اليمن الكبير.. الوحدة وآفاق المستقبل الاتحادي

منير عبدالله الحمادي

يحلّ الثاني والعشرون من مايو كل عام بوصفه محطة مفصلية في التاريخ اليمني الحديث، فهو ليس مجرد تاريخ لإعلان سياسي عابر، بل لحظة تاريخية تجسدت فيها آمال أجيال من اليمنيين الذين جمعتهم روابط الدين والتاريخ والهوية والجغرافيا، بينما فرّقتهم ظروف السياسة والانقسامات الشطرية لسنوات طويلة. وتأتي هذه المناسبة اليوم لتفتح الباب أمام قراءة أكثر عمقًا لمسيرة الوحدة اليمنية، قراءة تستحضر الحلم الأول، وتقف عند المنعطفات الصعبة، وتبحث عن آفاق المستقبل.

لم تكن الوحدة اليمنية التي أُعلنت عام 1990 حدثًا مفاجئًا أو قرارًا لحظيًا، بل جاءت امتدادًا لفكرة وطنية ترسخت لعقود طويلة في وجدان الحركة الوطنية شمالًا وجنوبًا خلال مراحل النضال ضد الاستعمار والكهنوت. فقد رأى اليمنيون في الوحدة مشروعًا جامعًا يعيد للدولة حضورها السياسي والجغرافي، ويمنحها ثقلاً استراتيجيًا في محيطها الإقليمي، كما أنها أنهت حالة الاستنزاف الناتجة عن الصراعات الحدودية وفتحت الباب أمام بناء سوق اقتصادية موحدة ومساحة بشرية وجغرافية أكثر قدرة على تحقيق التنمية.

وعند الحديث عن لحظة التأسيس، يبرز الدور المحوري الذي لعبته القيادات الجنوبية في الدفع بالمشروع الوحدوي. فقد مثّل عدد من القادة الجنوبيين ركيزة أساسية في بناء هذا التصور الوطني، وكان من أبرزهم المناضل عبد الفتاح إسماعيل الذي تبنى الوحدة باعتبارها خيارًا استراتيجيًا منذ سبعينيات القرن الماضي، وعمل على ترسيخها فكريًا وسياسيًا داخل أدبيات الحركة الوطنية في الجنوب.

كما يظل اسم علي سالم البيض حاضرًا بوصفه أحد أبرز شركاء التأسيس، إذ ارتبط بإعلان الوحدة وبقرار الدخول في مشروع سياسي كبير تجاوز الحسابات الضيقة نحو تحقيق حلم وطني أوسع. وقد مثّلت المؤسسات الإدارية والمدنية التي امتلكها الجنوب آنذاك أحد أبرز العناصر التي أضافت للمشروع الوحدوي بُعدًا تنظيميًا مهمًا.

لكن مسيرة الوحدة لم تمضِ في طريق خالٍ من العقبات. فقد شهدت السنوات اللاحقة أحداثًا وتحولات أثرت بصورة مباشرة على طبيعة المشروع ومساره. وكانت حرب صيف 1994 من أبرز تلك المنعطفات، إذ تركت آثارًا سياسية واجتماعية عميقة، وأسهمت في ظهور مشاعر متزايدة بالاستبعاد والتهميش، خصوصًا مع ما تلاها من قرارات مرتبطة بإقصاء عدد من الكوادر المدنية والعسكرية، الأمر الذي أسهم لاحقًا في نشوء حركات احتجاجية جنوبية عبّرت عن مطالب سياسية وحقوقية مختلفة.

كما أسهمت التطورات السياسية اللاحقة، بما فيها الانتخابات البرلمانية والرئاسية في فترات مختلفة، في إعادة تشكيل المشهد السياسي اليمني، حيث تصاعدت الانتقادات المرتبطة بتركّز السلطة وضعف المشاركة السياسية، وهو ما دفع قوى متعددة إلى البحث عن صيغ جديدة للشراكة والتوازن السياسي.

ورغم تلك التحديات، ظلت فكرة الوحدة حاضرة في خطاب كثير من القيادات والمفكرين الذين ميّزوا بين المبدأ ذاته وبين آليات تطبيقه. فقد اعتبر العديد منهم أن الإشكال لم يكن في الوحدة باعتبارها هدفًا وطنيًا، وإنما في السياسات والممارسات التي صاحبت إدارتها لاحقًا، وفي غياب المؤسسات القادرة على ضمان العدالة والشراكة المتوازنة.

وخلال السنوات الأخيرة، ومع المتغيرات السياسية التي شهدها اليمن بعد عام 2011 وما أعقبها من حوارات وتسويات، برزت مطالب تتعلق بضرورة بناء صيغة جديدة للعلاقة بين مكونات الدولة. ومن هنا جاءت فكرة الدولة الاتحادية باعتبارها أحد المقترحات التي سعت إلى تقديم نموذج أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين وحدة الدولة وخصوصية الأقاليم، من خلال توزيع السلطة والثروة بصورة أكثر عدالة وإنهاء المركزية المفرطة وتعزيز الشراكة الوطنية.

وفي النهاية، تبدو التجربة اليمنية بحاجة إلى قراءة هادئة تتجاوز الأحكام العاطفية والانقسامات السياسية. فالوحدة، في جوهرها، لم تكن يومًا أزمة بحد ذاتها، وإنما ظلت مشروعًا وطنيًا كبيرًا ارتبط نجاحه بوجود مؤسسات عادلة وشراكة حقيقية وسيادة للقانون. وما يزال المستقبل مفتوحًا أمام اليمنيين لإعادة بناء هذا المشروع بصورة تستجيب لتطلعاتهم وتؤسس لدولة تتسع للجميع.