"الأحمدي" يسرد رحلة تجميل الانفصال من الضاحية إلى أبوظبي.. تقبيح الوحدة من نشوة 94 إلى عشرية الانتقالي السوداء

2026-05-22 18:33 الهدهد - خاص
الأمين العام المساعد لحركة النهضة "علي الأحمدي"
الأمين العام المساعد لحركة النهضة "علي الأحمدي"

اعتبر السياسي اليمني "علي الأحمدي"، أن الوحدة اليمنية التي مثلت حلماً وقيمة عظيمة لكل يمني وعربي، تعرضت لانتكاسات كبرى نتيجة تحويلها من "مشروع وطني جامع" إلى "أداة في صراع سياسي" ضيق، مؤكداً أن الأزمات التي تلتها لم تكن ناتجة عن المفهوم ذاته، بل عن ممارسات القوى التي أدارتها.

جاء ذلك في ندوة حوارية نظمتها منصة "الهدهد" الرقمية عبر مساحة في منصة "إكس" ناقشت "الوحدة اليمنية والدولة الوطنية المنشودة"، وشارك فيها باحثون وسياسيون من مشارب سياسية يمنية مختلفة، كما شهدت مداخلات أثرت القضية بالتزامن مع الذكرى الـ 36 لعيد الوحدة اليمنية 22 مايو.

"الأحمدي" وهو الأمين العام المساعد لحركة النهضة، سرد ظروف عام الوحدة 1990، مشيراً إلى أنها كانت مهيأة تماماً لتحقيق هذا المنجز، حيث حظي بتأييد شعبي جارف وإرادة سياسية من النظامين آنذاك. لكنه استدرك قائلاً: "الإشكالية التي لحقت بالوحدة هي دخولها في إطار الصراع السياسي، ومع الأسف الشديد، الصراع دائماً ما يقبّح الجميل ويجمّل القبيح".

وأشار إلى أن الصراع لم يقتصر على الممارسات الميدانية فحسب، بل سُخرت إمكانيات دول وأجندات سياسية لتكريس الانقسام وتشويه قيمة الوحدة في وعي الأجيال، محمّلاً النظامين اللذين حكما الشمال والجنوب مسؤولية الوصول إلى "نقطة الانفجار".

وأوضح أن الخلافات التي عصفت بالشراكة عقب انتخابات 1993 كانت البداية الفعلية للانهيار، وقال إن "هناك نظامان اختلفا عقب انتخابات 93، وكلاهما يتحمل ملاحظات وإشكالات جوهرية تسببت في الصراع الذي أدى في نهاية المطاف إلى حرب صيف 94".

واستبعد "الأحمدي" أن تكون المشكلة في "أبجديات الوحدة"، مشيراً إلى أن الأضرار ناتجة عن عمل سياسي ممنهج وممارسات خاطئة على الأرض، وليست خللاً في القيمة المطلقة للوحدة. 

وشدد على ضرورة فهم هذه التعقيدات من قبل الأجيال الجديدة، لتدرك أن ما يراه الناس اليوم من تشوهات ليس هو الجوهر الأصيل للمشروع الذي تغنى به اليمنيون لعقود.

وعن مآلات الوحدة بعد حرب صيف 1994،  اعتبر السياسي اليمني "الأحمدي" هزيمة "مشروع الانفصال" حينها لم تكن عسكرية فحسب، إنما كانت نتيجة عزلة سياسية عاشها النظام الذي كان يحكم الجنوب قبل الوحدة، قبل أن تساهم أخطاء "نظام المنتصر" في صنعاء بفتح الباب مجدداً لتيارات فك الارتباط.

ولفت إلى أن الشرعية التي انتصرت كانت تضم "مختلف اليمنيين المؤمنين بمشروع الوحدة، سواء شماليين أو جنوبيين" مشيراً أن مشكلة النظام الجنوبي الذي كان شريكاً في الوحدة أنه مكون محدود، صنع صراعاته منذ ما قبل الاستقلال في الجنوب، مع كل المكونات وصولاً إلى صراعه مع الشعب نفسه، وذلك بإقصاء النخب وضرب المكونات المجتمعية والتجارية والسياسية، ومنع التعددية السياسية.

الاشتراكي.. دخل معركة 94 وحيداً 

وقال: إن الطرف الذي أعلن الانفصال آنذاك (الحزب الاشتراكي) دخل المعركة وحيداً، مشيراً إلى أن تاريخه في إقصاء النخب الجنوبية قبل الوحدة كان سبباً في اصطفاف القوى الجنوبية الأخرى مع "الشرعية والوحدة".

وأضاف "لهذا السبب، عندما قامت الحرب، كانت معظم المكونات الجنوبية في صف الوحدة والشرعية، بينما بقي الفصيل الذي فقد سلطته متمسكاً بمعاداة المشروع الذي أفقده نفوذه، مستغلاً في وقت لاحق أخطاء الطرف المنتصر".

وبرأي "الأحمدي" فإن الطرف الأهم في تعقيد أزمة الوحدة هو "النظام السياسي ما بعد 94"، بقيادة الرئيس الراحل "علي عبدالله صالح" وحزب المؤتمر الشعبي العام، وبمشاركة الأحزاب والنخب المثقفة والقيادات الجنوبية التي بقيت في صنعاء.

وحمّل القوى المسؤولية عن عدم الوقوف بحزم ضد الانحرافات التي طالت مفهوم الوحدة، وعدم مراعاة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين مجتمعين بنظامين مختلفين، وكذلك عدم توفير حماية لمجتمع كان يعتمد كلياً على الدولة وفق النموذج الاشتراكي، طوال 23 عاماً.

وأكد أن المجتمع الجنوبي كان يعيش ضمن منظومة اشتراكية تعتمد بشكل رئيسي على الدولة، ما جعل آثار التحولات بعد الوحدة أكثر تعقيدًا، معتبرًا أنه كان من المفترض مراعاة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ووضع معالجات تحمي المجتمع الجنوبي وتساعده على التكيف مع الواقع الجديد بعد تحقيق الوحدة.

الاشتراكي.. اقتناص أخطاء الخصوم 

وتطرق إلى الكواليس السياسية التي أدت إلى تحول الحزب الاشتراكي اليمني من "عراب للوحدة" إلى معارض لها عقب حرب صيف 1994، مؤكداً أن الحزب أجاد "اقتناص أخطاء الخصوم" لإعادة تسويق مشروع الانفصال كمخرج وحيد من المظالم التي تلت الحرب.

بهذا الشأن، أشار "الأحمدي" إلى أن الحزب الاشتراكي، الذي كان وحدوياً في نشأته وتأسيسه، دخل مرحلة "تقبيح الوحدة وتجميل الانفصال" ليس من منطلق مبدئي، بل من باب "المنفعة الحزبية والسياسية" الصرفة، بهدف استعادة السلطة والنظام اللذين فقدهما في معركة 94.

وقال: "بقيت جذوة المعاداة لمشروع الوحدة حية لدى هذا الفصيل السياسي لأنه كان يرى فيه السبب المباشر لفقدانه امتيازات الحكم، فسخر كل إمكانياته وقياداته الثقيلة المتبقية في مفاصل الدولة لخدمة هذا التوجه".

اقتناص الأخطاء

وأشار الأحمدي إلى أن النظام السياسي الذي تشكل بعد الحرب، نظام علي عبدالله صالح وشركائه، قدم "هدايا مجانية" لخصومه عبر ممارسات خاطئة على الأرض، وهو ما مكن التيار المهزوم عسكرياً من ركوب موجة المظلومية.

وقال الأمين العام المساعد لحركة النهضة، إن النظام السياسي بعد حرب 1994، بقيادة الرئيس "صالح" تعامل مع المرحلة بـ”نشوة المنتصر”، دون الالتفات إلى معالجة المظالم التي تعرض لها المجتمع الجنوبي.

وأسف "الأحمدي" من أن الأحزاب السياسية لم تتبنَّ كذلك خلال تلك المرحلة أي مشروع حقيقي لإعادة دمج المجتمع الجنوبي أو إعادة تأهيل كوادره، مشيرًا إلى أن السنوات التي أعقبت الحرب وحتى بروز الحراك الجنوبي شهدت غيابًا لأي جهود سياسية أو مجتمعية لترميم الأضرار التي لحقت بالمجتمع.

ولفت إلى ما تعرض له "الجنوب"، خلال سنوات الحكم الاشتراكي، من تحولات عميقة طالت البنية القبلية والدينية والاقتصادية والسياسية، موضحًا أن القبيلة “ضُربت طوال 23 عامًا”، كما أُضعفت المدارس الشرعية والمراكز الدينية، وغادر رجال الأعمال البلاد، فيما غابت التعددية السياسية وحرية الصحافة.

واعتبر "الأحمدي" أن هذه التراكمات ساهمت في خلق “مجتمع مكلوم”، لم يجد من يخفف معاناته أو يعالج قضاياه، الأمر الذي أتاح ـ بحسب قوله ـ المجال أمام تيار سياسي خسر السلطة لاستثمار تلك المظالم والعودة إلى المشهد السياسي.

إزاء ذلك، قال "التيار السياسي الخارج من السلطة استطاع أن يركب هذه الفكرة أو المظلمة لكي يصل إلى مبتغاه والعودة للسلطة"، مشيراً إلى أن هذا التيار تمثل لاحقاً بـ "المجلس الانتقالي الجنوبي"، الذي قال إنه “استباح مدينة عدن 10 سنوات وتمدد إلى أبين وشبوة وحضرموت”، معتبراً أن ذلك قاد إلى مزيد من التعقيد في القضية الجنوبية.

إيران.. تدخل خارجي أول بعد الوحدة

وعن الدور الإيراني المبكر، أكد السياسي "الأحمدي" أن تدخل طهران كان "أول تدخل خارجي" في اليمن عقب حرب 94، استغل حالة السخط الشعبي، موضحاً أن استضافة إيران لـ "علي سالم البيض" في بيروت، وفتح منصات إعلامية من "الضاحية الجنوبية"، كان نقطة التحول.

وأضاف أن القنوات والمنابر الإعلامية المرتبطة بذلك لعبت دورًا في "شيطنة الوحدة اليمنية"، والترويج لفكرة أن الانفصال يمثل الحل للأزمات التي يعاني منها المواطنون، متجاهلة ـ بحسب تعبيره ـ ما تحقق بعد الوحدة من مكاسب سياسية وتنموية.

وأشار إلى أن التدخلات الخارجية تصاعدت بعد عام 2011، وأسهمت في انحراف مسار الحراك الجنوبي، الذي قال إنه بدأ “مطلبياً وسلمياً”، قبل أن يتحول إلى ساحة للتجاذبات والارتهانات الإقليمية والدولية.

في المقابل، حمّل النخبة السياسية التي حكمت بعد 94، بمن فيهم الرئيس السابق "عبدربه منصور هادي" والأحزاب المشاركة، مسؤولية تفاقم المظلمة التي منحت التدخل الخارجي موطئ قدم في الجسد اليمني، مؤكداً أن إغفال إعادة تأهيل الكوادر ودمج المجتمع كان الثغرة التي نفذ منها الخصوم لتفكيك النسيج الوطني.

الإمارات والانتقالي واستغلال "القضية الجنوبية" 

وتحدث السياسي "الأحمدي" عن الدور الإماراتي في اليمن، مؤكداً أنه انحرف من "تدخل وظيفي" لدعم الشرعية عام 2015 إلى استغلال المظلومية الجنوبية لتشكيل كيانات سياسية وعسكرية تدين بالولاء لأبوظبي، مما أدخل القضية الجنوبية في "نفق الأطماع الخارجية".

وأوضح أن التدخل الإماراتي بدأ في إطار التحالف العربي لاستعادة الدولة ووحدة اليمن، لكنه سرعان ما اتخذ من "القضية الجنوبية" مدخلاً لفرض أجندات خاصة. 

وأشار إلى أن هذا التوجه بدأ بالضغط لتعيين شخصيات محددة في مفاصل الدولة، مثل محافظ عدن السابق عيدروس الزبيدي ومدراء أمن وقيادات عسكرية، وتأسيس تشكيلات "الحزام الأمني" و"الدعم والإسناد" خارج إطار مؤسسات الدولة.

وأضاف أن مشروع دعم "المجلس الانتقالي الجنوبي" لم يكن معلنًا في بدايته، لكنه برز بشكل واضح عقب قرار الرئيس اليمني السابق إقالة عدد من تلك القيادات، الأمر الذي أعقبه الإعلان عن تشكيل.

وأشار إلى أن تشكيل المجلس الانتقالي “لم يأتِ نتيجة حوارات جنوبية داخلية”، بل جرى ـ بحسب قوله ـ عبر ترتيبات مسبقة ودعم إماراتي مباشر، لافتًا إلى أن أسماء قياداته “كانت معدة ومنسقة مسبقًا”.

في هذا السياق اتهم "الأحمدي" التدخلات الخارجية بالتسبب في “ارتهان القضية الجنوبية”، مشيرًا إلى ما وصفه بمحاولات توسيع النفوذ في محافظات حضرموت والمهرة وشبوة، إلى جانب الارتباطات الإقليمية التي قال إنها أدخلت القضية الجنوبية في “محاور وصراعات لا تخدم اليمن”.

وأكد أن الأخطاء التي ارتكبها النظام السياسي بعد حرب 1994، إلى جانب ما وصفه بـ”انتهازية بعض القوى السياسية” والتدخلات الخارجية، سواء الإيرانية أو الإماراتية، أسهمت في إضعاف مشروع الوحدة اليمنية وتشويه صورته لدى قطاعات من المجتمع.

عشرية الانتقالي السوداء 

وقال الأمين العام المساعد لحركة النهضة، إن مرور نحو 35 عامًا على تحقيق الوحدة اليمنية يستوجب مراجعة شاملة للأخطاء التي جعلت هذا “المكسب العظيم” عرضة للاستغلال والصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية.

وأوضح أن القضية الجنوبية لا يمكن اختزالها في قضايا الأراضي أو الرواتب، بل تتعلق ـ بحسب وصفه ـ بمجتمع تعرض لاختلالات عميقة في الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، مشددًا على ضرورة إعادة الثقة للمحافظات الجنوبية ومعالجة آثار المراحل السابقة.

وبرأي "الأحمدي" فإن أزمة السلطة كانت من أبرز الإشكالات التي رافقت الوحدة اليمنية، معتبرًا أنها كانت سببًا رئيسيًا في اندلاع حرب 1994 وإعلان الانفصال آنذاك، قبل أن تُستغل القضية الجنوبية لاحقًا من قبل قوى سياسية سعت للعودة إلى السلطة.

وأشار إلى أن معالجة القضية الجنوبية تتطلب إعادة الاعتبار للمجتمع الجنوبي، إلى جانب إيجاد حلول حقيقية لمشكلة الشراكة في السلطة، لافتًا إلى أن اليمنيين كانوا قريبين من الوصول إلى “مسار مناسب” عبر مخرجات الحوار الوطني، قبل أن تعرقل ذلك التطورات اللاحقة، بما فيها انقلاب الحوثيين في صنعاء، وتحركات في عدن والمحافظات الجنوبية.

وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب التوافق على “فكرة جامعة” تجمع اليمنيين بمختلف مناطقهم وتوجهاتهم، داعيًا إلى تبني الحوار كوسيلة لمعالجة الخلافات السياسية والقضايا الوطنية.

وفي السياق، "رحب الأحمدي" بأي حوار جنوبي ـ جنوبي، لكنه شدد على أن القضية الجنوبية “شأن يمني عام” لا يخص أبناء الجنوب وحدهم، معتبرًا أن أي حوار يجب أن يكون جزءًا من حل وطني شامل يقوم على الاعتراف بالآخر وفتح المجال أمام جميع المكونات لطرح رؤاها دون فرض أو إقصاء.

وانتقد ما وصفه بغياب ثقافة الحوار في الجنوب منذ عقود، مشيرًا إلى أن المراحل السياسية المتعاقبة، سواء قبل الاستقلال أو بعده، قامت ـ بحسب تعبيره ـ على الصراع وفرض القوة، بما في ذلك مرحلة الذهاب إلى الوحدة اليمنية.

كما اتهم بتكرار النهج ذاته منذ عام 2016، عبر “فرض الأمر الواقع واستخدام القوة”، معتبراً أن الحوار الحقيقي يظل السبيل الأهم لتجاوز الأزمات وحلحلة القضايا العالقة المتعلقة بإدارة الدولة وتوزيع السلطة وإعادة الاعتبار لمختلف المناطق اليمنية.