اللجنة العسكرية العليا وإعادة تنظيم المشهد العسكري في اليمن

2026-01-21 03:45 الهدهد/خاص:
رئيس مجلس القيادة خلال لقائه قائد قوات التحالف في اليمن رئيس لجتة هيكلة الجيش
رئيس مجلس القيادة خلال لقائه قائد قوات التحالف في اليمن رئيس لجتة هيكلة الجيش

يبقى توحيد التشكيلات العسكرية المختلفة تحت مظلة وزارة الدفاع إحدى أعقد القضايا التي واجهت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً منذ اندلاع الحرب، في ظل تعدد القوى المسلحة وتباين مرجعياتها ومصادر دعمها. غير أن إحالة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، هذا الملف إلى قوات تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، مثّلت تحولًا لافتًا في إدارة هذا التعقيد، خصوصًا مع بدء تحركات عملية ونقاشات غير معلنة تهدف إلى إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية على أسس جديدة، تجعل إنجاز هذه المهمة أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ، قياسًا بما تمتلكه السعودية من أدوات نفوذ وقدرة على فرض التنسيق بين مختلف الأطراف المسلحة، ولا سيما تلك التي ظلت تعمل خارج إطار الدولة خلال السنوات الماضية.

 

تفويض التحالف وتشكيل اللجنة العسكرية العليا

 

وكان العليمي قد أعلن، في العاشر من يناير الجاري، عن تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات تحالف دعم الشرعية، موضحًا أن مهامها ستشمل إعداد وتجهيز وقيادة مختلف الوحدات العسكرية، ورفع مستوى جاهزيتها للمرحلة المقبلة، في حال رفضت ميليشيا الحوثي الانخراط في الحلول السلمية.

ولم يتضمن الإعلان حينها اسم رئيس اللجنة العسكرية العليا، واقتصر على الإشارة إلى أنها ستكون تحت التحالف العربي بقيادة مستشار قائد القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن فلاح الشهراني.

وظل منصب رئيس اللجنة العسكرية العليا غير معلن رسميًا، إلى أن التقى رئيس مجلس القيادة الرئاسي، يوم الاثنين الموافق 19 يناير الجاري، بالسلمان، حيث أشارت وكالة الأنباء اليمنية الرسمية "سبأ" إليه بصفته رئيس اللجنة العسكرية العليا المعنية بتجهيز وتوحيد وقيادة جميع التشكيلات العسكرية اليمنية.

وكان العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، قد أصدر في أغسطس 2024 أمرًا ملكيًا بتعيين فهد بن حمد بن عبدالعزيز السلمان قائدًا للقوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية، خلفًا للقائد السابق الفريق مطلق بن سالم الأزيمع.

 

خلفية الفصائل المسلحة وتعقيدات الواقع العسكري

 

خلال الأعوام السابقة، نشأت وتوسعت تشكيلات مسلحة متعددة خارج مؤسسات الدولة، كان بعضها مدعومًا من دولة الإمارات، مثل قوات المجلس الانتقالي بتشكيلاتها المختلفة، من الأحزمة الأمنية إلى قوات العمالقة وغيرها، إلى جانب قوات طارق صالح المعروفة باسم "المقاومة الوطنية"، إضافة إلى قوات حلف قبائل حضرموت التي نشأت حديثًا دون دعم خارجي مباشر، فضلًا عن تشكيلات أخرى في عدد من المحافظات.

ويُفهم تفويض هذه المهمة للتحالف العربي على أنه تصرف واقعي، في ظل ضعف الحكومة وصعوبة قدرتها على فرض توحيد هذه القوات بنفسها والتي كانت ضدها حتى مطلع يناير الجاري. ومع انتقال الملف إلى يد التحالف، لم يعد بمقدور أي طرف رفض الترتيبات الجديدة، خصوصًا بعد القرارات الأخيرة التي أسفرت عن حل المجلس الانتقالي، وإنهاء النفوذ الإماراتي العسكري في اليمن، وتولي السعودية زمام السيطرة والإشراف المباشر.

 

خطوات عملية نحو الهيكلة وتحديات الدمج

وبحسب مصدر عسكري قريب من النقاشات الجارية، فإن السعودية تمتلك الأدوات اللازمة لإنجاز هذه المهمة، وقد بدأت بالفعل بخطوة عملية تمثلت في توحيد صرف رواتب جميع التشكيلات العسكرية، بعد أن كانت تُدفع سابقًا من جهات متعددة ومصادر مختلفة، حيث جرى لأول مرة صرف الرواتب في وقت واحد وبشكل متزامن، في خطوة وُصفت بأنها البداية الفعلية لمسار هيكلة القوات.

ورغم أن آليات الدمج وإعادة الهيكلة لم تُعلن رسميًا بعد، إلا أن المصدر أوضح لمنصة "الهدهد" أن ما يُتداول حتى الآن، بعيدًا عن الإعلام، يتضمن تغيير المسميات القديمة لبعض التشكيلات، حيث بدأت بالفعل قوات العمالقة والحزام الأمني باستخدام مسمى "قوات الأمن الوطني"، في محاولة للانتقال من التسميات الفصائلية والمناطقية إلى مسميات ذات طابع وطني.

وأضاف المصدر، الذي طلب عدم ذكراسمه كونه غير مخوّل بالحديث للإعلام، أن هناك توجهًا لدمج بعض التشكيلات، خصوصًا في المحافظات الجنوبية، تحت مسمى واحد، إلا أن النقاشات الحالية لا تتجه – حتى الآن – إلى دمج القوى البشرية من مختلف المناطق العسكرية ببعضها البعض، بل الإبقاء على القوام البشري لكل قوة ضمن هيكل موحد ومسمى جديد فقط.

وأشار إلى أن هذه النقطة تُعد بالغة الأهمية لنجاح عملية توحيد القوات، محذرًا من أن الإبقاء على التشكيلات ذات الطابع المناطقي دون دمج حقيقي قد يُبقي التأثير المناطقي والفصائلي قائمًا داخل المؤسسة العسكرية، بما يثير مخاوف مستقبلية تتعلق بالولاء والانضباط.

وبيّن المصدر أن هذه القضايا طُرحت بالفعل على طاولة نقاشات اللجنة العسكرية المعنية، بإشراف القوات المشتركة، كما جرى تداول تصورات أولية حول تغيير مسميات المناطق العسكرية المعمول بها حاليًا ضمن هيكل وزارة الدفاع. ورغم عدم وضوح الشكل النهائي للهيكل الجديد، إلا أن أحد المقترحات يتمثل في الانتقال إلى نظام محاور أو قوات برية موحدة تحمل مسمى واحدًا، وتنتشر في مختلف المحافظات، مع الإبقاء على مسمى الألوية فقط.

وشدد المصدر على أن نجاح عملية التوحيد يتطلب أولًا إعادة الاعتبار للمعايير المهنية والاحترافية داخل المؤسسة العسكرية، وضمان أن تكون الترقيات والتعيينات وفق ضوابط واضحة وصارمة، بعيدًا عن التدخلات السياسية أو الترشيحات القادمة من جهات غير عسكرية.

أما الخطوة الثانية، فتتمثل في إعادة توزيع القوى البشرية بين المحافظات، بحيث لا تبقى أي قوة عسكرية محصورة في نطاق جغرافي أو مناطقي محدد، وهو ما من شأنه تعزيز الوحدة الوطنية داخل الجيش، بوصفه مؤسسة وطنية لا ينبغي أن تقوم على تكتلات فصائلية أو مناطقية.

وتتمثل الخطوة الثالثة في توحيد الرواتب والمخصصات المالية والتغذية والتسليح، بما يضمن شعور جميع القوات بالمساواة وعدم التهميش، ويمنع التعامل معها وفق اعتبارات سياسية أو مناطقية.

وبحسب المصدر، لا تزال هذه النقاشات محصورة في نطاق ضيق، ولم تُطرح بعد على نطاق واسع أمام القيادات العسكرية المختلفة، كما لم يُحسم بعد ما إذا كانت اللجنة العسكرية ستُرسل فرقًا ميدانية إلى المحافظات لتنفيذ هذه الترتيبات، أم ستستدعي القيادات العسكرية إلى موقع واحد لعقد مناقشات شاملة تُفضي إلى صيغة نهائية قابلة للتنفيذ.

 

الخلاصة

 

وبينما لا تزال هذه النقاشات محصورة في نطاق ضيق، ولم تُطرح بعد على نطاق واسع أمام مختلف القيادات العسكرية، يبقى نجاح اللجنة العسكرية العليا مرهونًا بقدرتها على تحويل هذه التصورات إلى خطوات تنفيذية واضحة، سواء عبر إرسال فرق ميدانية إلى المحافظات أو جمع القيادات العسكرية في إطار حوار مؤسسي شامل. وفي حال نجحت هذه العملية، فإنها قد تمثل تحولًا مفصليًا في مسار بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، تنهي سنوات من التشظي وتعيد الاعتبار للدولة باعتبارها الجهة الوحيدة المحتكرة للقوة والسلاح.