فزاعة القاعدة بعد الانسحاب: كيف تعيد الإمارات توظيف ملف الإرهاب في اليمن؟

2026-02-05 17:53 الهدهد/خاص:
تصميم خاص بمنصة الهدهد
تصميم خاص بمنصة الهدهد

منذ اليوم الأول لإعلان الإمارات انسحابها من اليمن، تنفيذا لقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، بإلغاء اتفاقية التعاون العسكري معها مطلع يناير الماضي، أظهرت أبوظبي حرصا لافتا على إعادة إحياء ملف "تنظيم القاعدة" في اليمن، عبر تصريحات بعض ناشطيها على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل إعلامها المختلفة.

وربطت الإمارات بين ما وصفته بـ"الفراغ الأمني" الذي خلّفه انسحابها، وبين احتمال تصاعد النشاط الإرهابي، في خطوة بدت تمهيدا لإعادة توظيف ملف "مكافحة الإرهاب" الذي استخدمته خلال السنوات الماضية كغطاء لتنفيذ أجنداتها الجيوسياسية، ولا سيما أطماعها في الجزر والموانئ اليمنية.

وكان لافتا في بيان وزارة الدفاع الإماراتية حول الانسحاب تأكيدها سحب ما تبقى من فرقها "المختصة بمكافحة الإرهاب"، في رسالة مقصودة للمجتمع الدولي، مفادها أن الإمارات كانت الطرف الرئيسي الذي يحارب التنظيمات الإرهابية في اليمن، وأن خروجها يعني بالضرورة عودة هذه التنظيمات إلى النشاط. ويأتي هذا الخطاب رغم أن العديد من المحافظات التي انتشرت فيها القوات الإماراتية لم تكن تشهد أصلا أي نشاط إرهابي يُذكر.

 

بن بريك ورسائل ما بعد حضرموت

وفي هذا السياق، جاء ظهور نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي هاني بن بريك على قناة "سكاي نيوز" الإماراتية، في توقيت وصفه مراقبون بـ"المقصود"، عقب استعادة قوات درع الوطن بدعم سعودي السيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة، وإنهاء نفوذ المجلس الانتقالي فيهما في عملية عسكرية استغرقت يوما ونصف.

وخلال المقابلة، تحدث بن بريك صراحة عن ما وصفه بـ"عودة عناصر تنظيم القاعدة للظهور في حضرموت وعدد من المحافظات الجنوبية"، زاعما أنهم باتوا "يشعرون بالراحة" بعد خروج الإمارات من اليمن، في طرح اعتبره متابعون اتهاما غير مباشر للمملكة العربية السعودية، بوصفها الطرف الذي تولّى إدارة الملف الأمني في تلك المناطق.

ومنذ ذلك الحين، كثّفت وسائل الإعلام الإماراتية، بما في ذلك القنوات التلفزيونية ومنصات النقاش السياسي، تناولها لما تسميه "الفراغ الأمني"، مع الترويج لاحتمالات عودة القاعدة، في محاولة لإعادة إنتاج صورة الإمارات كحائط صدّ في مواجهة الإرهاب. ويرى مراقبون أن إعادة إحياء هذا الخطاب تمثل ورقة بديلة للعبث بالمشهد اليمني، بهدف الإبقاء على نفوذ غير مباشر عبر وكلاء محليين، من خلال تضخيم دور أبوظبي السابق في هذا الملف.

 

تضخيم إعلامي بلا قدرة ميدانية

ويأتي ذلك في وقت كان فيه تنظيم القاعدة قد تعرّض لضربات موجعة خلال السنوات الماضية، سواء عبر العمليات العسكرية التي نفذتها القوات الحكومية في أكثر من محافظة، أو من خلال الضربات الجوية الأمريكية. ورغم ذلك، سعت أبوظبي إلى توظيف أدواتها الناعمة، من باحثين وكتّاب غربيين مثل الأمريكي مايكل روبن، لدفعهم إلى التركيز على "خطر الإرهاب في اليمن"، بما يخاطب مخاوف الغرب، وتحديدا واشنطن، وتقديم نفسها كشريك لا غنى عنه في هذا الملف.

وفي هذا الإطار، قال الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية عبدالرزاق الجمل إن ما يُتداول بشأن استعداد تنظيم القاعدة في اليمن لاستئناف تنفيذ عمليات خارجية لا يعدو كونه حملة مدروسة تهدف بالأساس إلى إثارة مخاوف الغرب من عودة الهجمات العابرة للحدود. وأوضح في قراءة مختصرة عبر حسابه على منصة إكس (تويتر سابقا) أن التنظيم، رغم عدم تخليه نظريا عن عقيدة "العمليات الخارجية"، حاول استثمار موجة الغضب الشعبي المرتبطة بالأحداث في غزة عبر خطاب تحريضي يستهدف تحريك ما يُعرف بـ"الذئاب المنفردة"، إلا أن ذلك لا يعكس قدرة حقيقية على التنفيذ بقدر ما يكشف عن فجوة واسعة بين الطموح والإمكانات، واصفا وضع التنظيم الراهن بالمثل القائل: "العين بصيرة واليد قصيرة".

وأشار الجمل إلى أن المؤشرات الميدانية تؤكد تراجع قدرة التنظيم بشكل كبير على تنفيذ عمليات نوعية خارج اليمن، معتبرا أن بعض الضربات التي أُثير حولها جدل إعلامي، مثل الغارة الأخيرة في وادي عبيدة بمأرب، لم تستهدف قيادات مؤثرة أو عناصر فاعلة في هيكل التنظيم، بل جاءت – وفق تقديره – لإحداث ضجيج إعلامي حول ملف الإرهاب في اليمن أكثر من كونها إنجازا أمنيا فعليا، مؤكدا أن "هناك طرفا آخر يقصف ويضخّم".

 

شعار مكافحة الإرهاب كأداة نفوذ

وخلال السنوات الماضية، رفعت الإمارات شعار "مكافحة الإرهاب" ضمن أهداف تدخلها في اليمن، رغم أن هذا الهدف لم يكن ضمن الأهداف المعلنة رسميا للتحالف العربي، بل جرى توظيفه كشعار مطاطي لاستهداف قوى سياسية وعسكرية محلية، بما في ذلك الحكومة الشرعية نفسها، التي وُصف جيشها بالإرهاب عقب قصفه في عدن عام 2019.

كما استُخدم هذا الشعار لتبرير السيطرة على الموانئ والمطارات، وإنشاء قواعد عسكرية واقتصادية، كبدت الدولة اليمنية خسائر بمليارات الدولارات. وفي هذا السياق، نفذت الإمارات، عبر وكلائها، عمليات عسكرية وُصفت بأنها "حملات ضد القاعدة" في أبين وشبوة وحضرموت، حملت مسميات إعلامية ضخمة، لكنها في الواقع كانت أقرب إلى عمليات دعائية لإعادة تسويق صورة الإمارات كمحارب للإرهاب وشريك للمجتمع الدولي.

في المقابل، تشير تقارير حقوقية إلى أن السياسات التي انتهجتها أبوظبي أسهمت في تغذية بيئة التطرف، عبر السجون السرية، وعمليات الاختطاف والتعذيب، والاغتيالات التي نُفذت بواسطة فرق أجنبية مرتبطة بوكلاء محليين. كما كشفت معطيات عن تعاون الإمارات مع شخصيات محلية ذات صلات سابقة بتنظيم القاعدة، من بينها قيادات بارزة في المجلس الانتقالي الجنوبي مثل هاني بن بريك وعبداللطيف السيد.

وتسعى الإمارات اليوم، عبر إعلامها، إلى تضخيم وجود عناصر القاعدة في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، في رسالة موجهة للمجتمع الدولي مفادها أن هذه المناطق "مرتع للإرهاب"، بما يسيء لسمعة الحكومة الشرعية ويوفر مبررات لاستهدافها سياسيًا وأمنيًا.

 

فزاعة قديمة بأهداف جديدة

في المحصلة، يُعاد استخدام فزاعة الإرهاب في السياق المحلي والدولي، كما استُخدمت خلال السنوات الماضية، لتبرير النفوذ الإماراتي في المواقع الاستراتيجية من موانئ ومطارات، ضمن خطة أوسع للسيطرة على طرق الملاحة البحرية. 

وبعد خروجها العسكري، تحاول أبوظبي إعادة إحياء هذا الخطاب عبر التحذير من "عودة الإرهاب بقوة"، في سياق أوسع يهدف إلى الضغط على السعودية ودفعها نحو تسوية قد تضمن بقاء نفوذ وكلائها في جنوب اليمن، ولو عبر إعادة تدوير خطاب لم يعد يقنع حتى صانعيه.