بين التوافق والترضيّات.. الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والقدرة على الحكم

2026-02-07 01:19 الهدهد/خاص:
بين التوافق والترضيّات.. الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والقدرة على الحكم

بعد مشاورات مكثفة استمرت لأسابيع، خرجت الحكومة اليمنية الجديدة إلى النور بقرار جمهوري صدر مساء الجمعة، وتتكون من 35 وزيرًا، تمثل طيفًا سياسيًا واجتماعيًا واسعًا، في مسعى يهدف إلى تحقيق قدر أكبر من الانسجام والتوافق في ظل تحديات أمنية واقتصادية معقدة.

واحتفظ رئيس الحكومة الدكتور شائع الزنداني بمنصبه وزيرًا للخارجية وشؤون المغتربين، بعد أن وصلت جهود تعيين شخصية بديلة لهذا المنصب إلى طريق مسدود، ما استدعى الإبقاء عليه في موقعه إلى جانب كونه سفير اليمن لدى المملكة العربية السعودية، في ظل عدم التوافق حتى الآن على اسم بديل. 

وقد نُظر إلى تعيين الزنداني حينها بمثابة رسائل تطمين لمحافظة الضالع، التي ينتمي إليها رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزُبيدي، خصوصًا عقب التطورات الأخيرة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، والتي انتهت بطرد قوات المجلس من هناك وإسقاط عضوية الزُبيدي من المجلس الرئاسي بتهمة الخيانة العظمى.

 

مزيج تكنوقراطي ـ سياسي ومحاصصة مناطقية حاضرة

وتجمع الحكومة الجديدة بين مزيج من الشخصيات التي توصف بالتكنوقراط وأخرى سياسية، وهي الصيغة التي خلصت إليها المشاورات، رغم أن التوجه المعلن – والمدعوم من رئيس مجلس القيادة الرئاسي – كان نحو حكومة تكنوقراط بعيدة عن المحاصصة السياسية. غير أن الحكومة، في المقابل، لم تخلُ من المحاصصة المناطقية، التي يرى مراقبون أنها أكثر خطورة من المحاصصة السياسية.

 

تمثيل القوى والمكونات… استيعاب واسع ورسائل تطمين

واستوعبت التشكيلة الحكومية مكون المقاومة الوطنية، التي يمثلها عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، من خلال منحه حقيبة وزارية هي وزارة الدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى. كما شهدت الحكومة بروز قوى جديدة، أبرزها مجلس حضرموت الوطني في خطوة نُظر إليها على أنها مكافأة لمكانة حضرموت السياسية والاقتصادية، والدور الذي لعبته خلال الفترة الماضية.

وإلى جانب ذلك، حافظت مختلف القوى السياسية، من الإصلاح الحزب الاشتراكي اليمني، إلى التنظيم الوحدوي الناصري، على وجودها بالإضافة إلى شخصيات محسوبة على المستقلين ومنظمات المجتمع المدني.

وفي خطوة لافتة، ضمّت الحكومة ثلاث نساء تولين حقائب وزارية، وهي المرة الأولى منذ سنوات طويلة التي تحظى فيها المرأة بهذا القدر من التمثيل، في مؤشر إيجابي على استيعاب مختلف فئات المجتمع، وإن ظل هذا التمثيل دون مستوى الطموحات النسوية.

كما حافظت الحكومة الجديدة على تمثيل المجلس الانتقالي الجنوبي، رغم الأزمة التي مر بها مؤخرًا عقب حله في الرياض، حيث لا يزال المجلس يحتفظ بتمثيل وازن في عدد من الوزارات، رغم تغيير بعض الوجوه، واستيعاب أسماء جديدة مثل سالم العولقي، وأحمد صالح، ومختار اليافعي، في ما اعتُبر رسالة تصالحية موجهة لأنصار الانتقالي، وللتأكيد على أن الحكومة لا تُقصي أي مكون بعينه.

وعلى المستوى الجغرافي، حظيت معظم المحافظات بتمثيل في التشكيلة الوزارية، وإن أثار ذلك استياء البعض الذي رأى أن هناك محافظات لم يتم استيعابها.

ومن اللافت أيضًا ضم شخصيات أكاديمية وإدارية مشهود لها بالكفاءة، مثل الدكتور عادل العبادي وزير التربية والتعليم، ومحسن حيدرة العمري وزير النقل، الذي يمتلك خبرة إدارية وتجارية من خلال عمله السابق في الخطوط الجوية اليمنية، وينتمي إلى محافظة لحج.

وشهدت الحكومة فصل بعض الوزارات التي كانت قد دُمجت في السابق، مع الإبقاء على وزارتي الثقافة والسياحة كوزارة واحدة، وفصل وزارة الشؤون القانونية عن وزارة حقوق الإنسان، إلى جانب استحداث ثمان وزارات دولة، في خطوة فُسرت على أنها محاولة للترضية والاستيعاب السياسي، وهو ما اعتبره بعض المراقبين توجهًا غير مناسب في ظل أوضاع مالية صعبة، ويعزز الانطباع السائد بأن الحكومة أقرب إلى "حكومة توازنات وترضيات" أكثر من كونها حكومة تغيير فعلي.

 

اختبارات ما بعد التشكيل: العودة للداخل وبسط النفوذ

ومع ولادة الحكومة بهذا الشكل، تباينت ردود الفعل تجاهها بين مؤيد متفائل، وآخر يرى فيها استنساخًا للنهج السابق القائم على تقاسم الحصص، على حساب تحقيق انسجام حقيقي في العمل الحكومي. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى تجارب الحكومات السابقة، التي ضمت مظلات سياسية متناقضة عملت ضد بعضها البعض، وأسهمت في تفشي الفشل والفساد وتردي الأوضاع، وخلقت فجوة عميقة بين الحكومة والمواطنين.

وتُعد هذه الحكومة من حيث التشكيل واحدة من أكثر الحكومات تجديدًا منذ عام 2015، إذ إن الحكومات السابقة كانت تعاني من عجز رئيسها عن إحداث تغييرات حقيقية بسبب قيود المحاصصة السياسية والمناطقية التي تحكم إدارة الدولة.

ويترقب المواطنون اليوم ما ستقدمه الحكومة على صعيد تحسين الخدمات، وصرف المرتبات، والحفاظ على استقرار سعر صرف العملة، وخفض الأسعار، إلى جانب الأهم: العمل من داخل البلاد بشكل دائم، باعتباره الاختبار الحقيقي لأي شعارات تُرفع، في ظل خيبات أمل متراكمة من سنوات سابقة كان معظم المسؤولين خلالها يقيمون خارج البلاد.

وعلى الصعيد الأمني والعسكري، يشهد الوضع في عدن قدرًا من الاستقرار النسبي مع دخول قوات مثل درع الوطن والعمالقة، إلى جانب التشكيلات العسكرية والأمنية التابعة للمجلس الانتقالي، التي لا تزال تفرض حضورًا فعليًا في عدن والمحافظات المجاورة. ويترقب الشارع عودة الحكومة الجديدة لممارسة مهامها من الداخل، وسط توقعات بأن تسبق هذه العودة ترتيبات أمنية، لا تضمن فقط العودة الشكلية، بل تمكين الحكومة من أداء مهامها فعليًا.

ولا تزال ممارسة الحكومة لسلطتها على الأرض تواجه تحديات كبيرة، ما لم تُجرَ تغييرات جوهرية في بنية التشكيلات العسكرية والأمنية التابعة للمجلس الانتقالي، وفق خطة تهدف إلى إخراج هذه التشكيلات من عدن، والدفع بقوات موالية للحكومة بشكل مؤسسي وفعلي.

كما ستحتاج الحكومة إلى نيل ثقة مجلس النواب، وهو ما يستدعي عودة أعضائه إلى عدن لعقد جلسة رسمية لهذا الغرض، وهو أمر لا يزال يكتنفه الغموض حتى الآن.