طارق صالح بعد الزُبيدي: كيف تعيد الرياض تفكيك نفوذ أبوظبي في اليمن؟
بعد إعلان قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي، المتواجدة في العاصمة السعودية الرياض للمشاركة في المؤتمر الذي تستضيفه المملكة بشأن القضية الجنوبية، عن حلّ المجلس بدعوى انحرافه عن أهدافه الأساسية وتحوله إلى كيان انتهازي، بدأت تتصاعد تساؤلات واسعة حول مصير المكتب السياسي للمقاومة الوطنية بقيادة العميد طارق صالح، الذي يُنظر إليه هو الآخر بوصفه أحد وكلاء دولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن، وذلك في سياق التوجه السعودي العسكري والسياسي لإعادة ترتيب المشهد اليمني وفق رؤيتها الخاصة، وإعادة ضبط العلاقة مع أبوظبي.
من المجلس الانتقالي إلى طارق صالح… تفكيك شبكة الوكلاء الإماراتيين
فمنذ تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية في مارس 2015 لدعم شرعية الرئيس عبدربه منصور هادي، اعتمدت الإمارات في تحقيق أهدافها داخل اليمن على مسارين متوازيين: الأول تمثل في وجود عسكري مباشر ضمن قوات التحالف، والثاني في الانتشار الواسع داخل مواقع حيوية واستراتيجية شملت الموانئ والجزر ومناطق الجنوب والساحل الغربي، إلى جانب إنشاء شبكة من الوكلاء المحليين.
ويأتي في مقدمة هؤلاء الوكلاء المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تأسس في مايو 2017 كجناح سياسي–عسكري–أمني متعدد التشكيلات والمسميات، يتجاوز قوامها 70 ألف عنصر، وتلقت دعمًا عسكريًا وماليًا وسياسيًا وإعلاميًا مباشرًا من الإمارات، وكانت تسيطر على عدة محافظات بينها عدن.
وبعد ذلك بنحو عام تقريبًا، شرعت الإمارات في إعادة تجميع قوات يقودها العميد طارق صالح، نجل شقيق الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، الذي كان قد خسر معركته أمام جماعة الحوثي في صنعاء أواخر عام 2017. وقد ساعدته الإمارات على الخروج من صنعاء إلى عدن، ومنحته فرصة إعادة بناء قوته داخل معسكرات التحالف في مديرية البريقة غربي محافظة عدن، قبل الإعلان لاحقًا عن تشكيل قوات "المقاومة الوطنية" وألوية "حراس الجمهورية". وشاركت هذه القوات جزئيًا في معارك تحرير المخا وبعض مدن الساحل الغربي عام 2018، وتم منح طارق صالح مناطق قريبة من باب المندب لتكون مقرًا لقواته ومركزًا لنفوذ عسكري واقتصادي مستقل.
مغامرة حضرموت والمهرة… نقطة التحول في الموقف السعودي
تأتي هذه التطورات في أعقاب المغامرة العسكرية التي أقدم عليها المجلس الانتقالي في ديسمبر الماضي، حين سيطر على محافظتي حضرموت والمهرة، اللتين تمثلان نفوذًا سعوديًا مباشرًا وعمقًا استراتيجيًا للأمن القومي السعودي.
وقد دفع هذا التحرك الرياض إلى حالة استنفار غير مسبوقة منذ تدخلها في اليمن، إذ سارعت منذ اللحظة الأولى إلى احتواء الأزمة سياسيًا، فأوفدت رئيس اللجنة الخاصة محمد عبيد القحطاني إلى محافظة حضرموت لمحاولة احتواء الموقف وإقناع المجلس الانتقالي بالانسحاب من المحافظتين، غير أن تلك الجهود باءت بالفشل.
لاحقًا، أرسلت السعودية وفدًا آخر إلى عدن للقاء رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزُبيدي، إلا أن المهمة فشلت أيضًا. عندها وجّهت الرياض رسالة حازمة على لسان الأمير خالد بن سلمان، اعتُبرت بمثابة إنذار أخير للمجلس الانتقالي بضرورة الانسحاب من المحافظتين. وأعقب ذلك بيان صريح من وزارة الخارجية السعودية أكدت فيه بوضوح أن استمرار هذا الوضع ستكون له عواقب غير محمودة.
تطورت الأحداث على نحو متوقع، إذ بدا واضحًا أن الإمارات تقف خلف مغامرة المجلس الانتقالي ضمن حسابات جيوسياسية تتقاطع مع أهدافها في القرن الأفريقي، وتسعى في بعدها الاستراتيجي الأوسع إلى تطويق السعودية وخلق تهديدات أمنية مباشرة لها، وصولًا إلى هدف بعيد يتمثل في تفكيك الداخل اليمني وإضعاف دور السعودية كلاعب مركزي في المنطقة.
المخا على الطاولة… نهاية "الدولة الموازي" وإعادة فرض مركز القرار
في المقابل، تحركت السعودية عبر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، الذي فوّض الرياض باتخاذ التدابير العسكرية اللازمة لحماية المدنيين في حضرموت. وبالفعل، نُفذت ضربة جوية محدودة استهدفت سفينتين كانتا تنقلان معدات عسكرية إماراتية من ميناء الفجيرة إلى ميناء المكلا، في رسالة واضحة مفادها أن تجاوز الخطوط الحمراء غير مقبول.
تلا ذلك قرار بإنهاء اتفاقية الدفاع العسكرية مع الإمارات، ومنح قواتها مهلة 24 ساعة لمغادرة اليمن، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد لمدة 90 يومًا.
وبالفعل، بدأت الإمارات بالانسحاب، فيما أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي قرارًا بتعيين محافظ حضرموت سالم الخنبشي قائدًا لقوات "درع الوطن" المدعومة سعوديًا، لقيادة عملية عسكرية سُمّيت "استعادة المعسكرات"، هدفت إلى طرد قوات المجلس الانتقالي من حضرموت والمهرة، وقد نجحت العملية في تحقيق أهدافها.
عقب ذلك، دعت السعودية إلى عقد مؤتمر للمكونات الجنوبية في الرياض، ودُعي عيدروس الزُبيدي للمشاركة، إلا أنه ماطل حتى اللحظات الأخيرة، وأرسل وفدًا من مجلسه بدلًا عنه. ولم تُعلن رسميًا أسباب رفضه المشاركة، لكن التطورات اللاحقة كشفت أنه جرى تهريبه بحرًا من ميناء عدن إلى إقليم أرض الصومال غير المعترف به، ومن هناك نُقل بطائرة إماراتية إلى مطار مقديشو، ثم إلى مطار أبوظبي، وهو ما أكده بالتفصيل المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف العربي اللواء الركن تركي المالكي.
تشير هذه التطورات بوضوح إلى أن السعودية قررت قطع الصلة مع الوكلاء العسكريين والسياسيين للإمارات، وإعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في اليمن. وبعد إعلان حلّ المجلس الانتقالي، ومع بدء الترتيبات لتفكيك تشكيلاته ودمجها ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، تتجه الأنظار الآن إلى العميد طارق صالح ومركز نفوذه في المخا.
ومنذ اللحظة الأولى لمغامرة المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة، اصطف طارق صالح إلى جانبه، إذ قلّل من خطورة ما أقدم عليه المجلس، والذي اعتبرته الحكومة والأحزاب السياسية والرياض مغامرة أحادية. ولاحقًا، وصف ما جرى بأنه مجرد "إعادة ترتيب لمسرح العمليات"، وهو موقف سياسي اعتُبر اصطفافًا مع الإمارات أكثر مما هو مع المجلس الانتقالي ذاته. وقد تجلى ذلك بوضوح في توقيعه، إلى جانب الزُبيدي وبقية الأعضاء المحسوبين على الإمارات في مجلس القيادة الرئاسي، على بيان مشترك رفضوا فيه قرارات رئيس المجلس رشاد العليمي واعتبروها قرارات أحادية.
هذا الموقف السياسي الثاني وضع طارق صالح عمليًا في صف الإمارات، واستدعى استدعاءه إلى السعودية، حيث لا يزال موجودًا هناك. ويرى مراقبون أن طارق، إلى جانب كونه وكيلًا إماراتيًا ويتحرك ضمن أجندتها السياسية، يواجه اليوم خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بإعادة هيكلة قواته ودمجها ضمن تشكيلات عسكرية أخرى، أو الدخول في مسار تفكيك تدريجي لقوته المستقلة.
ويشير المراقبون إلى أن طارق ظلّ لسنوات يرفض دمج قواته ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، رغم كونه عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي، كما رفض دمج جهازه الاستخباراتي في جهاز "أمن الدولة" الذي أُنشئ بموافقة أعضاء مجلس القيادة، وهو ما يعكس تمسكه باستقلالية استخبارية وأمنية خاصة يقودها شقيقه عمار صالح، إلا أن نفوذه الإداري والعسكري في المخا وعدد من مديريات تعز والحديدة بات اليوم مهددًا بالانتهاء، على غرار ما جرى مع المجلس الانتقالي.
وقد بدأ القلق يتصاعد في أوساط المحسوبين على طارق صالح، الذين انتقلت مشاعرهم من الفرح بما أصاب المجلس الانتقالي في البداية إلى حزن مؤجل، وهم اليوم يتحسسون رؤوسهم انتظارًا لمصير "السلطة" التي بنوها في المخا، حيث كانوا يتصرفون لسنوات وكأنهم كيان مستقل يمتلك مطارًا وميناءً ونفوذًا خارج إطار الدولة.
ومع اتجاه السعودية إلى توحيد جميع التشكيلات العسكرية تحت قيادة واحدة، وإنهاء أي دعم إماراتي مالي لطارق صالح، لن يكون بمقدوره الاستمرار في تمويل قواته أو مشاريعه التي عزز بها نفوذه السياسي، كما لن تقبل الرياض استمرار الدعم الإماراتي له، بل سيخضع مباشرة لرعايتها وإشرافها.
ووفق ما قاله القيادي في المؤتمر الشعبي العام الدكتور عادل الشجاع، فإن السعودية قد تُبقي على قوات طارق صالح في المرحلة القادمة بشكل مؤقت، بحكم حساسية موقعها كخط تماس مع الحوثيين، ومن أجل الحفاظ على توازن مع حزب الإصلاح، إلا أنه أكد في الوقت ذاته أن المكتب السياسي للمقاومة الوطنية مرشح للحل، وأن قوات طارق نفسها ستُفكك وتُعاد توزيعها على تشكيلات عسكرية ضمن مسرح عمليات يخضع لوزارة الدفاع وترتيبات المرحلة المقبلة.
وبالتالي، فإن "دولة طارق" التي بناها بمعزل عن الدولة اليمنية، وكان يتصرف فيها كرئيس كيان مستقل، تتجه اليوم إلى نهايتها، تمامًا كما انتهى مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي.