نقد ثنائية الشمال/الجنوب في الخطاب الانفصالي اليمني

2026-01-25 22:28 الهدهد/خاص:
نقد ثنائية الشمال/الجنوب في الخطاب الانفصالي اليمني

 

نشأت دعوات الانفصال في اليمن خلال العقدين الأخيرين من قوى عسكرية غير ديمقراطية، لا تمتلك وزناً اجتماعياً منظماً ولا مشروعاً سياسياً قابلاً للتحول إلى إجماع عام. وقد أخفقت هذه القوى، على امتداد تجربتها، في بناء كتلة اجتماعية قائمة على التضحية الطوعية أو على منظومة فكرية وسياسية وديمقراطية مستقرة، وظلت أسيرة البنية المسلحة والمناطقية، عاجزة عن التحول إلى حركة سياسية جامعة.

 

يرتكز الخطاب الانفصالي على أساس يُعد من الأضعف تاريخياً في تجارب الانفصال بالمنطقة. فالمطالبة بالانفصال لا تستند إلى دولة مستقلة تاريخياً جرى ضمها قسراً، بل إلى كيان سياسي هو نشأة اليمن الديمقراطي عقب الاستقلال من بريطانيا، بوصفه مشروعاً توحيدياً حاسماً. فقد وحّد هذا الكيان اثنتين وعشرين سلطنة وإمارة، بالقوة أو بالتوافق، حرباً وسلماً، في تجربة توحيدية نادرة في العالم العربي.

نشأ اليمن الديمقراطي، بذلك، على أساس الهوية اليمنية وفكرة التوحيد، لا على نقيضهما. ومن هنا تواجه الدعوات الانفصالية معضلة بنيوية: فهي تسعى إلى تفكيك بلد قائم للعودة إلى كيان توحيدي سابق. ويقوم الانفصال هنا على نفي الأساس الذي يدّعي استعادته، ما يفرغه من أي مضمون تاريخي أو سياسي متماسك.

 

لتجاوز هذه المعضلة، لجأت القوى الانفصالية إلى ابتكار ثنائية لغوية وسياسية تقوم على توصيف «الجنوب» في مقابل «الشمال»، في محاولة لترسيخ تصور ذهني بأن اليمن منقسم فعلياً إلى كيانين متقابلين. غير أن هذا التصنيف يفتقر إلى أي دقة جغرافية أو سياسية؛ فالجنوب جهة لا كياناً سياسياً، ولا يقابله شمال بالمعنى ذاته، وهو توصيف لا يستقيم مع الخرائط ولا مع التاريخ ولا مع بنية الدولة اليمنية.

 

رابطة أبناء الجنوب العربي، أو ما يُعرف بالجفرية، تمثل المقدمة الأيديولوجية والتنظيمية الأقدم للمزاج الانفصالي في اليمن. وقد ورثت التشكيلات الانفصالية اللاحقة كثيراً من منطلقاتها الإقصائية، القائمة على نفي الآخر وتجريد السكان من حقوقهم السياسية على أساس الانتماء المناطقي لا المواطنة.

 

تزداد خصوصية الحالة الانفصالية اليمنية حين ترفض هذه القوى البقاء ضمن الدولة الموحدة، حتى في اللحظة التي تحولت فيها إلى القوة المهيمنة على مؤسساتها في بعض المناطق، عبر ممارسات قسرية وإقصائية. ففي حين تسعى الحركات الانفصالية تاريخياً إلى إنشاء كيان موازٍ خارج بنية الدولة القائمة، أقدمت القوى الانفصالية في اليمن على بناء كيان موازٍ فعلياً يتمثل في المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، وفي الوقت نفسه سخّرت الدولة التي تحكمها شكلياً ومؤسساتها السيادية والإدارية لخدمة ذلك الكيان وتعزيز نفوذه، في مسار نادر يقوم على تفريغ الدولة من مضمونها لا مجرد الانفصال عنها.

 

استمرت جمهورية اليمن الديمقراطية 23 عاماً، بينما بلغ عمر الجمهورية اليمنية الموحدة أكثر من 37 سنة حتى الآن. ووفق أي معيار تاريخي أو سياسي، فإن زمن الوحدة وترسخها الاجتماعي والمؤسسي يفوق بكثير الأساس الزمني الهش الذي يستند إليه الخطاب الانفصالي المعاصر.

 

أفضت إعادة تحقيق الوحدة اليمنية إلى تحولات اجتماعية عميقة، كان أبرزها التوسع العمراني والديمغرافي لمدينة عدن وتحولها إلى مركز اقتصادي وإداري متعدد الانتماءات. غير أن الفكرة الانفصالية تنطلق من منطق جغرافي إقصائي لا يعترف بسكان المدينة بوصفهم مواطنين متساوين، بل يجرد قطاعات واسعة منهم من صفتهم المدنية، ويتعامل معهم كوافدين أو مستوطنين، وعملاء ومرتزقة، في تعارض مباشر مع مفهوم الدولة والمواطنة.

 

تعمل ثنائية الجنوب/الشمال على تجريد ملايين اليمنيين من حقهم السياسي والرمزي في الانتماء والدفاع عن الدولة. وقد انعكس ذلك في الخطاب الرسمي لبعض مسؤولي السلطة التنفيذية، حين جرى نفي أي صلة لرئيس الجمهورية بما يحدث في بعض المناطق بذريعة الانتماء الجغرافي، في تناقض صريح مع الدستور الذي لا يعترف بأي تقسيم جهوي للدولة.

يقول الصحفي حمزة المقالح إن البنية الاجتماعية في اليمن تقوم على شبكة واسعة من العلاقات الأفقية العابرة للمناطق، تشمل المصاهرة والقرابة الممتدة والروابط القبلية والتجارة والهجرة الداخلية والتعليم والخدمة العسكرية والمدنية، وقد أنتجت هذه الشبكات، عبر أجيال متعاقبة، نسيجاً اجتماعياً متداخلاً يستحيل فصله سياسياً دون إحداث تمزق عميق في المجتمع ذاته.

 

ظهرت بوادر هذا التمزق في المراحل الأولى للحراك الانفصالي من خلال جرائم ذات طابع مناطقي بين عامي 2007 و2010، قبل أن تتراجع مؤقتاً، ثم تعود للظهور مع تصاعد رعاية الإمارات للمشروع الانفصالي في السنوات الأخيرة.  

حتى نهاية ديسمبر الماضي، خضعت اليمن لسلطتين انفصاليتين بحكم الأمر الواقع: جماعة الحوثي في صنعاء، التي أنشأت منظومة حكم خاصة بها من عملة وقوانين واقتصاد ومنافذ، مع إعلانها نيتها التوسع، والقوى الانفصالية المدعومة إماراتياً التي أقامت كياناً موازياً في بعض المناطق. ومع ذلك، اصطدم المشروعان ببنية اجتماعية يمنية راسخة حالت دون تحولهما إلى تقسيم قانوني نهائي.

 

لا تُستخدم ثنائية الجنوب/الشمال في اليمن إلا في الخطاب الانفصالي، إذ إن التقسيمات المعتمدة تاريخياً هي تقسيمات إدارية وعرفية داخل المنطقة الواحدة، لا تحمل أي دلالة سياسية انفصالية. ففي صنعاء، اعتمدت تقسيمات مثل الحيمة الداخلية والحيمة الخارجية، وخولان وخولان الطيال. وفي تعز، وُجدت مديريات صبر الموادم، ومشرعة وحدنان، والمسراخ، وشرعب الرونة وشرعب السلام. وفي ذمار، مديريتا وصاب العالي ووصاب السافل، إضافة إلى عنس وميفعة عنس. وفي إب، مديريات العدين وفرع العدين وحزم العدين. وفي حضرموت، استقر التقسيم الإداري بين وادي وصحراء حضرموت من جهة، وساحل وهضبة حضرموت من جهة أخرى، إلى جانب مديريات مثل غيل بن يمين وغيل بن وزير. وفي شبوة، مرخة العليا ومرخة السفلى. وفي حجة، أفلح الشام وأفلح اليمن، وكحلان الشرف وكحلان عفار، وفي عمران مديريتا السودة والسود. وتؤكد هذه الأمثلة أن التعدد الجغرافي في اليمن كان دائماً جزءاً من وحدة اجتماعية وسياسية أوسع، لا نقيضاً لها.

 

إن ثنائية الجنوب/الشمال ليست توصيفاً لواقع يمني قائم، بل أداة خطابية مصطنعة لتبرير مشروع انفصالي يفتقر إلى الأساس التاريخي والاجتماعي والسياسي. وما يبدو صراعاً جغرافياً هو في جوهره محاولة لإعادة هندسة المجتمع بالقوة، في بلد تشكلت وحدته قبل تشكل دولته الحديثة، واستعصت، عبر تاريخه الطويل، على التفكيك.