ستة وثلاثون عاماً.. والوحدة التي ما تزال تسكن وجدان اليمنيين

محمد علي مفتاح

في الذكرى السادسة والثلاثين لعيد الثاني والعشرين من مايو، يقف اليمنيون أمام واحدة من أعظم صفحات تاريخهم الحديث؛ اليوم الذي ارتفعت فيه راية الوطن الواحد بعد عقود طويلة من الانقسام والتشظي، يوم التقت عدن بصنعاء، وتعانقت الجبال بالسهول، والسواحل بالوديان، ليولد حلم ظل يسكن قلوب اليمنيين جيلاً بعد جيل.

لقد كان الثاني والعشرون من مايو 1990 يوماً مختلفاً في ذاكرة الوطن؛ يوماً خرج فيه الناس إلى الشوارع وهم يحملون فرحة بحجم اليمن الكبير، ويرددون اسم الوطن وكأنه ولادة جديدة لتاريخ طويل من النضال والتضحيات.

لم تكن الوحدة مجرد توقيع سياسي أو اتفاق عابر، بل كانت حلماً شعبياً عظيماً صنعته دماء الثوار والمناضلين الذين قاوموا الاستعمار والكهنوت، وقدموا أرواحهم من أجل أن يبقى اليمن موحداً حراً مستقلاً. ومن رحم ثورتي السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر، جاءت الوحدة لتكون الامتداد الطبيعي لنضال اليمنيين عبر التاريخ، فقد أدرك اليمنيون أن قوتهم في وحدتهم، وأن مستقبلهم لا يمكن أن يُبنى على الفرقة والانقسام مهما اشتدت الظروف وتعاظمت التحديات.

وعندما يُذكر عيد الوحدة، تتجدد في الذاكرة صور القادة والرموز الوطنية الذين حملوا مسؤولية تحقيق هذا الحلم، وفي مقدمتهم الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، وعلي سالم البيض، وغيرهما من الشخصيات الوطنية التي شاركت في صناعة هذا الحدث التاريخي الذي غيّر وجه اليمن إلى الأبد. كما تحضر في الوجدان أسماء الشهداء والمناضلين الذين مهدوا الطريق للوحدة بدمائهم ووعيهم وصبرهم الطويل.

لقد مر اليمن بعد الوحدة بمحطات صعبة، وحروب وأزمات أثقلت كاهل الوطن وأرهقت شعبه، لكن ذكرى الثاني والعشرين من مايو تبقى أكبر من كل الخلافات، لأنها تمثل هوية وطن، وتاريخ شعب، ووجدان أمة كاملة.

فالوحدة بالنسبة لليمنيين ليست مجرد حدود جغرافية، بل شعور عميق بالانتماء المشترك، وامتداد حضاري ضارب في أعماق التاريخ، من ممالك سبأ وحمير وقتبان، إلى حاضر يبحث فيه اليمنيون عن السلام والاستقرار والكرامة.

وفي هذه الذكرى السادسة والثلاثين، يعود اليمنيون للتأمل في معنى الوطن الحقيقي، ويتذكرون أن الأوطان لا تُبنى بالكراهية، ولا تستقر بالفرقة، وأن اليمن الذي صمد عبر القرون أمام الغزاة والأزمات، قادر على أن ينهض من جديد مهما اشتدت المحن.

فاليمن ليس مجرد أرض، بل روح تسكن أبناءه؛ صوت أذان يرتفع من المآذن، وأغنية شعبية تتردد في الحقول، ورائحة البن في الجبال، وحكايات الأجداد التي تحفظها الذاكرة جيلاً بعد جيل.

سيظل الثاني والعشرون من مايو يوماً خالداً في قلوب اليمنيين، وستبقى الوحدة أملاً متجدداً يسكن ضمير كل من يحب هذا الوطن الكبير، لأن اليمن مهما تعثر يبقى وطناً واحداً تجمعه اللغة والتاريخ والدم والمصير.

ولأن الشعوب العظيمة قد تمرض لكنها لا تموت، فإن اليمن سيبقى شامخاً كما عرفه التاريخ؛ أرض الحضارة والإنسان، وموطن الكبرياء الذي لا ينكسر.