المناضل الوطني محمد عبدالله المحلوي… قبس الحرية وأول ضحاياها

2026-02-21 02:27 الهدهد/خاص:
المناضل الوطني محمد عبدالله المحلوي
المناضل الوطني محمد عبدالله المحلوي

ربما لا يعرف الكثيرون من الجيل الحالي المناضل محمد عبدالله المحلوي، لكنه كان من أوائل رواد التنوير والتغيير في اليمن في مواجهة حكم الإمام يحيى حميد الدين، بل إنه «قبس الحرية الأول في تاريخ القضية اليمنية»، كما يقول المناضل السبتمبري الراحل محمد عبدالله الفسيل، و«أول ضحايا الحرية في تلك القضية»، كما يذكر المناضل العزي صالح السنيدار في كتابه "الطريق إلى الحرية".

 

النشأة والتكوين

 

نشأ المحلوي في مدينة صنعاء في أسرة بسيطة كانت تمتهن صناعة الحلوى، فشبّ قريبًا من الناس وحياتهم اليومية والتحق بالكُتّاب وهو في السابعة من عمره. بعد ذلك، التحق بإحدى المدارس التركية التي كانت متاحة في صنعاء آنذاك، غير أن معارضة أسرته لذلك دفعته إلى ترك الدراسة والعودة إلى مهنة العائلة. 

وعلى الرغم من أن عمله في صناعة الحلوى كان بعيدًا ظاهريًا عن عالم المعرفة، إلا أنه بوعيه المبكر وحبه للاستكشاف عمل على تنمية ثقافته ذاتيًا، فكان يقرأ كل ما يقع في يده من صحف ومجلات وكتب، حتى تفتّح وعيه واتسعت مداركه، مما أهّله لاحقًا لحضور بعض المجالس العلمية التركية في صنعاء. وقد وصفه الباحث عبدالله القيسي في هذه المرحلة بأنه «صانع الحلوى الشجاع، الجسور، صاحب القدرة الفائقة على المناظرات العلمية، اللبق، الجذاب».

في تلك المجالس كانت تُناقش قضايا علمية وأدبية، لكنها لم تكن تخلو من نقاشات سياسية تنتقد السلطان العثماني عبد الحميد وحكمه، الأمر الذي أتاح للمحلوي مزيدًا من الاطلاع والوعي السياسي. كما تعرّف في تلك الفترة على تاجر إيطالي كان يتردد على صنعاء، وهو – بحسب ما يقول المناضل محمد عبدالله الفسيل – «من الإيطاليين النوادر الذين يعتبرون الأرض وطن الإنسانية جميعها، وكان يعتقد أن على الإنسان أن ينشر المعرفة أينما وجد». فكان المحلوي يتردد عليه ويستمع منه إلى أحاديث في العلوم والفلسفة وتاريخ أوروبا وقصص الحرية، كما اطّلع على سير عدد من المصلحين في العالم العربي مثل جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده. وفي هذا السياق تشير الباحثة في التاريخ د. لمياء الكندي إلى أن «القراءة الواعية ونقد الكتابات الدينية كانت مهمة المحلوي الأولى في مواجهة خرافة السلالة وقدسية الطاعة المطلقة»، وهو ما أسهم في تشكيل وعيه التنويري المبكر.

مشروع التنوير وبداية المعارضة

 

من خلال هذه المعارف أدرك المحلوي حجم التخلف الذي تعيشه اليمن في ظل غياب التعليم والحرية، فتنامت لديه نزعة التنوير، وبدأ يدعو الشباب إلى معارضة الظلم والمطالبة بأن يكون لليمن نصيبها من التقدم والازدهار. وتضيف الكندي أنه «حاول فضح الموروث الديني والثقافي للإمامة وتوجيه النقد الدائم لها»، الأمر الذي جعل مشروعه يتجاوز الإصلاح الاجتماعي إلى نقد البنية الفكرية التي يستند إليها الحكم الإمامي.

ولم تكن هذه الدعوة سهلة في مجتمعٍ يرزح تحت وطأة الجهل والجمود، إذ تعرّض للسخرية من بعض العامة الذين أطلقوا عليه لقب «الأكسجين» نسبة إلى حديث له عن تكوين الهواء، فأصبح موضع تندر، غير أنه قابل ذلك بابتسامة الواثق بأن ما يزرعه من أفكار سيؤتي ثماره يومًا ما. ويشير القيسي إلى أنه «كان يتحيّن كل فرصة ليبذر أفكاره، حتى وهو يواجه السخرية، كان يدرك أن حديثه سيؤثر في بعضهم مع مرور الوقت».

 

النشاط الثوري والاعتقال

 

ومع اتساع نشاطه الفكري، تحوّلت المجالس التي يحضرها إلى ساحات حوار سياسي وديني جريء. وتوضح الكندي أن «دكان الحلاقة لعلي عبدالله الكوكباني كان دوحة للقاءات المحلوي مع نخبة من الموظفين الأتراك، حيث دارت حوارات سياسية ودينية تشكّلت فيها أفكاره القائمة على الحجة والمنطق»، كما كانت جلسات المقيل فرصة لنقاشات منطقية جريئة، كان يطرح فيها أفكاره فيقابلها البعض بالإنكار والتكذيب، حتى يقنعهم بالحجة. وقد نقل العزي صالح السنيدار في مذكراته مواقف متعددة تمكن فيها المحلوي من كسب عقول جلسائه بالحجة والمنطق.

ومع اتساع وعيه الفكري لم يعد المحلوي يكتفي بالنقد الثقافي، بل انتقل إلى معارضة الحكم القائم، فبعد انسحاب العثمانيين من اليمن وتسلّم الإمام يحيى حميد الدين زمام الحكم، أدرك المحلوي أن الحكم الجديد لا يختلف في جوهره عن سابقه من حيث الاستبداد وإقصاء التعليم الحقيقي، فقرر معارضته علنًا وكشف مظالمه. ويشير المناضل علي محمد عبده في كتابه «لمحات من تاريخ حركة الأحرار اليمنيين» إلى أن المحلوي كان سبّاقًا في هذا الموقف، إذ يقول: «كان الحاج محمد المحلوي أول من نبَّه وحذَّر المواطنين من تقبّل الإمام يحيى إمامًا بعد رحيل الأتراك، لأنه سيدمر كل شيء وسيلغي كل شيء». وقد التفّ حوله بعد ذلك عدد من الثوار والمثقفين المناهضين لحكم الإمام، من أبرزهم محمد صالح السنيدار، وحسين السياغي، وأحمد المطاع، وحسن الدعيس، وعبدالله العزب، وعبدالله سنين، وكانوا يعقدون اجتماعاتهم في منزل السنيدار، حيث تناقشوا في قضايا الإصلاح ومقاومة الاستبداد، لتشكل تلك الاجتماعات النواة الأولى للحركة الوطنية المناهضة للإمامة.

ويقدّم القيسي صورة حيّة عن تلك الاجتماعات بقوله: «كان يتعمد المحلوي أن يتكلم في السياسة فيقابلوه بالسخرية والضحك، وهو لا يتأثر بل يسايرهم في الضحك، إلا أنه كان يدرك أن حديثه رغم سخريتهم منه سيؤثر في بعضهم». وقد عُرف المحلوي بسعة اطلاعه وقدرته الفائقة على المناظرة في مختلف المعارف ويشير القيسي إلى أن «قصصًا كثيرة تُروى عن مناظراته في علوم شتى، وكان سريع البديهة قوي الحجة يبذر أفكاره في مشيه وجلوسه وعند الحلاق وفي السوق».

 

السجن والنهاية

 

ومع تزايد تأثيره الفكري والسياسي، بدأت سلطة الإمام يحيى تنظر إليه وإلى رفاقه باعتبارهم خطرًا يهدد شرعية الحكم، فأُطلقت حولهم الإشاعات واتُّهموا بتهم دينية وسياسية، منها اختصار القرآن الكريم وسب آل البيت والعمالة للإنجليز والنصارى، في محاولة لتشويه صورتهم أمام المجتمع. وتضيف الكندي أن جلسات المقيل التي كان يحضرها «دفعت سلطات الإمامة إلى إرسال الجواسيس لمراقبة تلك الحلقات الحوارية والتضييق عليه»، وهو ما مهّد لمرحلة الاعتقال.

وقد سعى بعض المقربين من الإمام، ممن كانوا يميلون إلى أفكار المحلوي ورفاقه، إلى إقناعه بإطلاق سراحهم، فوافق على الإفراج عن بعضهم، لكنه أقسم أن المحلوي لن يخرج من السجن إلا إذا وافق على مغادرة صنعاء. غير أن المحلوي رفض هذا الشرط، مفضلًا البقاء في السجن على أن يُنفى عن مدينته وقضيته، فظل معتقلاً حتى تدهورت صحته بشدة. ومع تدهور حالته الصحية تراجع الإمام عن شرطه، فخرج المحلوي من سجنه مريضًا منهكًا، ولم يمض وقت طويل حتى توفي عام 1936م، ليكون – كما وصفه السنيدار – «أول ضحايا الحرية في تلك القضية».

وقد ترك المحلوي أثرًا عميقًا في الحياة الفكرية والسياسية في اليمن، إذ يقول القيسي أن «المحلوي استقطب النواة الأولى من ثوار الفكر والسياسة الذين صنعوا فيما بعد ثورتي 1948 و1962»، وهو ما يبرز مكانته بوصفه أحد رواد التنوير المبكر في اليمن الحديث.

وهكذا رحل محمد عبدالله المحلوي عام 1936م بعد حياة قصيرة حافلة بالنضال الفكري والسياسي، لكنه ترك إرثًا تنويريًا ظل حاضرًا في الوعي الوطني اليمني، بوصفه صوتًا مبكرًا دعا إلى الحرية والإصلاح في زمنٍ كان مجرد التفكير فيهما مغامرة قد يدفع صاحبها حياته ثمنًا لها.