خالد محمد سعد لـ"الهدهد": لدينا أدلة مكتملة والعدالة متعثرة في تعقّب جهات التخطيط

2026-02-01 18:50 الهدهد/خاص:
خالد محمد سعد
خالد محمد سعد

 

منذ سنوات، لا تزال جرائم الاغتيال التي شهدتها المحافظات الجنوبية المحررة، وفي مقدمتها العاصمة المؤقتة عدن، تمثل واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا وغموضًا، في ظل تعثر مسار العدالة، وبطء الإجراءات القضائية، وغياب المحاسبة الحقيقية لمن يقفون خلف هذه الجرائم.

وفي هذا السياق، كشفت رابطة أُسر ضحايا الاغتيالات في وقت سابق أن هناك نحو 28 قضية منظورة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة في عدن، من بينها قضايا مرتبطة بضحايا اغتيالات في محافظتي عدن والضالع. ورغم أن هذه القضايا نُظر فيها قضائيًا، إلا أن مسارها — بحسب تعبير الرابطة — يشهد تباطؤًا وتعطيلاً حال دون استكمال الإجراءات القانونية بالشكل المطلوب.

ويقول رئيس الرابطة، المهندس خالد محمد سعد، شقيق محافظ عدن السابق اللواء جعفر محمد سعد الذي اُغتيل في 6 ديسمبر/كانون الأول 2015، إن هذه القضايا لا تمثل سوى جزء محدود من إجمالي جرائم الاغتيال التي شهدتها المحافظات المحررة منذ عام 2015. ويوضح أن ما تم توثيقه حتى الآن يفيد بتسجيل أكثر من 480 حالة اغتيال، من بينها نحو 250 عملية استهدفت قيادات مدنية وعسكرية وأكاديمية ودعوية في محافظات عدن ولحج وأبين.

أدلة مكتملة… وتعطيل في التفعيل

رئيس رابطة أسر ضحايا الاغتيالات خالد محمد سعد بدوره أدلى بتصريحات خاصة "لمنصة الهدهد"، متحدثاً عن ملف الاغتيالات بعدن أحد أخطر الملفات المسكوت عنها، كاشفًا عن مسار قضايا الاغتيالات، وحدود التعطيل، والأطراف التي لم تصل إليها يد العدالة حتى الآن، وقال سعد إن "إن من بين القضايا الثماني والعشرين المحالة إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، عددًا غير قليل يتضمن ملفات أدلة مكتملة، تشمل اعترافات صريحة، وشهادات، وتسجيلات، وقرائن واضحة على ارتباطات تنظيمية".

غير أن الإشكالية — كما يوضح — لم تكن في غياب الأدلة، بل في طريقة التعامل معها، إذ لم يُفعّل جزء كبير من هذه الأدلة قانونيًا بالشكل السليم أمام المحكمة، أو جرى تجزئته والتعامل معه بصورة انتقائية، ما أدى إلى حصر الاتهام في دائرة المنفذين المباشرين فقط، دون أن يمتد إلى من خطط وموّل وأدار هذه الجرائم.

ويشير سعد إلى أن هذا النمط تكرر في غالبية القضايا التي نُظر فيها فعليًا، حيث جرى تجاهل أو تحييد الأدلة التي تشير إلى شبكات التخطيط والتمويل، مع الاكتفاء بإدانة عناصر التنفيذ. ويؤكد أن هذا الأمر لم يكن حالة استثنائية، بل تكرر بصورة مقلقة في أكثر من ملف، ما يوحي بوجود إرادة لتعطيل الوصول إلى رأس الهرم، وإغلاق القضايا عند حدودها الدنيا.

مسؤولية مركبة وضغوط سياسية وأمنية

وحول الجهات المسؤولة عن تعطيل مسار هذه المحاكمات، يوضح رئيس الرابطة لمنصة الهدهد، أن المسؤولية مركبة ومتداخلة، وتتوزع بين خلل في أداء بعض الجهات القضائية والأمنية، ووجود ضغوط سياسية وأمنية حالت دون استقلالية التحقيق والمحاكمة.

ويضيف أن تفكيك مؤسسات الدولة منذ عام 2015 خلق فراغًا واسعًا، استغلته قوى نافذة للتأثير في مسار العدالة، والتحكم في حدود ما يُكشف وما يُحجب من وقائع.

شبكات تخطيط وتمويل خارج المساءلة

وبحسب ما توفر لدى الرابطة من أدلة واعترافات، فإن هناك — كما يقول سعد — شبكات تخطيط وتمويل ارتبطت بتشكيلات أمنية، وبـ داعمين إقليميين. ورغم خطورة هذه المعطيات، يؤكد أن القضاء لم يذهب حتى الآن باتجاه فتح هذا الملف بجدية، ولم تُتخذ خطوات حقيقية لمساءلة هذه الأطراف.

وفي قضايا نُظر فيها بالفعل، مثل قضية اغتيال الشيخ سمحان الراوي، يوضح رئيس الرابطة أن لائحة الاتهام حُصرت في دائرة المنفذين فقط، رغم وجود اعترافات تفصيلية وأدلة قوية في التحقيقات الأولية. ويرى أن هذا الإجراء لا يمكن فصله عن تدخل مباشر أو غير مباشر هدفه إبعاد أسماء بعينها عن منصة القضاء، ومنع توسيع دائرة الاتهام لتشمل من يقفون خلف الجريمة.

قاعدة بيانات توثيقية للرابطة

وكشف المهندس سعد لـ"الهدهد" أن رابطة أسر ضحايا الاغتيالات تمتلك قاعدة بيانات توثيقية تشمل أسماء مشاركين في التخطيط، ودوائر تمويل، وجهات أمنية تعاون معها المتهمون. ويشير إلى أن هذا التوثيق لم يكن عشوائيًا، بل جرى وفق عمل مهني منظم، وهو متاح ليكون أساسًا لأي تحقيق قضائي جاد ومستقل.

 

المرتزقة الأجانب والدور الإماراتي

وفيما يتعلق بملف المرتزقة الأجانب، خصوصًا الكولومبيين وغيرهم، يقول سعد إن هذا الملف مثبت في أكثر من تقرير دولي، وتوجد مؤشرات ودلائل قوية على استخدام عناصر أجنبية في عمليات اغتيال منظمة داخل عدن. ومع ذلك، لم يتم حتى الآن فتح تحقيق وطني شفاف في هذا المسار، رغم ما يحمله من أبعاد خطيرة تمس السيادة والعدالة معًا.

أما بشأن الدور الإماراتي، فيوضح أن محاضر تحقيقات النيابة العامة تتضمن ذكرًا لدور أسماء من جهات إماراتية، مؤكدًا أن مطلب الرابطة يتمثل في تحقيق جاد ومستقل في هذا الجانب، يذهب إلى نهاياته دون انتقائية أو استثناء.

كما يشير إلى أن أسماء مثل هاني بن بريك، ويسران المقطري، وقادة في الأحزمة الأمنية وردت في محاضر تحقيقات النيابة العامة، ومعززة بالوثائق، غير أن القضاء — بحسب قوله — لم يستدعِهم، ولم تُفتح ملفاتهم حتى الآن.

اغتيال محافظ عدن اللواء جعفر محمد سعد

وفي ملف اغتيال شقيقه، محافظ عدن السابق اللواء جعفر محمد سعد رحمه الله، يقول رئيس الرابطة في حديثه لمنصة الهدهد إنه أُعلن سابقًا عن ضبط منفذين، لكن القضية توقفت عند هذا الحد. ولم تُكشف الشبكة كاملة، ولم يُحاسب المخططون والممولون، بسبب النفوذ السياسي والأمني الذي أحاط بالملف وأغلق الطريق أمام استكماله.

مطالب بتحقيق محلي ودولي

ومع خروج الإمارات من اليمن وتغير المشهد العسكري والأمني في المحافظات الجنوبية، يوضح سعد أن الرابطة خاطبت مجلس القيادة الرئاسي للمطالبة بتحريك ملف الاغتيالات، غير أن أسر الضحايا لم تلمس حتى الآن استجابة عملية، ولا تزال تنتظر خطوات جادة تعيد الثقة بمسار العدالة.

ويؤكد أن الرابطة ستواصل التوثيق المهني، ورفع الملفات إلى الآليات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة والمقررين الخاصين، والمطالبة بـ تحقيق دولي مستقل، إلى جانب الضغط من أجل إصلاح القضاء وضمان استقلاله.

أما تقييمه للدور الرسمي، فيشير إلى إنه ما يزال دون مستوى المسؤولية، مع وجود تقصير واضح في كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وحماية حقهم في العدالة.