قراءة تحليلية في تغطية قناة سكاي أبو ظبي للانفصال في اليمن
تُظهر المتابعة الدقيقة لتغطية قناة سكاي نيوز عربية، المحسوبة على الإمارات، أن القناة سخّرت خطابها الإعلامي ومنصاتها التحريرية لخدمة التيار الانفصالي والمجلس الانتقالي الجنوبي، رغم إعلان حلّه. ويعكس هذا التوجّه، وفق القراءة التحليلية، استمرار تبنّي رواية سياسية بعينها، وتقديمها باعتبارها الإطار التفسيري الرئيسي للأحداث الجارية في اليمن.
وتشير هذه المعالجة الإعلامية إلى أن الإمارات لا تزال، في هذا السياق، تتجاهل المطالب السعودية الداعية إلى وقف أي دعم سياسي أو إعلامي لأي فصيل يمني، في وقت تُظهر فيه التغطية انحيازًا واضحًا إلى مسارات تُسهم في تعميق الانقسام الداخلي، بما ينسجم مع رؤية سياسية أوسع ترى في تفكيك المشهد اليمني أداة لتحقيق أهداف إقليمية تتقاطع مع مصالح الاحتلال الإسرائيلي، بحسب ما يطرحه هذا التحليل.
وتتبنّى القناة، من خلال برامجها وتقاريرها، الرواية الانتقالية التي تُهاجم السعودية وتتعامل معها بوصفها قوة احتلال، في مقابل تخصيص مساحات واسعة لتغطية تطورات اليمن من زاوية واحدة، تضع المجلس الانتقالي في موقع الفاعل الرئيسي والممثل الأبرز لما يجري في الجنوب. تكريس رواية الانتقالي إعلاميًا
ورغم إعلان الإمارات انسحابها من اليمن، استمرت القناة في بث عشرات الأخبار والتقارير المرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، متجاهلة قرار حلّه، لتتحول فعليًا إلى منصة إعلامية لنشاطاته وخطاب قادته.
وكانت وزارة الخارجية السعودية قد أكدت، في بيان لها أواخر ديسمبر الماضي، على أهمية استجابة دولة الإمارات العربية المتحدة لطلب الجمهورية اليمنية بخروج قواتها العسكرية خلال أربعٍ وعشرين ساعة، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف داخل اليمن، مع التأكيد على تغليب مبادئ الأخوة وحسن الجوار والعلاقات الوثيقة بين دول مجلس التعاون، بما يحفظ مصلحة اليمن واستقرار المنطقة، ويصون العلاقات الثنائية بين الرياض وأبوظبي.
وبعد نحو شهر من إعلان الإمارات الانسحاب، عادت المملكة لتؤكد أن ملف اليمن يشكّل عنصرًا أساسيًا في العلاقات بين الرياض وأبوظبي، مشيرة إلى أن خروج الإمارات الكامل من اليمن مسألة محورية لاستمرار العلاقات القوية، وأن المملكة ستتحمل المسؤولية في هذا الإطار.
ويكشف تتبّع المحتوى الإعلامي للقناة أنها واكبت بشكل فعّال أنشطة المجلس الانتقالي المناهضة للسعودية، وقدّمت المملكة في سياق تغطيتها باعتبارها قوة احتلال اعتدت على حليف سابق، في حين جرى استثمار تحركات الانفصاليين لتبرير سياسات التمزيق التي يُقال إنها تحظى بدعم إماراتي إسرائيلي في اليمن.
تصوير السعودية كقوة احتلال
ويلاحظ المتابع لقناة سكاي نيوز عربية على منصة يوتيوب أن القناة تحوّلت إلى منبر دائم لتغطية تحركات المجلس الانتقالي المنحل، مع إتاحة مساحة واسعة لقياداته المقيمة في الإمارات، مثل عمرو البيض وأنور التميمي وهاني بن بريك، إضافة إلى صحفيين مرتبطين بالمجلس ومقيمين هناك، من بينهم صلاح بن لغبر وياسر اليافعي وهاني مسهور، حيث تُقدَّم لهم المنصة لمواصلة نشاطهم السياسي والإعلامي.
ولا يكاد يخلو يوم واحد من نشرات القناة من أخبار مؤيدة للمجلس الانتقالي، في مقابل تجاهل شبه تام لأي روايات أو تطورات لا تنسجم مع تصوراته السياسية.
ورغم كثافة التغطية وحرية عمل المراسلين من عدن واستضافة عدد من الضيوف، فإن القناة تتجاهل بشكل كامل قضايا خدمية ملموسة مثل عودة الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، ولا تنقل آراء الشارع أو انطباعات السكان حول هذه التطورات، كما لا تتناول بانتظام مسألة صرف المرتبات أو تحسن الأوضاع المعيشية.
كما لا تستضيف القناة، في معظم تغطياتها، أي أصوات أو ضيوف يمثلون الطرف الآخر، سواء من الحكومة اليمنية أو من الداعمين للموقف السعودي، الأمر الذي يعزّز صورة التغطية الأحادية ويحدّ من التعددية في عرض وجهات النظر.
انتقائية الضيوف وإقصاء المخالف
وتحاول القناة، وفق هذا التقييم، إعادة صياغة بعض المفاهيم الإعلامية، فبعد أن كانت تصف قوات المجلس الانتقالي باسمها الصريح، لجأت لاحقًا، أواخر ديسمبر وبداية يناير، إلى استخدام توصيف “القوات الجنوبية الحكومية”، خصوصًا عند الحديث عن قوات مثل دفاع شبوة، بينما وصفت قتلى بعض التظاهرات بأنهم “قوات حكومية” فقط، في تغيير دلالي لافت في الخطاب.
وقد اتسمت التغطية بعدة مرتكزات رئيسية، أبرزها رفض حل المجلس الانتقالي الجنوبي، والترويج لفكرة أن قادته الموجودين في الرياض محتجزون ولا يملكون حق اتخاذ قرار الحل، بما يوحي باستمرار شرعية المجلس وفاعليته السياسية.
كما حرصت القناة على ترسيخ فكرة أن المجلس لا يزال قائمًا على الأرض، من خلال استضافة قادته المقيمين في الإمارات بشكل متكرر؛ إذ استُضيف عمرو البيض أكثر من مرة خلال شهر واحد، كما ظهر المتحدث باسم المجلس أنور التميمي قرابة ثلاث مرات، إضافة إلى استضافة هاني بن بريك مرتين تقريبًا، مع إعادة تقديمه بوصفه نائب رئيس المجلس، رغم عدم ورود اسمه في آخر تشكيلة لهيئة رئاسة المجلس قبل حله.
توظيف التغطية لخدمة مشروع الانفصال
وتواصل القناة تقديم سردية مفادها أن هزيمة المحاولة الانفصالية تعني بالضرورة دعم الإرهاب، مروّجة لفكرة أن المملكة وفّرت غطاءً جويًا لهجمات نفذتها تنظيمات القاعدة وداعش والحوثيون ضد قوات المجلس الجنوبي في حضرموت.
وفي هذا السياق، تعمل التغطية الإعلامية على اتهام المملكة بالتحالف مع تنظيمات إرهابية مثل القاعدة وداعش والإخوان وحتى الحوثيين، بهدف غزو المحافظات المحررة، بحسب ما يرد في خطاب الضيوف وتقارير البرامج.
وفي برنامج “بالمنطق”، شكك مقدم الحلقة، إلى جانب هاني بن بريك، في شرعية الحكومة اليمنية وقرارها طلب دعم التحالف للتدخل ضد الانفصاليين، كما جرى التشكيك بشرعية هذا القرار ذاته.
كما تناولت القناة الحوار المزمع عقده في الرياض بالتشكيك، معتبرة أنه يمثل طرفًا واحدًا ولا يعكس تعددية المشهد اليمني.
وتكشف المتابعة العادية حرصًا إماراتيًا عبر القناة على الحفاظ على أدوات النفوذ في عدن، مع تصوير أي مساس بهذه الأدوات باعتباره تهديدًا للأمن الإقليمي والملاحة الدولية وجهود مكافحة الإرهاب.
وتنطلق القناة في بعض تغطياتها من تصور افتراضي يفيد بأن مشروع الانفصال كان قائمًا فعليًا على الأرض، وأن دخول أي قوة حكومية إلى عدن أو عودة الحكومة إليها يُعد، وفق هذا الطرح، فرضًا لاحتلال جديد.
كما تتعامل القناة في بعض نشراتها وبرامجها مع السعودية بوصفها قوة احتلال لعدن، وهو توصيف يرد أحيانًا على ألسنة بعض الضيوف الذين تستضيفهم.
ويركّز الخطاب الإعلامي كذلك على الإعلان الدستوري المرتبط بعيدروس الزبيدي، مع تأكيد بقاء المجلس ودعم قيادته، في إشارة واضحة إلى محاولة الحفاظ على أهم أدوات النفوذ السياسي في الجنوب.
وتعلّق القناة على مختلف التطورات السياسية، مثل تشكيل الحكومة، عبر استضافة شخصيات كعمرو البيض، الذي يزعم عدم شرعية الحكومة ورفض الاعتراف بها، وهو طرح يتكرر في سياق البرامج والتقارير.
ويشن ضيوف القناة هجومًا حادًا على رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، معتبرين أن قراراته تفتقر إلى الشرعية وأنه يتسم بالعدوانية، في خطاب يعكس موقفًا سياسيًا ناقدًا لقيادة الدولة اليمنية.
كما تواكب القناة التظاهرات التي ينظمها المجلس الانتقالي في عدد من المحافظات، رغم تراجع حجمها وانحسارها من مراكز رئيسية مثل عدن والمكلا إلى مدن أقل تأثيرًا مثل زنجبار وعتق، مع ملاحظة عودة هذه التظاهرات إلى المناطق الريفية لأول مرة منذ سنوات طويلة، وتحديدًا في ردفان والضالع، وهو ما تقدمه التغطية بوصفه مؤشرًا على استمرار الحضور الشعبي للمجلس.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|