تلك المطالب ارتفع تدريجيًا نحو الانفصال، وكان الزُبيدي جزءًا من التيار الذي تبنّى هذا التحول.

 

تحالفات متبدلة: من الحراك والحوثي إلى رعاية أبوظبي

 

 خلال تلك المرحلة، تشكّلت شبكات علاقات سياسية وإعلامية وعسكرية خارجية لبعض قيادات الحراك، في سياق إقليمي أوسع، سعت فيه إيران إلى إيجاد موطئ قدم لها في جنوب اليمن، على غرار ما كانت تفعله في شماله مع الحوثيين.

 

تشير تقارير وتحليلات عديدة إلى أن شخصيات جنوبية، بينها الزُبيدي، ارتبطت بتلك الشبكات، سواء عبر التدريب أو التنسيق أو الدعم الإعلامي. وقد صرّح الزُبيدي في مقابلة صحفية عام 2015 باستعداده لقبول الدعم الإيراني كما تفعل حركات مقاومة أخرى مثل حركة حماس. وفي تلك الفترة، برزت تقاطعات سياسية بين بعض مكونات الحراك الجنوبي وجماعة الحوثي، شملت زيارات وتنسيقًا وتبادل مواقف، قبل أن تنقلب المعادلة لاحقًا.

 

مع سيطرة الحوثيين على صنعاء في 2014، تعززت العلاقة مرحليًا، قبل أن تنقلب رأسًا على عقب عندما اتجه الحوثيون، بالشراكة مع الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، نحو اجتياح المحافظات الجنوبية. 

 

ذروة النفوذ داخل الدولة وصدامه مع السعودية

 

توحد الجنوبيون بمختلف توجهاتهم في قتال الحوثيين، بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية، الذي تدخّل عسكريًا في مارس 2015 استجابة لطلب الرئيس عبدربه منصور هادي.

 

برز الزُبيدي في تلك المرحلة كأحد قادة المواجهات في محافظة الضالع، التي كانت من أوائل المحافظات التي خرجت من قبضة الحوثيين. وفي أغسطس 2015، عيّنه الرئيس هادي محافظًا لعدن، في أول منصب رسمي يتولاه، غير أن فترة ولايته لم تشهد إنجازات تُذكر، وانتهت بإقالته بعد نحو عامين.

 

شكّلت إقالته نقطة تحوّل مفصلية، إذ أعلن في مايو 2017 تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي، بدعم إماراتي سياسي وعسكري ومالي واضح، ما أتاح له إنشاء تشكيلات مسلحة متعددة، من بينها الأحزمة الأمنية وغيرها. بعد ذلك بعامين، دخل المجلس الانتقالي في مواجهة مباشرة مع الحكومة الشرعية، وتمكن بالقوة من فرض نفوذه في عدن وعدد من المحافظات، قبل أن تتدخل السعودية والإمارات لاحتواء التصعيد عبر اتفاق الرياض، الذي منح الانتقالي شرعية سياسية وأدخله في الحكومة.

 

منذ ذلك الحين، تمدد نفوذ الزُبيدي سياسيًا وعسكريًا، دون أن تتحول المناطق الخاضعة لسيطرته فعليا إلى نموذج حكم مستقر أو قاعدة فعلية لاستعادة صنعاء. بقي معارضًا من داخل السلطة، مستفيدًا من الغطاء الإماراتي، وصمت سعودي مراعاة للتوازن داخل التحالف.

 

في عام 2022، شكّل انضمامه إلى مجلس القيادة الرئاسي أعلى منصب رسمي يصل إليه، ومنح مشروعه الانفصالي غطاءً مؤسسيًا غير مسبوق. غير أن طموحه بلغ ذروته أواخر 2025، عندما حاول المجلس الانتقالي فرض سيطرته على حضرموت والمهرة، وهما منطقتان تمثلان عمقًا استراتيجيًا وحساسية خاصة للأمن القومي السعودي.

 

السقوط الأخير: الإقالة، التحقيق، وغموض المصير

 

هنا، تغيّر الموقف السعودي بشكل جذري، فبعد محاولات احتواء سياسي، قوبلت بالرفض، لجأت الرياض إلى تحرك عسكري وأمني مباشر، انتهى بإفشال مشروع التمدد. 

 

حاول الزُبيدي لاحقًا فرض أمر واقع عبر إعلان ترتيبات انتقالية تقود إلى الانفصال بحلول 2028، لكن خسارته الميدانية جعلت هذا السيناريو شبه مستحيل.

 

بلغ التوتر ذروته عندما دعت السعودية إلى مؤتمر جامع للمكونات الجنوبية في الرياض، ومنحت الزُبيدي مهلة للحضور، لكنه رفض أو امتنع في اللحظات الأخيرة، دون توضيح رسمي. أعقب ذلك بيان شديد اللهجة من التحالف العربي، تحدث عن تحركات عسكرية وأوامر بتوزيع السلاح، وغادر الزُبيدي عدن إلى "مكان غير معلوم"، وفق البيان.

 

لاحقًا، صدرت قرارات مجلس القيادة الرئاسي بإقالته وإحالته للتحقيق بتهمة الخيانة العظمى، وقد اتضح فيما بعد بحسب بيان التحالف العربي أن الزُبيدي هرب من عدن عبر البحر لأرض الصومال ومن هناك نقلته طائرة إماراتية لأبو ظبي.

 

يرى مراقبون أن الموقف السعودي الحاد يعكس شعورًا بالإهانة السياسية، لكنه يتجاوز ذلك إلى مخاوف أعمق تتعلق بالأمن القومي، فالسعودية، وفق هذه القراءة، أرادت من الزُبيدي معلومات تتعلق بطلبات أو مخططات إماراتية تمس أمنها، وهو ما يفسّر إصرارها على استدعائه، وحدّة رد فعلها عند رفضه. وتذهب بعض التحليلات إلى أن رفض الزُبيدي السفر جاء بطلب إماراتي، خشية أن يتحول إلى شاهد مركزي في مواجهة سياسية إقليمية آخذة في التصعيد، حيث يُتوقع أن تذهب الرياض بعيداً في ما يُطلق عليه البعض "معركة التأديب" بعد جمع الأدلة والبراهين.

 

في المحصلة، يبدو أن مسيرة عيدروس الزُبيدي، المليئة بالمغامرات والانقلابات والتحالفات المتبدلة، وصلت إلى أكثر مراحلها خطورة، في لحظة تختلط فيها حسابات الداخل بصراعات الإقليم، وقد تتحول اليمن فيها إلى ساحة تصفية حسابات أكبر من طموحات رجل واحد.