هل يملك المحافظ سلطة توصيف العاصمة؟ قراءة دستورية في إعلان «العاصمة عدن»
يوماً بعد آخر، يُظهِر سلوك وزير الدولة محافظ عدن عبدالرحمن شيخ وكأنه يتصرف خارج مقتضى اليمين الدستورية التي أداها عند تعيينه في هذا المنصب. وفي أحدث حلقات هذه التصرفات – التي قد لا تكون الأخيرة – إعلان المحافظ خلال اجتماعه مع مجموعة من الإعلاميين والناشطين مساء السبت الموافق 21 فبراير 2026، بأنه بصدد اعتماد مسمى "العاصمة عدن" بدلاً من توصيفها كمحافظة وعاصمة مؤقتة، وأنه سيتم تعميم هذه التسمية في المراسلات الرسمية والوثائق.
تصريحات المحافظ وخطوات رسمية مثيرة للجدل
وبالفعل، وبعد ساعات من تلك التصريحات، جرى تحديث الصفحة الرسمية للسلطة المحلية في عدن على منصة فيسبوك بالمسمى الجديد "العاصمة عدن"، مع حذف تسمية "الجمهورية اليمنية" والطير الجمهوري الذي يُعد جزءاً من الهوية الدستورية في مسميات المحافظات.
وتأتي هذه الخطوة ضمن نهج طبع سلوك المحافظ منذ تعيينه، إذ تجاهل رفع العلم الوطني في مكتبه أثناء الاجتماعات الرسمية، ولم يضع شعار الطير الجمهوري خلفه في مكتبه، إضافة إلى ظهوره في حملة إعلانية في شوارع المدينة وخلفيته علمٌ انفصالي، وهو ما يُنظر إليه باعتباره ممارسات تقوّض وحدة الدولة وتُضفي غطاءً رسمياً على خطاب سياسي انفصالي.
ويرى متابعون أن خطوة تسمية عدن كعاصمة دائمة تمثل مؤشراً على استهانة المحافظ بمسؤولياته الدستورية وتجاهله لحدود صلاحياته، في وقت يُفترض فيه أن يكون الالتزام بالدستور والقانون أساساً في بنية أي دولة. كما يلفتون إلى أنه، منذ تعيينه في منصبه وهو محسوب على المجلس الانتقالي الجنوبي ذي التوجه الانفصالي، تحدث في أكثر من مناسبة لفترات طويلة دون أن يذكر اسم "اليمن" ولو لمرة واحدة، مكتفياً باستخدام مصطلح "الوطن"، وهو ما يفسّره البعض بأنه انسجام مع توجهه السياسي أكثر من كونه مجرد اختيار لغوي عابر.
تداعيات سياسية وقانونية على وحدة الدولة
ما يقوم به المحافظ لا يمثل مفاجأة بقدر ما يعكس مساراً سياسياً واضحاً، فيما تكمن المفاجأة – بحسب منتقدي المحافظ – في قرار تعيينه نفسه، رغم افتقاره إلى الصفات التي يفترض أن يتحلى بها محافظ عدن، وفي مقدمتها الولاء للدولة وثوابتها الوطنية، والالتزام بالدستور والقانون، واحترام القسم الدستوري، والتقيد بالصلاحيات المحددة دون تجاوز أو توظيف المنصب لخدمة مشاريع سياسية قد تقوض الدولة من الداخل.
وتطرح هذه الرؤية سردية تستحضر أخطاء الماضي التي أوصلت البلاد إلى أزماتها الحالية، وفي مقدمتها سياسة المهادنة واحتواء شخصيات سياسية دون اشتراط تخليها عن مشاريعها الانفصالية، الأمر الذي شجع – وفق هذا الطرح – على استمرار ما يُوصف بلعبة الابتزاز السياسي على حساب الدولة. واليوم، يرى أصحاب هذا الرأي أن النهج ذاته يتكرر رغم فشل نتائجه السابقة، حيث يتصرف المحافظ – بوصفه ممثل السلطة المحلية في المدينة – على نحو يُعد مخالفاً للدستور دون وجود رد فعل واضح من الحكومة أو مجلس القيادة الرئاسي.
ومن المتوقع في حال استمرار غياب المساءلة أن يدفع هذا النهج مسؤولين أدنى في هرم السلطة بالمحافظة أو في محافظات أخرى إلى اختيار السلوك ذاته، طالما شعروا بوجود مظلة أمان قانونية وأن من غير المرجح إقالتهم أو محاسبتهم. وبناءً على ذلك، يعتبرون أن استمرار هذا النهج يشكل خطراً على الدولة ووحدتها وتماسك مؤسساتها، ويقوّض أسس الحكم الدستوري وسيادة القانون.
صلاحيات السلطة المحلية في ميزان الدستور
وفي السياق القانوني، يشير مختصون إلى أن الدستور حدّد شكل الدولة ونظامها ووضع العاصمة، وأن أي تعديل في وضع العاصمة (دائمة أو مؤقتة) يُعد شأناً دستورياً وسيادياً لا يمكن إنشاؤه بقرار إداري محلي. وينص دستور الجمهورية اليمنية في المادة (1) على أن الدولة جمهورية موحدة لا تتجزأ، ولا يجوز لأي سلطة محلية أن تتصرف بما يمسّ وحدة الدولة أو نظامها العام.
كما أن التعديلات ذات الطابع الدستوري لا تتم إلا عبر الآليات الدستورية المتمثلة بالسلطة التشريعية والاستفتاء، ما يعني أن تغيير توصيف مدينة إلى "عاصمة دائمة" لا يُعد إجراءً إدارياً أو خدمياً، بل مسألة تمسّ البنية الدستورية للدولة واختصاصات سلطاتها العليا.
ويحدد قانون السلطة المحلية اليمني بدقة صلاحيات المحافظ والمجلس المحلي، إذ إن المحافظ يُعد رئيس السلطة التنفيذية في نطاق المحافظة، ويمارس اختصاصات إدارية وتنفيذية تتعلق بإدارة المرافق والأمن المحلي وتنفيذ القوانين ومتابعة الإيرادات، لكنه لا يملك صلاحية تعديل الوضع القانوني أو الدستوري للمحافظة أو إعادة توصيفها سياسياً.
وتؤكد القاعدة القانونية أن الاختصاص محدد بنص، وما لم يُمنح صراحة لا يجوز ممارسته، ولا يوجد في القانون أي نص يمنح المحافظ حق تقرير صفة العاصمة أو تغييرها.
وبناءً على ذلك، يرى قانونيون أن إصدار توجيه باعتماد توصيف "عاصمة دائمة" يُعد قراراً صادراً من غير مختص، ومشوباً بعيب عدم الاختصاص الجسيم، وقابلاً للإلغاء أمام القضاء الإداري.
كما أن القرار، من حيث مبدأ المشروعية، بلا سند قانوني، ما يجعله مخالفة دستورية تمسّ سلطات الدستور، ويُنظر إلى هذه المخالفة بوصفها ذات أبعاد سياسية تتجاوز الإطار الإداري.
ويمكن كذلك الاستناد إلى قانون القضاء الإداري عند الطعن، والذي يجيز إلغاء القرارات المشوبة بعدم الاختصاص أو مخالفة القانون، حيث يحق للجهات المتضررة أو المعنية الطعن في مثل هذه القرارات أمام المحكمة الإدارية، بوصفها الجهة المختصة بمراقبة مشروعية القرارات الإدارية والتأكد من توافقها مع الدستور والقانون.
وفي المحصلة، يرتبط هذا المسار السياسي لسلوك المحافظ مع الخطوة الأخيرة المتعلقة بتغيير توصيف عدن، مما يضع هذه القضية في إطار أوسع يتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة المحلية والمرجعية الدستورية للدولة.
ومن شأن استمرار مثل هذه الممارسات دون حسم قانوني أو سياسي واضح أن يفتح الباب أمام سوابق إدارية تتجاوز حدود الاختصاص، وهو ما قد ينعكس سلباً على تماسك مؤسسات الدولة ووحدة بنيتها الدستورية على المدى البعيد.