من الحضور إلى الغياب: كيف أعاد الزُبيدي إنتاج نموذج "الغيبة السياسية" على طريقة الحوثي
يبدو أن عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، يسير اليوم على خطى عبد الملك الحوثي، زعيم جماعة الحوثيين، من حيث نمط التواري والاختفاء عن المشهد العلني، مقابل دعوة أنصاره إلى الخروج والتظاهر أسبوعيا تحت عناوين سياسية متغيرة.
هذا السلوك، الذي يجمع بين الغياب الجسدي والحضور الخطابي عبر البيانات والرسائل، بات سمة مشتركة بين الرجلين، رغم اختلاف السياقين.
ملامح المسار وصُدف الأحداث
بدأت ملامح هذا المسار تتضح منذ اختفاء عيدروس الزُبيدي بشكل مفاجئ مطلع يناير الجاري، عقب اقترابه من الصعود على متن طائرة يمنية بمطار عدن متجهة إلى الرياض، استجابة لدعوة للمشاركة في مؤتمر المكونات الجنوبية، الذي من المتوقع عقده لاحقا.
في تلك اللحظة، اختفى الزُبيدي عن الأنظار، وتبيّن لاحقا – وفق رواية التحالف العربي – أنه غادر عدن سرا عبر البحر إلى ميناء بربرة في "جمهورية أرض الصومال" غير المعترف بها دوليا، قبل أن تنقله طائرة عسكرية إماراتية إلى مطار مقديشو، مع إخفاء اسمه من سجلات الركاب، ثم جرى نقله لاحقًا إلى أبوظبي.
هذه الحادثة لم تمر مرور الكرام، إذ دفعت الحكومة الصومالية إلى اتخاذ قرار بإنهاء اتفاقية التعاون العسكري والأمني مع الإمارات، ومنعها من استخدام الأجواء والموانئ الصومالية، في خطوة عكست حساسية ما جرى وخطورته السياسية والأمنية.
ومنذ ذلك التاريخ، دخل الزُبيدي في حالة غياب شبه كامل، لم يظهر خلالها في أي خطاب علني أو مقابلة إعلامية، واكتفى برسالة يتيمة مقتضبة حساباته في "فيسبوك" و"تويتر"، يحيّي فيها أنصاره ويتحدث عن ما يسميه "صمود شعب الجنوب" والمضي نحو "تحقيق الأهداف"، دون أن يقدّم روايته لما جرى، أو ينفِ اتهامات الهروب، أو يعلّق على قرار مجلس القيادة الرئاسي الذي أعلن إسقاط عضويته وإحالته للتحقيق بتهمة الخيانة العظمى.
إعلام يدير الغياب بدل المواجهة المباشرة
خلال هذه الفترة، تولّت قناة "عدن المستقلة"، الناطقة باسم المجلس الانتقالي، مهمة بث رسائل مختصرة منسوبة للزبيدي كل يوم جمعة، تتضمن دعوات للخروج في تظاهرات في عدن وحضرموت، مع تغطية إعلامية مكثفة تشارك فيها وسائل إعلام إماراتية، من بينها قناة "سكاي نيوز عربية"، وبدا المشهد وكأن الزُبيدي حاضر سياسيا عبر أذرعه الإعلامية وغائب فعليا عن أي مواجهة مباشرة مع جمهوره أو خصومه.
وفي مقابلة تلفزيونية حديثة، سُئل هاني بن بريك، نائب الزُبيدي، عن مصير الأخير ومكان وجوده، فأجاب بداية بأنه "موجود بين شعبه وفي أرضه"، قبل أن يقاطعه المذيع بسؤال مباشر حول الروايات التي تتحدث عن هروبه من اليمن.
عندها قدّم بن بريك إجابة لافتة، قال فيها إن المجلس الانتقالي "يقدّر الظروف الأمنية"، وإن الزُبيدي "سيظهر في الزمان والمكان المناسبين".
هذا الجواب فتح الباب أمام موجة واسعة من السخرية على منصات التواصل الاجتماعي، إذ علّق بعض الناشطين بأن الزبيدي يبدو وكأنه دخل مرحلة "الغيبة"، على غرار ما تؤمن به بعض المذاهب الشيعية، وذهب آخرون إلى القول إن بن بريك يحاول تهيئة أنصار المجلس نفسيا لاحتمال غياب طويل وغير محدد.
وقبل أيام، زعم ناشطون محسوبون على المجلس الانتقالي أن الزُبيدي سيلقي كلمة مسائية، قبل أن يتم الإعلان عن تأجيلها بعد ساعات، دون أي توضيح، ما عزز الشكوك حول ما إذا كان الزبيدي قادرا أصلا على الظهور، أم أن الأمر لا يعدو كونه رسائل دعائية ضمن حرب نفسية مع الخصوم.
من مشروع الانفصال إلى الغيبة السياسية
يرى مراقبون أن حالة الغموض التي تحيط بالزُبيدي تمثل عمليا نهاية لمسيرته السياسية، التي كانت – حتى وقت قريب – على مسافة قصيرة من إعلان مشروع الانفصال، لولا ما تصفه قيادات في المجلس نفسه بـ"الخطأ الاستراتيجي" المتمثل بالسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة، باعتبارهما مجال نفوذ سعودي تقليدي، وهو ما اعتبرته الرياض مساسا مباشرا بأمنها القومي.
وقد دفعت هذه التطورات السعودية إلى التدخل العسكري المباشر، عبر عملية قيل إنها حملت اسم "استعادة المعسكرات"، مدعومة بقوات "درع الوطن"، والتي نجحت خلال يوم ونصف فقط في إخراج المجلس الانتقالي من المحافظتين، في رسالة حاسمة غيّرت موازين المشهد، تلاه طرد الإمارات من اليمن بقرار من رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، أنهى فيه اتفاقية الدفاع العسكري.
وبحسب مراقبين، فإن وجود الزُبيدي في الإمارات – وفق هذه الرواية – يضعه في مأزق سياسي، إذ إن أي موقف أو بيان يصدر عنه من هناك سيُفهم بحسب قناة الإخبارية السعودية على أنه موقف إماراتي، لا مجرد رأي شخصي. ولذلك، يُرجّح أن أبوظبي لا ترغب في السماح له بالظهور الإعلامي العلني، كي لا تمنح الرياض مبررا إضافيا لتصعيد أكبر، في وقت تحاول فيه الإمارات خفض مستوى التوتر أو تجنب انفجار الخلاف.
في هذا السياق، تُترك مهمة التحشيد والدعوة للتظاهر للقيادات المحلية في عدن، عبر قناة "عدن المستقلة"، بينما يبقى الزُبيدي في حالة غياب مفتوحة بلا أفق زمني واضح، في مشهد يعيد إلى الأذهان نموذج عبد الملك الحوثي، الذي لا يُعرف مكانه بدقة، ولا يظهر إلا عبر خطابات مسجلة من أماكن مجهولة، وسط إجراءات أمنية شديدة التعقيد.
ولا يقتصر التشابه بين الرجلين على الغياب فقط، بل يمتد إلى أسلوب توظيف القضايا العامة، فكما يستثمر الحوثي القضية الفلسطينية لدعوة أنصاره إلى الخروج الأسبوعي في صنعاء وغيرها، يبدو أن المجلس الانتقالي يحاول بدوره استثمار عناوين مثل رفض "الوصاية" والوفاء للإمارات على دعمها لهم.
ورغم أن هذا التشابه قد يبدو نتاجا لتطورات طارئة، إلا أن له جذورا أعمق، فقبل سنوات سبق لقيادات في الحراك الجنوبي، الذي كان الزُبيدي من قياداته، زيارة صعدة، كما زارت قيادات حوثية الضالع. وقبل سيطرة الحوثيين على صنعاء، تحدثت تقارير عن تفاهمات غير معلنة بين الطرفين، تقوم على فكرة "تقرير المصير" للجنوب مقابل مشروع الحوثيين في الشمال. وقد اعترف الزُبيدي نفسه في مقابلة صحفية عام 2015 بتلقيه دعما من إيران، وشبّه نفسه بالمناضلين الفلسطينيين المدعومين من طهران.
وتشير معلومات متداولة إلى أن بعض القيادات الحراكية تلقت تدريبات على أيدي خبراء من حزب الله وإيران في جنوب لبنان، كما أن قناة "عدن لايف" كانت تبث من الضاحية الجنوبية في بيروت، ما يعكس تقاطعات أيديولوجية وسياسية قديمة، رغم أن الزُبيدي كان في بداية مسيرته ماركسيا، لكنه اليوم أقرب إلى الشعبوية المناطقية بينما الحوثي شعبوي مذهبي.
في المحصلة، يبدو أن عيدروس الزبيدي، في لحظة أفوله السياسي، أعاد إنتاج نموذج الغياب ذاته الذي طالما انتقده خصومه، مستبدلًا الحضور الميداني بالرسائل، والقيادة العلنية بـ”الغيبة”، في مشهد يختصر مفارقة السياسة اليمنية، حيث تتشابه النماذج مهما اختلفت الشعارات.