من السلم الأهلي إلى الكفاح المسلح: كيف انخرطت اللجان المجتمعية في أجندة الانتقالي؟
في 20 يناير الجاري، أطلق رئيس الإدارة العامة للجان المجتمعية بمحافظة عدن، العميد علي النمري، تصريحات لافتة للانتباه من أمام معسكر جبل حديد، توعّد فيها بـ"الكفاح المسلح" في حال دخول أي قوات تابعة لما وصفه بـ"الاحتلال اليمني" إلى عدن، في إشارة مباشرة إلى منتسبي الجيش من أبناء المحافظات الشمالية. وجاءت هذه التصريحات في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع بدء تنفيذ خطة حكومية لإخراج بعض المعسكرات من داخل المدينة مطلع يناير 2026، ما منحها بعدًا سياسيًا وأمنيًا مضاعفًا.
وأثارت هذه التهديدات موجة واسعة من الانتقادات، إذ وصفتها مصادر إعلامية وحقوقية بأنها خطاب تحريضي ومناطقي، لما انطوت عليه من ألفاظ قاسية تُكرّس الانقسام الجغرافي والاجتماعي وتتناقض بصورة مباشرة مع طبيعة الدور المجتمعي الذي يُفترض أن تضطلع به اللجان المجتمعية، والتي باتت تحت المجهر.
وفي هذا السياق، يسلّط هذا التقرير الضوء على مسار هذه اللجان منذ لحظة الاعتراف بها كمؤسسة رسمية ضمن الأجهزة التنفيذية المحلية، مرورًا بالتحولات التي طرأت على أدوارها وممارساتها، وصولًا إلى انتقالها التدريجي من إطارها المجتمعي الخدمي إلى كيان ذي حضور سياسي وتعبوي، أقرب في سلوكه وخطابه إلى منظمة سياسية منه إلى كيان مجتمعي محايد.
اصطفاف سياسي معلن مع المجلس الانتقالي
لم تكن تصريحات النمري حدثًا معزولًا، بل جاءت منسجمة مع التحول الذي طرأ على دور اللجان المجتمعية في عدن خلال السنوات الأخيرة، والذي نقلها من إطارها الأصلي ككيانات مجتمعية خدمية، إلى فاعل سياسي وأمني مثير للجدل. وقد تزامن هذا التحول مع تصاعد خطابها العلني وتداخل أدوارها بشكل متزايد مع أجندة المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال، والذي جرى حله مؤخرًا.
هذا التحول لم يكن تدريجيًا فحسب، بل اتخذ في مراحل معينة طابعًا صداميًا، ما طرح أسئلة جدية حول طبيعة هذه اللجان، وحدود صلاحياتها، ومدى انسجام ممارساتها مع صفتها الرسمية كجهاز تابع للسلطة المحلية.
وبرز دور اللجان بشكل واضح في دعم خطوات المجلس الانتقالي للسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة مطلع ديسمبر الماضي، إذ اعتبرت قيادتها تلك التحركات "حقًا مشروعًا" في سياق تحقيق الانفصال. ولاحقًا، لعبت دورًا محوريًا في الحشد والتعبئة الجماهيرية لتنفيذ دعوة الانتقالي لتنظيم اعتصامات مفتوحة في المحافظات الجنوبية، استمرت قرابة شهر، تمهيدًا لإعلان دولة الانفصال.

وخلال تلك الفترة، تولت اللجان عبر أعضائها وكوادرها في المديريات، تسهيل مشاركة المواطنين وتنظيم الاعتصامات، بما في ذلك توفير بعض الاحتياجات للمشاركين، مستفيدة من موقعها كجهاز رسمي يقدم خدمات مباشرة للمجتمع. ويُنظر إلى هذا الدور على أنه استغلال لطابعها الخدمي والرسمي في حشد المواطنين لخيار تقسيم الدولة التي تعمل اللجان نفسها ضمن هيكلها الإداري وتتلقى تمويلها منها.
كما شاركت قيادات اللجان في الاعتصامات وألقت كلمات سياسية، وأصدرت بيانات يومية ذات طابع سياسي صريح، بما يتناقض مع الأهداف الأساسية التي أُنشئت من أجلها.

وفي بيانات متتالية، أكدت هذه القيادات وقوفها الكامل خلف القيادة السياسية والعسكرية "الجنوبية" ممثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، ودعمها لما تصفه بخيار "استعادة الدولة الجنوبية". وفي بيان سياسي صدر في 2 يناير 2026، أعلنت الإدارة تأييدها المطلق لما وصفته بـ"البيان التاريخي" للمجلس الانتقالي، معتبرة إياه خارطة طريق واضحة نحو الانفصال، ومؤكدة جاهزية اللجان لدعم المرحلة الانتقالية سياسيًا وأمنيًا.
ولم يقتصر هذا الدعم على البيانات، بل شمل دعوات صريحة للمواطنين للمشاركة في الاعتصامات المفتوحة وخطب الجمع والفعاليات الجماهيرية، حيث برز دور اللجان في الحشد والتنظيم والتعبئة.

الإطار الرسمي للتأسيس وإشكاليات الممارسة
تعود نشأة الإدارة العامة للجان المجتمعية في عدن إلى السنوات الماضية، ولكن الاعتراف الرسمي بها تم في يوليو 2021، حين أصدر محافظ عدن المُقال أحمد حامد لملس قرارًا بتأسيسها ضمن الأجهزة التنفيذية المحلية، وتعيين العميد علي أحمد النمري مديرًا عامًا، والعميد عبدالرحمن عبدالله الشعوي نائبًا له، وكان لافتا اختيار شخصيات عسكرية لإدارتها.
وبموجب هذا القرار، اكتسبت اللجان صفة رسمية، كان يفترض أن تُقيّد عملها بالإطار القانوني للدولة ومؤسساتها.

غير أن الممارسة اللاحقة كشفت عن مفارقة واضحة بين هذا التأسيس الرسمي وبين انخراط اللجان في خطاب وممارسات سياسية وأمنية تتجاوز اختصاصها المجتمعي، وتضعها في موقع فاعل سياسي موازٍ، بل أحيانًا في موقع متعارض مع مؤسسات الدولة ذاتها.
من كيان مجتمعي إلى شريك أمني فعلي
قدّمت اللجان المجتمعية نفسها بوصفها "شريكًا أمنيًا ومجتمعيًا"، مؤكدة أن دورها يتمثل في دعم الأجهزة الأمنية وتعزيز السلم الأهلي والمساهمة في مكافحة المخدرات والظواهر السلبية، بالإضافة إلى الرقابة المجتمعية على القضايا المرتبطة بالحياة المعيشية، وتعزيز السكينة داخل الأحياء، إلى جانب كونها عاملًا مساعدًا للسلطة المحلية ومراكز الشرطة، وهمزة وصل مع المرافق الخدمية، خصوصًا في ما يتعلق باستخراج الوثائق الرسمية.
وخلال الأيام الأخيرة، حضر رئيسها العميد علي النمري في عمليات تسليم مواقع قوات العمالقة إلى أمن المنشآت، مؤكدًا في تصريحات متكررة أن اللجان كانت ولا تزال جزءًا أساسيًا من المنظومة المجتمعية الداعمة للأمن، من خلال تعاونها المستمر مع الأجهزة الأمنية، وتعزيز الوعي المجتمعي، ورصد الإشكالات، والمساعدة في حفظ الأمن داخل الأحياء.
وفي السياق ذاته، شدد نائب مدير عام الإدارة العامة للجان المجتمعية بمحافظة عدن، العميد عبدالرحمن الشعوي، على أن اللجان تقوم بدورها الوطني انطلاقًا من مسؤوليتها المجتمعية، وبالتنسيق الكامل مع الجهات الأمنية المختصة، معتبرًا هذه الشراكة نموذجًا عمليًا للتكامل بين المجتمع ومؤسسات الدولة في الحفاظ على الأمن والاستقرار.
وأوضح الشعوي أن وجود أكثر من 2500 لجنة مجتمعية موزعة على مختلف أحياء عدن يعكس مستوى التلاحم المجتمعي، ويؤكد أن قيادات وأعضاء هذه اللجان من صميم المجتمع ويعملون لخدمة المواطنين مباشرة.
الإعلام وبناء الشرعية الشعبية
في مايو الماضي، أطلقت الإدارة العامة للجان المجتمعية صفحتها الرسمية على فيسبوك تحت مسمى "الإعلام الرسمي للجان المجتمعية – محافظة عدن"، باعتبارها منصة إعلامية تعكس أنشطة اللجان وتبرز جهودها في خدمة أبناء عدن. وقد رافق ذلك خطاب إعلامي مكثف يروّج لدورها الأمني والمجتمعي، ويؤكد وقوفها إلى جانب القيادة السياسية والعسكرية الجنوبية.
هذا الحضور الإعلامي أسهم في بناء شرعية شعبية موازية، لكنه في الوقت نفسه عمّق الطابع السياسي للجان، خاصة مع استخدام المنصة لنشر بيانات سياسية ودعوات تعبئة تتجاوز حدود العمل الأهلي.
دعم دولي في سياق ملتبس
في ديسمبر الماضي، نظمت الإدارة العامة للجان المجتمعية الملتقى السنوي الثالث بتمويل من مملكة هولندا، وبدعم من مشروع تعزيز التماسك الاجتماعي الذي ينفذه منتدى التنمية السياسية بالشراكة مع مؤسسة بيرجهوف الألمانية، وقد قُدّمت اللجان خلال الملتقى باعتبارها "خط الدفاع المجتمعي الأول"، مع مهام تتعلق بالرصد ورفع التقارير ومعالجة النزاعات.
ويثير هذا الدعم الدولي لأنشطة مجتمعية تساؤلات حول مدى وضوح الفصل بين العمل الأهلي المدعوم دوليًا وبين التوظيف السياسي والأمني المحلي لهذه الكيانات، في ظل غياب رقابة فعالة على طبيعة ممارساتها على الأرض.
ملف المساعدات والاحتجاجات الشعبية
بالتوازي مع تصاعد نفوذ اللجان، برزت شكاوى واحتجاجات شعبية مرتبطة بملف المساعدات الإنسانية، ففي مديرية الشيخ عثمان، تجمّع عدد من الأهالي أمام مبنى السلطة المحلية احتجاجًا على إسقاط أسمائهم من كشوفات المستفيدين واعتماد قوائم وُصفت بالانتقائية وغير الشفافة. وأكد المحتجون أن عمليات المسح التي نفذتها اللجان شابتها تجاوزات واضحة أخلّت بمبدأ العدالة في توزيع الدعم.
انتقادات رسمية وتحذيرات خارج عدن
لم تقتصر الانتقادات على عدن، ففي سبتمبر 2023 شنّ المستشار لؤي عبدالحكيم، مدير مكتب الشكاوى والتظلمات بمحافظة لحج، هجومًا حادًا على أداء اللجان المجتمعية، محذرًا من أنها تسببت في خلافات مجتمعية خطيرة قد تمزق النسيج الاجتماعي، مؤكداً تلقي مكتبه عشرات الشكاوى، مطالبًا باتخاذ إجراءات قانونية صارمة لكبح تجاوزاتها.
وفي نوفمبر 2022، شُكلت لجان رسمية في مديرية الحوطة للتحقق من كشوفات مستفيدي مشروع لمنظمة كير العالمية، بعد ثبوت مخالفات شملت تسجيل أقارب أعضاء لجان مجتمعية وحرمان أسر مستحقة، وفق تقارير رسمية وحقوقية.
إشكالية الدور والصفة
بعد تصريحات رئيس الإدارة العامة للجان المجتمعية ذات الطابع المناطقي، والتي تتناقض بوضوح مع مسؤوليته الرسمية، وتهدد السلم الاجتماعي الذي يفترض أن تكون هذه اللجان أداة لحمايته وتعزيزه، ومع النظر إلى الدور السياسي والتعبوي الذي لعبته اللجان خلال الفترة الماضية لصالح مشروع الانفصال، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة تقييم هذا الكيان من أساسه.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن استمرار اللجان المجتمعية بقيادتها الحالية، وبالنهج الذي بات يتداخل فيه المجتمعي بالسياسي والأمني، لم يعد منسجمًا مع أهداف تأسيسها ولا مع متطلبات الحفاظ على التماسك الاجتماعي في مدينة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وانقسامات عميقة.
ومن هنا، تبرز الدعوات إلى إعادة هيكلة اللجان المجتمعية وعزل قيادتها الحالية وفتح المجال لانتخاب قيادات مجتمعية جديدة تحظى بالاحترام والثقة وسيرة اجتماعية جيدة، وتلتزم حصرًا بأهداف اللجان الأساسية ذات الطابع الخدمي والمجتمعي، دون الانخراط في أي مواقف سياسية تتناقض مع طبيعة مهامها أو تتجاوز صلاحياتها.
وفي حال تعذّر تحقيق ذلك، يطرح البعض خيار حل هذه اللجان بشكل كامل، والعودة إلى العمل بنظام "عقال الحارات" الذي كان معمولًا به سابقًا، باعتباره إطارًا اجتماعيًا تقليديًا أقل تسييسًا وأكثر التصاقًا بالمجتمع المحلي وقابلًا للضبط ضمن هياكل الدولة القائمة.
وتكشف هذه الوقائع مجتمعة أن اللجان المجتمعية في عدن تجاوزت الدور المجتمعي الذي أُنشئت من أجله، لتتحول إلى كيان ذي وظيفة سياسية وأمنية موازية، رغم تمتعها بغطاء رسمي ودعم مؤسسي. ويطرح هذا التحول أسئلة جوهرية حول حدود صلاحياتها القانونية، ومدى توافق خطابها مع صفتها الرسمية، ومسؤولية السلطة المحلية والحكومة عن ضبط هذا الدور.