ما بعد اليمين الدستورية: الزُبيدي يلوّح بالشارع لإرباك الحكومة

2026-02-11 03:50 الهدهد/خاص:
عيدروس الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي
عيدروس الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي

بعد يوم واحد من أداء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية، أطلّ عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عبر رسالة مكتوبة نشرها في حساباته الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، في ثاني ظهور له بهذا الشكل منذ اختفائه عن الأنظار في الثامن من يناير الماضي.

 

وعلى الرغم من أن الرسالة الجديدة تشترك في بعض مضامينها مع رسالته الأولى، إلا أن الأخيرة حملت رسائل أكثر وضوحا، وجاءت متزامنة مع سياق سياسي بالغ الدلالة.

 

حكومة جديدة… ورسالة تحدٍّ مبكرة

 

جاءت الرسالة الثانية بعد يوم واحد فقط من أداء حكومة الدكتور شائع الزنداني، المنحدر من محافظة الضالع التي ينتمي إليها الزُبيدي، اليمين الدستورية في السفارة اليمنية بالعاصمة السعودية الرياض، وضمّها ستة وزراء محسوبين على المجلس الانتقالي، في وقت كان يتوقع فيه كثيرون تقليص حجم مشاركة المجلس في الحكومة الجديدة، عقب ما وصفه رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي بـ"الإجراءات الأحادية" التي كادت أن تقضي على المركز القانوني للدولة.

 

ورغم أن الحكومة الجديدة لم تحتفظ سوى بوزير واحد من وزراء الانتقالي في الحكومة السابقة، هو اللواء سالم السقطري، إلا أن الوجوه الجديدة التي تم تعيينها محسوبة على المجلس، وبعضها يشغل مواقع قيادية داخل هياكله التنظيمية التي تأسست عام 2017 بدعم إماراتي.

 

من الهزيمة العسكرية إلى التصعيد السياسي والميداني

 

وإذا ما جرى ربط السياق الزمني والسياسي الذي جاءت فيه هذه الرسالة بمضامينها، إلى جانب التصعيد الميداني الذي ينفذه المجلس الانتقالي في عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية، فإن الرسالة تُقرأ كمؤشر على نية الانتقالي إرباك عمل الحكومة في عدن خلال الفترة المقبلة، خصوصا في ظل احتفاظه بتشكيلاته العسكرية والأمنية دون أي تغيير في محافظة عدن والمحافظات المجاورة، وعدم إخراج هذه القوات من المدينة وفقا لخطة إخلاء العاصمة المؤقتة، وهو ما يجعل قدرة الانتقالي على عرقلة عمل الحكومة احتمالا واردا وعمليا.

 

وبالعودة إلى مضامين رسالة الزُبيدي، فقد استهلها بتحية أنصاره، مع التأكيد على استمرارهم في عدن وحضرموت وسقطرى، في محاولة للقول إنه باقٍ معهم ولن يتخلى عنهم، في ظل محاولات عزله سياسيا، وإسقاط عضويته في مجلس القيادة الرئاسي، بعد اتهامه بالخيانة العظمى وإحالته إلى التحقيق، وإعلان النائب العام فتح تحقيق في الاتهامات الموجهة إليه.

 

وأراد الزُبيدي من خلال رسالته أن يبعث برسالة طمأنة لأنصاره مفادها أنه، رغم ما يصفه بالاستهداف السياسي والملاحقة الأمنية، لا يزال إلى جانبهم. وكان لافتا استحضاره لمقولته الشهيرة "عهد الرجال للرجال"، بما تحمله من دلالات تؤكد تمسكه بما تعهد به لأنصاره من المضي في مشروع الانفصال وإعلان ما يسميه "دولة الجنوب العربي".

 

شرعية الشارع في مواجهة الدولة والطوارئ

 

وفي هذا السياق، حرص الزُبيدي على تعزيز تمسك أنصاره به بوصفه قائدهم، من خلال رفع صوره في المظاهرات، وترديد عبارات تؤكد أنه ممثلهم السياسي الوحيد. وعلى الرغم من أنه لم يفصح عن خطواته المقبلة كما في رسالته السابقة، إلا أنه اكتفى برسائل عامة تحث أنصاره على الاستمرار في ما يسميه الصمود والتصعيد، والالتفاف حول قيادته شخصيا وحول المجلس الانتقالي، مع تجاهل واضح لقيادات المجلس الموجودة في الرياض، وعدم اعترافه بقرار حل المجلس، وتمسكه باستمراره ككيان سياسي.

 

كما دعا أنصاره إلى التمسك بما أسماه "الإعلان الدستوري" الذي أعلنه مطلع يناير، والذي حدّد فيه، من وجهة نظره، مسار إعلان دولة "الجنوب العربي" في عام 2028 بعد مرحلة انتقالية. وحرص في رسالته الجديدة، كما في الأولى، على مخاطبة أنصاره بشكل مباشر، وحصر مضامين الرسالة فيهم، في محاولة لكسر الشائعات حول غيابه، وما يُقال عن هروبه أو تخليه عنهم.

 

وتعمّد الزُبيدي تجاهل ذكر أي طرف آخر، بما في ذلك مجلس القيادة الرئاسي أو الحكومة أو السعودية، كما تجاهل تماما وضعه القانوني والاتهامات الموجهة إليه، ولم يتطرق لها من قريب أو بعيد. وقد فُهم ذلك على أنه رسالة ضمنية مفادها أنه يستند إلى الشارع والالتفاف الجماهيري، وأن هذا الدعم الشعبي هو ما يعوّل عليه، دون اكتراث بما تتخذه الأطراف الأخرى من خطوات أو إجراءات بحقه.

 

ويمكن الاستنتاج أيضا أن دعوة الزُبيدي لأنصاره إلى الاستمرار في التصعيد تعني أنه لا يعترف بالحكومة، وهو ما عبّر عنه صراحة متحدث المجلس أنور التميمي، حين قال إن المجلس الانتقالي غير معني بالحكومة الجديدة، وهو ما يعني أن التصعيد القادم سيشهد رفع وتيرة الاحتجاجات إلى أكثر من يوم في الأسبوع، وتحديدا في عدن العاصمة المؤقتة، بهدف الضغط على الحكومة ومنعها من ممارسة عملها.

 

وسيضع هذا التصعيد الحكومة أمام تحدٍّ مباشر، يتطلب مواجهته دون هوادة إذا ما أرادت تثبيت سلطتها على الأرض، وإلا فإنها قد تجد نفسها في وضع زيارة مؤقتة تعود بعدها من حيث جاءت.

 

تصعيد إماراتي ضد السعودية

 

وفي السياق الأوسع، يرى مراقبون أن تصريحات الزُبيدي تعكس إلى حد كبير ما تريده الإمارات بعد تراجع نفوذها المباشر في اليمن، حيث تلجأ إلى التصعيد عبر المجلس الانتقالي بأقل كلفة سياسية ممكنة، ودون ظهور مباشر. ويعزز هذا الطرح ما ذكرته قناة الإخبارية السعودية الرسمية في وقت سابق، من أن الرياض تنظر إلى أي موقف أو فعل يصدر عن الزُبيدي من مقر إقامته في الرياض – وفقًا لتصريحات متحدث التحالف – باعتباره مسؤولية إماراتية، وسيُتعامل معه على هذا الأساس.

 

وعلى الرغم من أن البلاد تعيش حالة طوارئ منذ مطلع يناير لمدة 90 يوما، بما يعنيه ذلك من فرض إجراءات استثنائية تشمل منع التظاهرات التي من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار أو تعطيل عمل الحكومة، إلى جانب إعلان حل المجلس الانتقالي، إلا أن هذه الإجراءات لم تُطبّق بشكل كامل، فلم تُغلق مقرات المجلس الانتقالي نهائيا، إذ جرى إغلاق مقر الجمعية الوطنية في عدن لمدة ثلاثة أيام فقط، قبل أن يُعاد افتتاحه مجددا. 

 

ولا يزال المجلس يمارس نشاطه بحرية في شبوة، رغم إعلان المحافظ إغلاق مقره، حيث لا يزال المقر يؤدي وظائفه وتعقد فيه الاجتماعات وتصدر منه التوجيهات، كما لا يزال مقر المجلس في المكلا مفتوحا، وكذلك في سقطرى والمهرة، إضافة إلى لحج وأبين والضالع.

 

ومن وجهة نظر مراقبين، فإن الحكومة مطالبة بتطبيق قانون الطوارئ بصورة فعلية وحقيقية، بما يشمل تقييد المظاهرات عبر اشتراط التنسيق المسبق مع السلطات المحلية، وتحديد أهدافها ومساراتها قبل الموافقة عليها أو رفضها، إلى جانب إغلاق مقرات المجلس الانتقالي، والتضييق على مصادره المالية التي تمكّن قياداته من تسيير هذه الأنشطة وتمويل نفقاتها، فضلا عن اتخاذ إجراءات أخرى ذات صلة في هذا الجانب.