من الكهرباء إلى الوقود: سقطرى رهينة النفوذ الإماراتي
بينما تتفاقم المعاناة المعيشية لسكان أرخبيل سقطرى، تتكشف يومًا بعد آخر صورة معقّدة ومتشابكة من الغلاء الفاحش، والهيمنة الخدمية، والنفوذ العسكري الإماراتي، في مشهدٍ ثقيل الوطأة لا يتحمّل كلفته سوى المواطن البسيط، في ظل غياب شبه تام لحلول حقيقية أو تدخلات فاعلة من شأنها تخفيف حدّة الأزمة أو كبح تداعياتها المتفاقمة.
غلاء بلا سقف واحتكار للخدمات الأساسية
فعلى الصعيد المعيشي، يواجه أبناء الأرخبيل موجة غير مسبوقة من ارتفاع أسعار الوقود والغاز والكهرباء، انعكست بشكل مباشر على تفاصيل حياتهم اليومية. إذ بلغ سعر صفيحة البترول سعة 20 لترًا نحو 36 ألف ريال يمني، وبنوعية وصفها السكان بالرديئة، مؤكدين أنها تسببت في أعطال متكررة للسيارات ورفعت كلفة التنقل والإنتاج.
كما ارتفع سعر أسطوانة الغاز الصغيرة إلى 24 ألف ريال، في وقت تشهد فيه الدخول تراجعًا حادًا، وانعدامًا شبه كامل لفرص العمل، ما ضاعف من الأعباء المعيشية على الأسر.
وتعمل شركة أدنوك الإماراتية في سقطرى منذ عام 2017 عبر محطة وقود في مدينة حديبو، قبل أن تتحول خلال فترة وجيزة إلى المورد الوحيد للمشتقات النفطية في الأرخبيل، الأمر الذي منحها احتكارًا فعليًا للسوق.
هذا الواقع، بحسب مراقبين، فتح الباب أمام رفع الأسعار بشكل كبير دون ضوابط، وأثار موجة واسعة من الانتقادات والاحتجاجات الشعبية المتكررة من السلطات والقوى الوطنية مثل مؤتمر سقطرى الوطني بفرض تسعيرة عادلة تتماشى مع الأسعار المعتمدة في بقية المحافظات اليمنية، وتحمي السكان من تقلبات السوق ونتائج الاحتكار.
الكهرباء بالدرهم… عبء يومي يرهق الأسر
أما ملف الكهرباء، فيُعدّ من أكثر القضايا إثارة للغضب والاستياء الشعبي، إذ تُدار الخدمة عبر شركة دكسم باور الإماراتية، في ظل غياب أي بدائل حكومية أو رقابة فعلية. وتُفرض على المواطنين شرائح كهرباء إلكترونية تُسدَّد قيمتها بالدرهم الإماراتي حتى اليوم، دون وجود تسعير واضح أو نظام عادل يراعي حجم الاستهلاك أو القدرة الشرائية للسكان.
ويعمل العداد الإلكتروني بنظام أربع شرائح استهلاكية، حيث تتسارع وتيرة الاستهلاك بشكل حاد مع الانتقال من شريحة إلى أخرى، ليصل المستخدم إلى الشريحة الرابعة خلال أربع إلى خمس ساعات فقط، ما يؤدي إلى استنزاف بطاقة بقيمة 50 درهمًا في وقت قياسي.
ويؤكد مواطنون أن أقل استهلاك يقتصر على الإضاءة والمراوح فقط قد يكلف ما بين 50 إلى 100 درهم، في حين بات تشغيل المكيفات رفاهية شبه مستحيلة في ظل هذه الكلفة الباهظة، خصوصًا في أجواء الجزيرة الحارة.
وفي مقابل هذا الواقع المعيشي القاسي، أفاد مصدر في السلطة المحلية بالمحافظة منصة الهدهد بوجود عمالة أجنبية متعددة الجنسيات تعمل في الأرخبيل، من جنسيات هندية وباكستانية ومصرية وأردنية وسودانية وغيرها، تتولى إدارة وتشغيل عدد من الأنشطة الاستثمارية والخدمية.
ويبرز إلى جانب ذلك نشاط تجاري واسع، لا سيما في قطاع الثروة السمكية عبر شركة "برايم"، التي كانت تشتري الأسماك بالأطنان قبل أن تعلن مؤخرًا توقف نشاطها، في ظل التطورات الراهنة التي أعقبت قرار الحكومة اليمنية إنهاء اتفاقية التعاون العسكري مع أبوظبي، وما رافقه من تغيرات في حركة النقل والدعم اللوجستي.
بين خطاب "الدعم الإنساني" وواقع الهيمنة الاستثمارية
وفي الوقت الذي لا تنفك فيه دولة الإمارات وإعلامها عن تسويق حضورها في أرخبيل سقطرى بوصفه حضورًا إنسانيًا وخيريًا، عبر الترويج المتكرر لأرقام مالية ومشروعات دعم تُعلن بين الحين والآخر، يشير الواقع الميداني إلى صورة مغايرة تمامًا. إذ يرى مراقبون أن أبوظبي تستغل البعد الجغرافي للأرخبيل عن البرّ اليمني وضعف حضور الدولة، لفرض هيمنة خدمية واحتكارية على القطاعات الأساسية التي تمس حياة المواطنين اليومية.
وبحسب هذه القراءة، فإن ما يُقدَّم بوصفه “خدمات” إنسانية أو تنموية تحوّل في جوهره إلى أنشطة استثمارية مدفوعة، تُفرض بأسعار تفوق قدرة معظم السكان على الدفع، سواء في الوقود أو الكهرباء أو غيرها من الاحتياجات الأساسية. ويؤكد مواطنون أن هذه الخدمات لا تُدار بمنطق الدعم أو المسؤولية الاجتماعية، بل بمنطق السوق والربح، ما جعل أبناء الجزيرة يدفعون كلفة مضاعفة لقاء خدمات يُفترض أن تكون متاحة بأسعار عادلة أو مدعومة.
وتشير المعطيات على الأرض إلى أن هذه المنظومة الخدمية الاحتكارية أفرزت واقعًا اقتصاديًا غير متوازن، تُحقق فيه الشركات الإماراتية المشغّلة أرباحًا كبيرة من جيوب المواطنين أنفسهم، في حين تتراكم الأعباء على الأسر السقطرية التي تعاني أصلًا من محدودية الدخل وغياب فرص العمل. وبهذا، يرى ناشطون أن “الدعم الإنساني” المعلن يتحول عمليًا إلى آلية لاسترداد الأموال وتحقيق الأرباح، لا إلى معالجة حقيقية لأوضاع السكان أو تخفيف معاناتهم.