ثورة فبراير: مسار دولة أُجهض بالانقلابات… لا فشلٌ صنعته الساحات
بعد مرور 15 عاماً على اندلاع ثورة 11 فبراير 2011، لا تزال الثورة تحتفظ بزخم واسع من الجدل حولها، يشمل مبررات انطلاقها، ومسارها، وصولاً إلى النتائج التي آلت إليها. ويتراوح هذا الجدل بين من يرى فيها فرصة حقيقية للتغيير وتحسين الأوضاع، وأن الانقلابات التي تلتها هي المسؤولة عمّا آلت إليه أوضاع البلاد لا الثورة بحد ذاتها، وبين رأي آخر يعتبرها نقطة التحول التي مهّدت لتقويض الدولة وصولاً إلى انهيارها، بل ويحمّلها مسؤولية الحرب المستمرة حتى اليوم. ويعكس هذا الجدل حجم التأثير العميق الذي أحدثته الثورة كفعل سياسي في البلاد، بغض النظر عن النتائج التي ترتبت عليها.
ظروف ناضجة لانفجار الثورة
قبل اندلاع الثورة، كانت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في اليمن قد بلغت درجة عالية من النضج لإحداث التغيير، فعلى المستوى السياسي، وصلت العلاقة بين الحزب الحاكم آنذاك والمعارضة، ممثلة بتكتل اللقاء المشترك، إلى طريق مسدود عقب فشل محاولات إصلاح سياسية ودستورية شاملة في عام 2010، مع إصرار قيادات الحزب الحاكم على ما عُرف بـ"تصفير العداد"، وهو ما كان يعني عملياً تعديل الدستور بما يسمح للرئيس الراحل علي عبدالله صالح بالترشح لفترة رئاسية جديدة في عام 2012.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد تفشى الفساد إلى درجة التهام موارد الدولة، وانعكس ذلك سلباً على معيشة المواطنين، مع تقلص قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها في توفير الخدمات الأساسية، وترافق ذلك مع نهج إصلاحات اقتصادية وإدارية نفذتها الحكومات استجابة للمطالب الدولية، لكنها جاءت على حساب المواطن دون تحقيق إصلاحات هيكلية حقيقية.
من الساحات إلى المبادرة الخليجية: احتواء الفوضى ومنع الحرب
ساعد المناخ الإقليمي المتغير، الذي بدأ من تونس ومرّ بمصر وليبيا وسوريا، في دفع اليمنيين إلى الشارع، في اختبار حقيقي لقدرتهم على الصبر والبقاء لفترات طويلة في الساحات، خلافاً لما اعتادوه من احتجاجات محدودة تنتهي سريعاً. انطلقت الاحتجاجات من مدينة تعز، ثم امتدت إلى العاصمة صنعاء، قبل أن تتوسع إلى مختلف المحافظات، وتتحوّل إلى اعتصامات مفتوحة في الساحات العامة، وإضرابات وفعاليات احتجاجية متنوعة.
ومع تصاعد الحراك، دخلت البلاد مرحلة انقسام حاد انعكس على مؤسسات الدولة نفسها، إذ انقسم الجيش إلى نصفين عقب انضمام اللواء علي محسن الأحمر إلى الثورة. وشكّلت مجزرة جمعة الكرامة في مارس 2011 نقطة تحوّل مفصلية، دفعت عدداً من قيادات الحزب الحاكم إلى الانضمام للمحتجين، وأثارت مخاوف حقيقية من انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، خصوصاً في ظل تصريحات الرئيس صالح آنذاك التي لوّحت بهذا السيناريو.
على خلفية هذه المخاوف، تحركت دول مجلس التعاون الخليجي، بقيادة المملكة العربية السعودية، التي ترتبط بحدود مباشرة مع اليمن، وأمسكت بزمام المبادرة بعد مرحلة من الترقب والمراقبة. وبدأت من أبريل 2011 سلسلة لقاءات على مستوى وزراء خارجية دول المجلس، لمناقشة تطورات الوضع اليمني وسبل التعاطي معه، وجرى طرح مبادرات متعددة جرى تحديثها وتعديلها تبعاً لمواقف صالح ورفضه المتكرر، وكذلك لمواقف المعارضة التي كانت تركز على نقل السلطة.
تمحورت المبادرة حول تنحي صالح ونقل صلاحياته إلى نائبه عبدربه منصور هادي، ومنحه ومن عمل معه حصانة من الملاحقة القضائية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإطلاق مسار انتقال سياسي سلمي. وترافق هذا التحرك الإقليمي مع انخراط دولي، تمثل في تعيين الأمم المتحدة مبعوثها إلى اليمن جمال بن عمر، الذي تولى إعداد الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية، معترفاً لاحقاً بدوره في هندسة مسار الانتقال السياسي.
وقد نُظر إلى التدخل الخليجي من زوايا مختلفة؛ فبينما اعتبره البعض محاولة من أنظمة ملكية لاحتواء التغيير عند حدود مقبولة تمنع انتقال عدوى الثورات إليها، ورأوا أنه حرم اليمنيين من تغيير جذري، رأى آخرون أنه أنقذ اليمن من حرب أهلية محققة في ظل توازن القوى العسكرية، بعدما وصلت الثورة إلى نقطة لم يعد ممكناً عندها فرض تغيير سلمي شامل.
وبعد شد وجذب وضغوط دبلوماسية مكثفة، تم التوصل إلى المبادرة الخليجية التي وقعها صالح والمعارضة في الرياض، ونُقلت بموجبها صلاحياته إلى عبدربه منصور هادي، وأُجريت انتخابات رئاسية توافقية في 21 فبراير 2012. وقد لعبت السعودية دوراً محورياً في إنجاح هذا المسار، ولم تكتف بتسهيل التوقيع، بل قدمت وديعة مالية بقيمة مليار دولار للبنك المركزي اليمني دعماً للاقتصاد الوطني، وأسهمت في تحويل المبادرة إلى مرجعية دولية معتمدة لدى مجلس الأمن، ولا تزال صالحة حتى اليوم كإطار للحل السياسي.
وفي سياق المرحلة الانتقالية، وقبل أن يتعرض هذا المسار للإجهاض بالقوة، عرفت البلاد فترة من الاستقرار النسبي، ترافقت مع تحسّن اقتصادي ملحوظ، نتيجة أداء حكومة الوفاق الوطني، إذ جرى تعديل أسعار الغاز المصدّر إلى كوريا، ما أتاح توفير موارد مالية إضافية، تزامن ذلك مع ارتفاع أسعار النفط.
كما شهدت تلك الفترة أكبر عملية توظيف في تاريخ الدولة، حيث جرى استيعاب نحو ستين ألف موظف، في حين لم يكن أعلى معدل توظيف سنوي قبل ذلك يتجاوز سبعة عشر ألف موظف فقط.
وعلى الصعيدين السياسي والإعلامي، عرفت البلاد انفتاحًا غير مسبوق، تمثل في اتساع هامش الحريات العامة، وظهور أحزاب سياسية جديدة، وإطلاق قنوات تلفزيونية ومنصات إعلامية متعددة، في مشهد عكس تحوّلًا حقيقيًا في بنية الحياة السياسية والإعلامية.
الحوار الوطني وانقلاب الحوثي: إجهاض المسار الانتقالي بالقوة
انبثق عن هذا المسار مؤتمر الحوار الوطني الذي جمع مختلف القوى السياسية والاجتماعية لأول مرة تقريباً، وناقش القضايا الكبرى على مدى عام كامل، بما فيها القضية الجنوبية والملفات الاقتصادية. وشهدت صنعاء حدثاً غير مسبوق بزيارة مجلس الأمن الدولي دعماً للرئيس هادي والعملية الانتقالية، غير أن الخلاف الأبرز تمحور حول شكل الدولة، إذ مال الرئيس هادي إلى دولة فيدرالية من ستة أقاليم، بينما رأى الحزب الاشتراكي أن الأنسب إقليمان شمالي وجنوبي، واعترض المؤتمر الشعبي العام والحوثيون على التقسيم، وزعم المبعوث الأممي في مقابلة حديثة مع التلفزيون العربي، أن هادي فرض تقسيم الأقاليم دون توافق.
كانت مسودة الدستور الجديد شبه جاهزة، ولم يتبقَ سوى تنقيحها وطرحها للاستفتاء، تمهيداً لإجراء انتخابات عامة، إلا أن جماعة الحوثي اختطفت أمين عام مؤتمر الحوار الوطني د. أحمد عوض بن مبارك وبحوزته المسودة.
كان الحوثيون قد سُمح لها بالمشاركة في مؤتمر الحوار دون التخلي عن سلاحها، على الرغم من أنهم كانوا يتحركون عسكرياً من صعدة باتجاه عمران ثم صنعاء، إلى أن سيطروا على العاصمة في 21 سبتمبر 2014 بالقوة، وفرضوا أمراً واقعاً أجبر الرئيس والقوى السياسية على توقيع اتفاق السلم والشراكة، الذي أتاح لها الهيمنة الفعلية، وأفضى إلى تشكيل حكومة برئاسة خالد بحاح.
لم يلتزم الحوثيون بالاتفاق، وواصلوا التوسع العسكري والسيطرة على المحافظات، في ما شكّل الانقلاب الأول الذي أجهض العملية الانتقالية المنبثقة عن ثورة فبراير. وعلى الرغم من مشاركة الحوثيين في الثورة شكلياً، إلا أن ممارساتهم العنيفة كشفت لاحقاً أن حضورهم في الساحات كان تكتيكاً لتحسين صورتهم وفرض مشروعهم بالقوة، وأسهم تحالفهم لاحقا مع صالح، الذي أراد الانتقام من خصومه عبر حليف غير مغضوب عليه دوليا حينها، وسلّمهم المعسكرات والسلاح بدافع الانتقام السياسي، في خلط الأوراق ودفع البلاد نحو الفوضى وانهيار الدولة.
وفي هذا السياق الإقليمي، اعتبرت إيران سيطرة الحوثيين على صنعاء امتداداً لنفوذها، وصرح مسؤولون إيرانيون بأنهم يمثلون فرعاً محلياً للحرس الثوري.
من الانقلاب الحوثي إلى الانفصال: انقلاب ثانٍ داخل الشرعية
ومع إعلان الحوثيين "الإعلان الدستوري" في 2015، وشنهم الحرب على بقية المحافظات، تمكن الرئيس هادي من الفرار إلى عدن وطلب تدخل السعودية، التي قادت التحالف العربي في مارس 2015 لمنع سقوط كامل اليمن بيد الحوثيين.
وبينما تحققت إنجازات عسكرية بطرد الحوثيين من عدن ومحافظات جنوبية وأجزاء من مأرب حتى منتصف 2016، تلاشى هذا الزخم مع بروز أجندة إماراتية مغايرة. بدأت أبوظبي بتشكيل وتسليح قوات خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية، وأسست في 2017 المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزُبيدي، الذي تمرد على الحكومة المعترف بها دولياً، ونجح لاحقاً في السيطرة على عدن.
أدى ذلك إلى تعطيل معركة استعادة الدولة من الحوثيين، وتحويل الصراع إلى داخل معسكر الشرعية. وبدلاً من موقف حازم، جرى إشراك الانتقالي في الحكومة عبر اتفاق الرياض الذي لم يُنفذ، بينما استكمل الانتقالي فرض سيطرته الأمنية، ما جعل وجود الحكومة في عدن شبه مستحيل، وسمح بتنفيذ مشروع انفصالي تحت غطاء الشراكة.
وفي عام 2022، جرى تمكين الانتقالي أكثر عبر مشاورات شكلية نقلت بموجبها صلاحيات الرئيس هادي إلى مجلس قيادة رئاسي من ثمانية أعضاء، بينهم ثلاثة أعضاء من الانتقالي. وبدلاً من توحيد الجهود ضد الحوثيين، جرى تكرّيس مشروع الانفصال، وصولاً إلى مطلع 2026، حيث حاول الانتقالي التمدد شرقاً نحو حضرموت والمهرة، ما أثار قلق السعودية ودفعها إلى التدخل دفاعاً عن مصالحها وحدودها، وقد تقاطعت هذه المصلحة مع مصلحة اليمن وساهمت الرياض مجددا في إنقاذ الجمهورية من إعلان الانفصال.
خلاصة المسار: لماذا لم تفشل ثورة فبراير؟
خلاصة القول، إن ثورة 11 فبراير لم تفشل بذاتها، بل أُجهضت بفعل انقلابات متتالية نفذتها قوى مسلحة وأنانية سياسية، كانت تبيت النية لإفشال أي مسار وطني. فقد تحوّلت الثورة من فعل شعبي في الميادين إلى مسار سياسي توافقي لم يكن إقصائياً ولا استئصالياً، وحفظ للنظام السابق وحزبه حضورهم السياسي، ومنح رأس النظام حصانة. لكن الجشع السياسي، والتحالفات الانقلابية، والانحراف عن أهداف المرحلة الانتقالية، هي التي قادت إلى ما آل إليه الوضع، لا الثورة ذاتها.