تغيير الاسم لا يكفي: لماذا لا تمثل خطوة "الأمن الوطني" دمجًا حقيقيًا للقوات؟

2026-01-21 05:25 الهدهد/خاص:
شعار الحزام الأمني القديم والجديد
شعار الحزام الأمني القديم والجديد

 

أثار توجيه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي (أبو زرعة)، القاضي بتغيير مسمى "قوات الحزام الأمني" وكافة الوحدات التابعة لها إلى "قوات الأمن الوطني"، موجة واسعة من الانتقادات الحقوقية والسياسية، إذ اعتُبرت الخطوة تغييرًا شكليًا لا يرقى إلى مستوى الإصلاح المؤسسي الحقيقي أو الدمج الفعلي للتشكيلات المسلحة ضمن بنية الدولة.

 

ورأت هذه الانتقادات أن المسألة لا تتعلق بالاسم بقدر ما تتصل بجوهر العقيدة والولاء والسلوك، وبمدى خضوع هذه القوات للدستور والقانون والرقابة المؤسسية، في سياق وطني يفترض أن يتجه نحو تفكيك التشكيلات غير النظامية لا إعادة تدويرها بأسماء جديدة.

 

الإصلاح المؤسسي لا يُختزل في اللافتة

 

في هذا السياق، أكدت وزيرة حقوق الإنسان السابقة حورية مشهور أن الأهم من تغيير التسمية هو تغيير منهج وأسلوب العمل، وربط أداء الأجهزة الأمنية بالدستور والنظام والقانون، والالتزام بالاتفاقيات الدولية التي وقّعتها اليمن، وفي مقدمتها العهدان الدوليان للحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى قواعد القانون الدولي الإنساني.

وشددت مشهور في تغريدة عبر حسابها على منصة إكس، على أن إعادة التأهيل تُعد أحد مرتكزات العدالة الانتقالية، وتُعرف بالإصلاح المؤسسي، موضحة أن من يستجيب لهذه المعايير ويستقيم ضمنها يمكن أن يبقى في المنظومة الأمنية، بينما يجب إخضاع من يرفضها للمساءلة القانونية والعقوبات المنصوص عليها، باعتبار أن بناء الدولة لا يستقيم دون محاسبة.

 

بدورها، رأت رئيسة المركز الأمريكي للعدالة لطيفة جامل أن تغيير الاسم لا يُسقط المسؤولية القانونية عن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الحزام الأمني، معتبرة أن الخطوة قد تُفهم بوصفها إيجابية من حيث الشكل باتجاه البناء المؤسسي، لكنها لا تلغي حق الضحايا في المطالبة بالمساءلة القانونية والقضائية، ولا تُغني عن آليات واضحة للمحاسبة وجبر الضرر، بوصفها جزءًا لا يتجزأ من سيادة القانون.

 

خطوة استباقية لتثبيت الأمر الواقع

 

سياسيًا، يُنظر إلى قرار المحرمي بتغيير المسمى بوصفه خطوة استباقية تهدف إلى الهروب من مسار حل قوات المجلس الانتقالي المحتمل، عبر منح هذه التشكيلات اسمًا أقرب إلى الطابع الوطني، في محاولة لإعادة شرعنتها شكليًا دون المساس بجوهرها أو بنيتها التنظيمية.

وفي هذا الإطار، يرى الكاتب والباحث السياسي مصطفى راجح أن تغيير المسمى لا يعكس دمجًا ولا إصلاحًا مؤسسيًا، بل يمثل "إعادة تغليف" للقوة نفسها بعقيدة وولاء وهيكل لم يتغير، معتبرًا أن الخطوة جاءت استباقًا لمسار حل التشكيلات المسلحة ودمجها ضمن قوات موحدة بعقيدة وطنية، في محاولة لتثبيت الأمر الواقع بدل تفكيكه.

ويأتي هذا الإجراء في سياق يُنظر فيه إلى المحرمي باعتباره القائم بأعمال عيدروس الزبيدي في إدارة شؤون المجلس الانتقالي بعد حلّه، حيث يسعى – وفق هذا التقدير – إلى الإبقاء على قوات الانتقالي كتلة واحدة متماسكة، بما يبعث برسالة سلبية تجاه توجهات مجلس القيادة الرئاسي، الذي يُعد المحرمي أحد أعضائه، لجهة المضي في مسار توحيد التشكيلات العسكرية المختلفة وإصلاحها وفق نهج مؤسسي، وتحت إشراف تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية.

ومن هذه الزاوية، تبدو الخطوة محاولة واضحة للتهرب من التزامات رسمية باتت مفروضة بعد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي تشكيل لجنة عسكرية عليا، تتولى – بإدارة التحالف – مهمة هيكلة وتوحيد جميع القوات العسكرية. ويُفهم القرار على أنه سعي لتعزيز تماسك أنصار المجلس الانتقالي وضمان عدم تأثرهم بالتحولات الأخيرة، بما في ذلك حل المجلس نفسه، طالما بقيت قواته محتفظة بهيكلها وقوامها ككتلة واحدة.

 

القوة العسكرية كورقة ضغط سياسية

 

تُعد هذه القوات العمود الفقري للمجلس الانتقالي وأداته الرئيسية التي اتكأ عليها طوال السنوات الماضية لفرض نفوذه والسيطرة على القرار الأمني والعسكري، بل وممارسة ضغوط مباشرة على الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. ومن هذا المنطلق، تُقرأ الخطوة باعتبارها متناقضة مع التزامات المحرمي كمسؤول في الدولة، كان يفترض به أن يتصرف بروح المسؤولية الوطنية واحترام الدستور والقانون، لا بذهنية قائد تشكيلات مسلحة غير نظامية تعمل خارج سلطة الدولة وبأجندة سياسية استهدفت تقوّيض الوحدة الوطنية، وخدمت خلال سنوات أجندة خارجية، تحديدا لصالح دولة الإمارات التي دعمت هذه التشكيلات منذ تأسيسها عام 2017.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تهدف إلى الاحتفاظ بأوراق قوة على الأرض، تتيح للمحرمي ومن يقف خلفه تقديم أنفسهم كممثلين أقوياء للمجلس الانتقالي في أي ترتيبات سياسية مقبلة، بما في ذلك مؤتمر  المكونات الجنوبية المرتقب في الرياض، عبر الإيحاء بأنهم ما زالوا يمتلكون قوة عسكرية متماسكة، محتفظة بتسليحها وهيكلها وعقيدتها، وقادرة على ممارسة الضغط.

 

تحدي الدولة ومسار التوحيد

 

يُعد هذا التوجه مؤشرًا سلبيًا يستوجب من مجلس القيادة الرئاسي التعامل معه بجدية وحزم، وعدم السماح بأي محاولات للالتفاف على مسار توحيد القوات وإعادة هيكلتها، كما يُنظر إلى الخطوة، من زاوية حقوقية، على أنها محاولة لتوفير غطاء يحمي الضباط والجنود المتورطين في انتهاكات جسيمة، شملت الاختطاف والإخفاء القسري وتعذيب المحتجزين، فضلًا عن انتهاكات الحقوق الأساسية للمواطنين في المحافظات الجنوبية، كحرية التنقل والعمل والاستثمار.

وفي هذا السياق، يستبعد مراقبون أن تسمح الرياض، في ظل التطورات الأخيرة التي مسّت أمنها القومي، ببقاء قوات المجلس الانتقالي متماسكة ومحتفظة بقوامها وهيكلها كقوة مستقلة، خصوصًا بعد أن باتت المملكة اللاعب الإقليمي الوحيد الممسك بالمشهد اليمني عقب إنهاء النفوذ العسكري الإماراتي. كما أن الإبقاء على هذه التشكيلات بهذه الصورة يتناقض مع مهام السعودية نفسها في توحيد القوات العسكرية، ويُشكل عائقًا مباشرًا أمام نجاح هذا المسار.

 

بين الدولة والالتفاف عليها

 

ورغم ذلك، لا يُرجّح أن تمر هذه الخطوة دون معالجة أو أن تُجنّب هذه القوات مسار الدمج مع غيرها من التشكيلات. ومن منظور قانوني، يرى مختصون أنه لا يحق للمحرمي اتخاذ مثل هذا القرار، حتى لو كان صاحب النفوذ الفعلي على هذه القوات، إذ إن صفته الرسمية كعضو في مجلس القيادة الرئاسي تفرض عليه التصرف كرجل دولة، لا كقائد فصيل مسلح غير نظامي.

وبالتالي، وبعد إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، لا ينبغي لأي طرف – المحرمي أو غيره – اتخاذ خطوات من هذا النوع، لأن مثل هذه الإجراءات تقع في صميم اختصاصات اللجنة العسكرية، لا الأفراد. ويُعد أي التفاف أو تحايل على هذا المسار تناقضًا صارخًا مع مقتضيات بناء الدولة، ويعيد إنتاج الممارسات ذاتها التي قادت إلى إضعافها، بدل الانتقال نحو مؤسسة أمنية وطنية مهنية تحمي الدولة بدل أن تُدار على حسابها.