الشيخ عمرو بن حبريش: من "خيمة العزاء" إلى "رأس الحربة".. ما مصيره بعد سقوط وادي حضرموت؟
لم يأتِ هذا الشاب من أروقة الأحزاب السياسية، ولا من ثكنات الكليات العسكرية، بل جاء من عمق الهضبة ومن صميم "المطارح" القبلية، ليتحول في غضون عقد من الزمن من "وريث للدم" إلى "مهندس للسياسة"، جامعاً في يده سلطة القبيلة (الحلف) وشرعية التوافق (الجامع) ونفوذ الدولة (السلطة المحلية).
النشأة والتكوين: سليل "الحموم" الأشدّاء
ينحدر عمرو بن حبريش من قبيلة "الحموم"، وهي واحدة من أشرس وأقوى الاتحادات القبلية في حضرموت، تسكن الهضبة والساحل وتعرف بتاريخها الطويل في مقاومة السلطات المركزية المتعاقبة التي حاولت تهميشها. نشأ عمرو في كنف عمه، الزعيم القبلي الكاريزمي سعد بن حبريش، مؤسس "حلف قبائل حضرموت". في تلك المدرسة القبلية الصارمة، تعلم عمرو "الحكمة والصمت"، وهي صفات ستلازمه لاحقاً. لم يكن حينها في واجهة المشهد، بل كان الظل الهادئ لعمه، يراقب كيف تُدار التحالفات وكيف تُحل النزاعات، مُتشرباً أعراف "السليف" القبلي التي ستصبح لاحقاً ذخيرته الحية في معارك السياسة.
2013: اللحظة الفاصلة.. ميراث الدم
كان تاريخ 2 ديسمبر 2013 هو الفاصل الزمني الذي غيّر حياة عمرو بن حبريش وحياة حضرموت بأكملها. عند نقطة تفتيش عسكرية في مدخل مدينة سيئون، اغتيل عمه الشيخ سعد بن حبريش ومرافقوه برصاص جنود يتبعون الجيش اليمني (آنذاك). سقط "الرأس" القبلي، وظن الكثيرون أن الحلف سينفرط عقده. في تلك اللحظة الدرامية، وتحت خيمة العزاء الممتلئة بالغضب والاحتقان، وجد الشاب "عمرو" نفسه فجأة أمام استحقاق القيادة. بايعه مقادمة القبائل ليس فقط شيخاً للحموم، بل رئيساً لحلف قبائل حضرموت خلفاً لعمه. كان الحمل ثقيلاً؛ فالمطلوب ليس مجرد "ديّة" أو ثأر تقليدي، بل انتزاع حقوق محافظة كاملة.
المحطة الأولى: قائد "الهبة الحضرمية" (2014-2015)
أثبت بن حبريش سريعاً أنه يمتلك دهاءً يتجاوز سنه. بدلاً من إشعال حرب عبثية، قاد ما عُرف بـ "الهبة الحضرمية الأولى". حول "الثأر" إلى "قضية حضرمية" ووجه رجال القبائل لمحاصرة وحماية المنشآت النفطية ومداخل المدن، فارضاً حصاراً اقتصادياً وأمنياً أجبر الدولة المركزية في صنعاء على الرضوخ و انتزع اعترافاً رسمياً بمطالب حضرموت (التجنيد، الإدارة، الثروة)، وتحول من "مطلوب أمنياً" إلى مفاوض قوي يمتلك الأرض.
المحطة الثانية: مأسسة الحراك الحضرمي .. "المؤتمر الجامع" (2017)
بعد تحرير ساحل حضرموت من تنظيم القاعدة، أدرك بن حبريش أن "البندقية القبلية" وحدها لا تبني وطناً، وأن القبيلة مكون مهم لكنه ليس الوحيد. في أبريل 2017، قاد بن حبريش وأهم تحول سياسي في تاريخ حضرموت الحديث، بإعلانه تأسيس "مؤتمر حضرموت الجامع". نجح في جمع المتناقضات (مشايخ قبائل، أكاديميين، قادة أحزاب، منظمات مجتمع مدني، شباب ومرأة) تحت مظلة واحدة، وخرج المؤتمر بوثيقة سياسية ورؤية اقتصادية واجتماعية تطالب بـ "حضرموت إقليم مستقل" كامل الصلاحيات، ليصبح "الجامع" هو الممثل السياسي، بينما بقي "الحلف" هو الذراع القبلي والحامي، وكلاهما تحت قيادة بن حبريش.
المحطة الثالثة: رجل الدولة.. "الوكيل الأول"
في خطوة لشرعنة نفوذه واحتوائه، أصدر الرئيس السابق عبدربه منصور هادي قراراً بتعيين بن حبريش وكيلاً أول لمحافظة حضرموت ، قبل بن حبريش المنصب، لكنه مارس من خلاله سياسة "القدمين المتباعدتين" قدم في السلطة عبرها يدير الملفات الخدمية، يلتقي السفراء، ويمثل الدولة وقدم في المعارضة بها يلوح بورقة القبيلة والشارع كلما حاولت الحكومة تجاوز حقوق حضرموت ، هذه الازدواجية جعلته عصياً على "الاحراق السياسي"، ومكنته من الحفاظ على شعبيته رغم تدهور الأوضاع العامة.
المحطة الرابعة: كسر العظم مع المحافظ و"ورقة النفط"
شهدت العلاقة بين بن حبريش ومحافظ حضرموت السابق مبخوت بن ماضي (الذي عُين في 2022) توتراً متصاعداً وصل حد القطيعة. شعر بن حبريش أن بن ماضي يحاول تحجيم دور "مؤتمر حضرموت الجامع" وتهميش "حلف القبائل"، متجاوزاً الشراكة السياسية القائمة. رداً على هذا التهميش، اتخذ بن حبريش قراره الجريء بمغادرة المكاتب الحكومية والعودة إلى "المطارح" (مخيمات الاعتصام القبلية المسلحة) في منطقة "الهضبة" الاستراتيجية.
من معقله في الهضبة، وبصفته شيخاً للحلف، لوّح بن حبريش بأخطر ورقة يملكها: التحكم بحركة النفط. ونصب رجال القبائل الموالون له نقاط تفتيش منعت خروج قاطرات النفط والديزل من الشركات النفطية في المسيلة، مشترطاً تلبية مطالب حضرموت في الخدمات (الكهرباء) وحصتها من الثروة، واعتراف السلطة المحلية بالشراكة الحقيقية.كانت الرسالة واضحة للمحافظ وللمجلس الرئاسي وللتحالف: "لا يمكن إدارة حضرموت أو الاستفادة من ثروتها بتجاوز بن حبريش وحلفه".
المرحلة الخامسة : إعلان "الحكم الذاتي" وتأسيس الذراع العسكري
في تطور دراماتيكي نقل الصراع إلى مستويات غير مسبوقة، لم يكتفِ بن حبريش بالعمل السياسي، بل أقدم على خطوة جريئة تمثلت في إعلان الحكم الذاتي لإدارة شؤون حضرموت ومواردها، مدعوماً بتأسيس ذراع عسكري ضارب عُرف بـ "قوات حماية حضرموت". جاء تأسيس هذه القوات كترجمة عملية لبيان حلف قبائل حضرموت الذي أقر "الحكم الذاتي"، حيث اعتبر بن حبريش أن حماية هذا القرار تتطلب قوة عسكرية على الأرض تفرضه كأمر واقع، وليس مجرد بيانات ورقية. تمركزت هذه القوات فور تشكيلها في مواقع استراتيجية حساسة في الهضبة، وباتت تمثل "مخالب" الحكم الذاتي التي يلوح بها بن حبريش، محولاً الحلف من كيان اجتماعي إلى "قوة ضاغطة" لفرض مطالب وحقوق حضرموت.
المحطة السادسة: الصراع مع الانتقالي ومعركة "الندّية"
شكل المجلس الانتقالي الجنوبي التحدي الأكبر لمشروع بن حبريش. فبينما يرى الانتقالي حضرموت جزءاً من "الجنوب القادم"، يراها بن حبريش "نداً" وشريكاً لا تابعاً، خاض بن حبريش معارك سياسية باردة وساخنة مع الانتقالي ورفض الانضمام لهياكل الانتقالي، مفضلاً الاستقلالية. بدأ تصعيد الانتقالي عليه ومحاولات التضييق على تحركات قف ضد محاولات إدخال ألوية عسكرية من خارج المحافظة إلى حضرموت، مما عرضه لحملات تخوين إعلامية شرسة، لكنه رد عليها بمزيد من التحشيد في "مطارح" القبائل (اعلان حضرموت التاريخي). لم يكن الصراع مع المجلس الانتقالي الجنوبي مجرد خلاف سياسي، بل تحول مؤخراً إلى مواجهة شخصية وعسكرية مباشرة بين عمرو بن حبريش وبين أبو علي الحضرمي (صالح بن الشيخ أبوبكر)، قائد ألوية الدعم الأمني التابعة للانتقالي.
الحارس في "المطارح"
اليوم، يقف عمرو بن حبريش في قلب العاصفة. مع التحشيد العسكري المستمر في الهضبة والساحل الحضرمي، عاد بن حبريش الى واجهة المشهد السياسي والعسكري . يتنقل بين معسكرات قواته ومقر الاعتصام في الهضبة، محذراً من أي محاولة لجر حضرموت إلى مربع العنف، ومتمسكاً بمطلب "الإدارة الذاتية" الكاملة للمحافظة.
الشيخ عمرو بن حبريش ليس مجرد شيخ قبيلة ورث المشيخة كابراً عن كابر؛ بل هو سياسي براغماتي صقلته الأزمات. استطاع أن يحول "الحلف" من ردة فعل غاضبة إلى مؤسسة، و"الجامع" من فكرة إلى مظلة سياسية. يُحسب له أنه استطاع الحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي الحضرمي في أصعب الظروف، وأنه جعل من تجاوز "حضرموت" في أي تسوية سياسية يمنية أمراً مستحيلاً كما انه يقف حاجز صد منيع اليوم امام مشروع الانفصال الذي يقوده المجلس الانتقالي الجنوبي.