ما بعد الخسارة العسكرية: لماذا بقيت حضرموت في حسابات تصعيد الانتقالي؟

2026-02-09 22:10 الهدهد/ خاص:
تصميم خاص بمنصة الهدهد
تصميم خاص بمنصة الهدهد

بعد أسابيع من سيطرة قواته على محافظة حضرموت، قال رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المُنحل، عيدروس الزُبيدي، إن حضرموت، التي تمثل ثلث مساحة اليمن، هي الجنوب، وإن الجنوب هو حضرموت، مما يعكس إدراكا عميقا للأهمية السياسية والاقتصادية والجغرافية لحضرموت في الدولة التي يطمح الزُبيدي إلى إقامتها.

فقد كانت السيطرة على حضرموت، إلى جانب محافظة المهرة، بالنسبة للزُبيدي مسألة حاسمة لفرض الانفصال عمليا، واستكمال السيطرة على الجغرافيا التي كانت تمثل جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل الوحدة. ولذلك أقدم على اتخاذ قرار عسكري تمثل في إرسال ثمانية ألوية إلى المحافظتين مطلع ديسمبر الماضي، حيث جرت السيطرة على حضرموت بسهولة كبيرة، باستثناء اشتباكات محدودة كانت في معظمها قرارات فردية لبعض جنود المنطقة العسكرية الأولى، في ظل عدم تلقيهم أوامر بالمواجهة. أما المهرة، فقد تمّت السيطرة عليها بمجرد استكمال السيطرة على وادي وصحراء حضرموت، وقبل حتى وصول قوات الانتقالي فعليا إلى المحافظة المتاخمة لسلطنة عُمان.

وبعد السيطرة على المحافظتين، كان الانتقالي قد بسط نفوذه على كامل جغرافيا الجنوب، ولم يبقَ أمامه سوى إعلان قرار الانفصال، ليصبح على بُعد خطوات من إعلان ما يُسمّى بـ"دولة الجنوب العربي"، وهي تسمية ليست سوى استنساخ لمصطلح "اتحاد الجنوب العربي" الذي أطلقه البريطانيون على مشروع سياسي في عدن أواخر خمسينيات القرن الماضي.

ولم تكن الأهمية الجغرافية وحدها حاضرة في الخطاب السياسي والإعلامي للانتقالي، بل حضرت الأهمية الشاملة لحضرموت، بما في ذلك مواردها النفطية والمعدنية والسمكية والزراعية، إلى جانب موقعها البحري المطل على بحر العرب، وهي موارد لا غنى عنها لأي مشروع دولة انفصالية، خصوصا أن معظم محافظات الجنوب الأخرى لا تمتلك موارد كافية لتغطية نفقاتها الأساسية.

 

الصدام مع النفوذ السعودي: نهاية السيطرة بحضرموت

وقد أشار محافظ حضرموت سالم الخنبشي إلى هذه الأبعاد التي شكّلت الدافع الرئيسي وراء خطوة الانتقالي، والتي اصطدمت بحقيقة جغرافية وسياسية تتمثل في أن حضرموت، وكذلك المهرة، تقعان ضمن نطاق النفوذ التقليدي للمملكة العربية السعودية، وأن أي اقتراب من قوات غير منسجمة مع هذا الواقع يمسّ الأمن القومي السعودي. فكيف إذا كان هذا الاقتراب يتم عبر قوات تابعة لمشروع دولة لا تخفي الأطماع الجيوسياسية للدولة الداعمة له، وهي الإمارات؟

انطلاقا من ذلك، تحركت السعودية دفاعا عن مصالحها، وبالتنسيق مع الحكومة اليمنية التي كانت قد عيّنت محافظ حضرموت، قائد لقوات "درع الوطن" المدعومة سعوديا، في عملية عسكرية حملت اسم "استعادة المعسكرات"، واستمرت ليوم ونصف تقريبا، وانتهت بطرد قوات الانتقالي من حضرموت، ثم من المهرة، لتنتهي سيطرتهم على المحافظتين بعد 28 يوما فقط.

 

من القبول إلى الرفض: خسارة الانتقالي شعبيا

وخلال هذه الفترة القصيرة، لم يخسر الانتقالي عسكريا فحسب، بل خسر أيضا على المستوى الشعبي والاجتماعي؛ إذ كان يحظى بدرجة من القبول في حضرموت لأسباب عدة، من بينها غياب الدولة عن أداء وظائفها الأساسية، مثل الخدمات والرواتب، وطول أمد الحرب الذي دفع كثيرين إلى البحث عن أي مخرج مهما كان، دون تدقيق في طبيعة المشروع الذي يلتفون حوله.

غير أن سلوك الانتقالي القائم على الخطاب المناطقي تجاه أبناء حضرموت، خصوصا المكونات التي لم تؤيده مثل حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع ومجلس حضرموت الوطني، أسهم في تآكل هذا القبول. فقد استخدم خطابا وُصف بالمهين، ترافق مع ممارسات مسّت الكرامة والخصوصية الحضرمية، شملت اختطاف مواطنين وتعذيبهم، وانتهاك حرمة المنازل، ونهب الممتلكات العامة والخاصة، والتعامل مع المحافظة بوصفها غنيمة حرب، وهو ما تجسّد في شعارهم الشائع "حضرموت حقنا" الذي رُدّد في التصريحات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي.

كما لجأ الانتقالي إلى استخدام تهمة "الإرهاب" ضد معارضيه، ومن بينهم الشيخ عمرو بن حبريش، رئيس حلف قبائل حضرموت، وسعى لاستخدام القضاء لإصدار أوامر قبض بحقه، وترافق ذلك مع اقتحامات في مديرية غيل بن يمين، في انتهاك واضح للأعراف القبلية، ما دفع القبائل إلى التوحد ضد الانتقالي، بمن فيهم من كانوا محسوبين عليه سابقا.

كما جرى إقصاء قيادات عسكرية حضرمية لصالح قيادات من محافظات أخرى، ما بعث برسالة واضحة مفادها أن الانتقالي، إن كان يمارس الإقصاء والتهميش قبل أن يتمكن، فكيف سيكون سلوكه إن تمكن بالكامل؟ وهو ما يتناقض جذريا مع خطابه السياسي القائم على الشراكة.

 

توحّد حضرمي مقابل مأزق سياسي

وفي هذا السياق، انطلق المجلس الانتقالي في تحركاته المتواصلة في حضرموت، وتمسّكه بالحفاظ على قدر من التأثير هناك، انطلاقا من تقييمه للمتغيرات التي أفرزتها هزيمته العسكرية في المحافظة. فقد تمثلت هذه المتغيرات، أولا في استيعاب المكونات الحضرمية المختلفة لدرس الانقسام الذي ساعد الانتقالي سابقا على التمدد على حسابها، وثانيا في إعادة مراجعة قناعاتها السياسية، وصولا إلى إدراك أن أي مشروع لا يقوده أبناء حضرموت، أو لا يصدر عنها، وتديره مكونات من محافظات أخرى، لا يمكن أن يمثل حضرموت ولا أن يحقق مصالح أبنائها.

وبناءً على ذلك، توحّد الحضارم أكثر من أي وقت مضى، وشهدت المحافظة سلسلة لقاءات مكثفة ضمّت مختلف المكونات والشخصيات الاجتماعية والقبلية والسياسية، وبمشاركة فاعلة من المحافظ، حيث جرى رفع سقف الخطاب السياسي باتجاه خيارات واضحة، أبرزها أن تكون حضرموت إقليما مستقلا ضمن دولة اتحادية، في حال توصل اليمنيون إلى صيغة توافقية لشكل النظام السياسي، أو الذهاب نحو حكم ذاتي يعبّر عن خصوصية المحافظة وإرادة أبنائها.

وفي هذا الإطار، عبّرت المكونات الحضرمية عن رفضها القاطع لأي تسوية تقوم على ثنائية شمال–جنوب، كما يكرّسها خطاب الانفصال، وهو ما أكده الشيخ عمرو بن حبريش، رئيس حلف قبائل حضرموت، حين شدد على أن حضرموت تمثل طرفا ثالثا مستقلا، ولا يمكن أن تكون تابعة لأي جهة أو مشروع سياسي خارج إرادة أبنائها.

كما أعلن محافظ حضرموت عن تشكيل لجنة تحضيرية لإعداد رؤية حضرموت، تمهيدا لتقديمها في مؤتمر المكونات الجنوبية، الذي يُفترض عقده في الرياض في موعد لم يُحدَّد بعد، في خطوة تعكس سعيا رسميا لتكريس موقف حضرمي موحد في أي مسار سياسي قادم.

وفي ظل هذا التوحّد الحضَرمي غير المسبوق، يدرك المجلس الانتقالي أن مهمته في الادعاء بتمثيل مصالح حضرموت باتت أكثر تعقيدا وصعوبة، ولهذا، يحاول جاهدا الحفاظ على أي حضور له داخل المحافظة، بأي شكل كان، حتى لا يعطي انطباعا لأنصاره وخصومه على حد سواء بأن هزيمته العسكرية في حضرموت تعني بالضرورة هزيمته السياسية أيضا.

ومن هنا، تتمثل استراتيجيته الحالية في التصعيد الميداني والإعلامي، ووضع حضرموت – بواديها وصحرائها وساحلها – في صدارة اهتمامه، جنبا إلى جنب مع العاصمة المؤقتة عدن، عبر تنظيم فعاليات احتجاجية واستعراضات رمزية للقوة، في محاولة لتعويض الخسارة الاستراتيجية التي مُني بها هناك.

وينظم الانتقالي فعاليات جماهيرية ومظاهرات احتجاجية تتخللها استعراضات للقوة، من خلال رفع أعلام الانفصال ومهاجمة المقار الحكومية وإنزال العلم الوطني، في محاولة للحفاظ على معنويات أنصاره، وإيصال رسالة مفادها أنه لم يتخلَّ عنهم، وأن حضرموت ستظل جزءًا من مشروعه. ولهذا تُوزّع هذه الفعاليات بين المكلا وسيئون، وغالبا ما تُنظم يوم الجمعة للاستفادة من الإجازة وحشد أكبر عدد ممكن من المشاركين.

ويساعد الانتقالي في ذلك استمرار تردي الأوضاع الخدمية والمعيشية، وغياب التحسّن الذي كان المواطنون يأملونه، إلى جانب بقاء بعض القيادات التنفيذية والأمنية على ارتباط به، وتلقيها دعما ماليا منه، فضلا عن ضعف الحكومة وغياب مبدأ المحاسبة، ما يتيح للمتظاهرين تجاوز حق التعبير السلمي والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة دون تطبيق صارم للقانون.

ومن منظور أوسع، فإن هذا التصعيد يهدف إلى إيصال رسائل ضغط إلى السعودية، التي تعتبر حضرموت جزءًا من نفوذها التقليدي، مفادها أن الانتقالي، رغم خسارته العسكرية هناك، لم يُهزم سياسيا أو شعبيا، وسيواصل محاولاته لفرض أمر واقع، وتحسين صورته عبر تبني خطابات وأنشطة سياسية وميدانية، لمنع سحب البساط من تحت أقدامه.

وفي المقابل، تدرك السعودية هذه الأبعاد، وتتعامل مع الملف بحذر شديد، من خلال ضبط أداء السلطات المحلية بأقصى درجات الانضباط، لأن أي اعتقال أو مداهمة، حتى وإن كانت ضمن إجراءات قانونية، قد تُستثمر إعلاميًا من قبل الانتقالي لإنتاج سردية "مظلومية" جديدة.

ويتيح التصعيد في حضرموت للانتقالي إعادة إنتاج خطاب يتهم السعودية بمحاولة "احتلال حضرموت"، مستغلا الحساسية الحضرمية على الأقل بالنسبة للمؤيدين للانفصال منهم، ومحاولا إثارة مشاعر في بقية المحافظات الجنوبية، وتعزيز مزاعم الأطماع الخارجية، في وقت يدرك فيه أن استمرار هذا المسار قد يمنحه أدوات ضغط إضافية عبر شبكات علاقات ولوبيات خارجية ذات تأثير.