موسم جبايات وتفخيخ للهوية.. هكذا تحولت "الولاية" إلى أداة حوثية لاستعباد اليمنيين؟

2026-06-04 21:17 الهدهد - رصد خاص
ولاية الحوثي - منصة الهدهد
ولاية الحوثي - منصة الهدهد

مع حلول المناسبات ذات الطابع المذهبي، التي تحاول مليشيا الحوثي فرضها في مناطق سيطرتها، تشهد الساحة الفكرية والسياسية اليمنية مواجهة هي الأشرس من نوعها، حيث فتح سياسيون، وأكاديميون، وإعلاميون يمنيون النار على ما يُعرف بخرافة "الولاية" و"يوم الغدير"، معتبرين إياها أداة إيرانية لشرعنة الاستبداد السياسي، وتفخيخ الهوية الوطنية الجامعة، وتأسيس صراع وجودي لا ينتهي.

فكيف يرى قادة الرأي في اليمن هذا الحشد المذهبي؟ وما هي الأبعاد الحقيقية لفرض هذه الطقوس بقوة السلاح؟ رصد "الهدهد" في هذا التقرير شهادات وقراءات تحليلية لنخبة من البرلمانيين والسياسيين والباحثين والإعلاميين والناشطين، تفضح كيف تحولت "الولاية" إلى أداة لنسف فكرة الدولة الحديثة، وموسماً مفتوحاً لنهب أموال المواطنين.

"شرعاً وعقلاً".. تفكيك "الولاية"

وفي صدارة الأصوات المحذرة، يرى عضو مجلس النواب اليمني، "شوقي القاضي"، أن حصر الدين في سلالة بعينها يصطدم مع جوهر الإسلام ومنطقه. 

"القاضي" في تدوينة على منصة "إكس" رصدها "الهدهد" قال إنه "شرعاً ومنطقاً وعقلاً" أنه لا يمكن لنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يربط دين وتديُّن وولاء أمته بشخص بشريٍّ معيَّن، يصيب ويخطئ، يطيع ويعصي، وله محبون ومبغضون، كائناً من كان.

وفي إعلان صريح يهدف إلى تحرير الوعي الجمعي، قال القاضي: "أشهد الله وجميع خلقه بأني أؤمن بالله ورسوله ودينه، وأحرر ديني وعقيدتي من كل شرك وبدعة وخرافة، ومنها خرافة (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه) وأكذوبة (والي من والاه وعادي من عاداه)"، مؤكداً الترضي والترحم على جميع زوجات رسول الله وأصحابه والتابعين.

من جانبه، يدعم الأكاديمي اليمني الدكتور "فؤاد البنا" هذا الطرح بوصفه المناسبة بأنها "شجرة شيطانية خبيثة"، مشيراً إلى محددات نموها بالقول: "إنها شجرة لا تنغرس إلا في تربة الجهل، ولا تنمو إلا في مناخ الانقسام، ولا ترتوي إلا من مياه العنف الذي يقابله الضعف"، مشدداً على أن المخرج الوحيد للأمة يكمن في "تجفيف منابع هذه الشجرة الإبليسية".

الهوية اليمنية في مواجهة السلالة

لم تكن المعركة دينية فحسب، إنما هي معركة وجودية تخص "الهوية الوطنية" التي تعرضت لعمليات تجريف ممنهجة، وفي هذا السياق، يقدم الأكاديمي الدكتور "أحمد الزنداني" قراءة تحليلية معمقة حول استهداف الوعي اليمني.

وأشار "الزنداني" في منشور على "إكس" رصده "الهدهد" إلى أن الهوية اليمنية العربية الإسلامية تواجه منذ سنوات محاولات لإعادة تشكيل الوعي الجمعي عبر طرح مفاهيم مذهبية وسياسية تسعى لتقديم نفسها كجزء من الدين، بينما هي "مجرد نزوات فكرية تؤسّس للعنصرية والاستئثار بالسلطة والحكم وتؤسس لصراع لا ينتهي".

وفكك الزنداني الاستدلال الحوثي بالآية الكريمة: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا...)، مؤكداً أن الآية واضحة وضوح الشمس، وأن جمهور المفسرين من السلف والخلف أجمعوا على أنها تتحدث عن عموم المؤمنين، وأن المقصود بالولاية هنا هو "الموالاة والمحبة والنصرة والتأييد"، وليس تقرير إمامة سياسية أو دينية خاصة بشخص بعينه.

وأضاف أن اليمن عبر تاريخه الطويل كان جزءاً أصيلاً من الفضاء العربي والإسلامي، ولم تقم هويته يوماً على الانغلاق أو الاصطفافات السلالية، رابطاً بين الصراعات الدموية في تاريخ اليمن وحركات التمرد التي اتخذت من التشيع مذهباً وشعاراً لها، مما يجعل القضاء على هذه الأفكار الدخيلة هو الحل الجذري للأزمة اليمنية.

"صناعة إيرانية" لاغتصاب الحكم

في البُعد السياسي، يرى نائب وزير الإعلام اليمني، عبد الباسط القاعدي، أن هذه المفاهيم لم تعد قادرة على خداع الشارع، مؤكداً أن "حيل الحوثي لم تعد تنطلي على الشعب اليمني، ولعل اليمني هو أكثر إنسان يدرك فداحة هذه الخرافة على مستوى العالم الإسلامي، وتشاركه في ذلك شعوب المنطقة التي اكتوت بنيران هذه الخرافة التي صدرتها ورعتها إيران".

وأكد القاعدي أن ما يسمى بـ"الولاية" ليس سوى "اختراع شيعي بامتياز، الهدف منه منح شرعية زنيفة لتسلط هذه السلالة، واغتصاب السلطة والحكم رغماً عن إرادة وثورات الشعوب".

نسف لفكرة الدولة 

في قراءة سياسية عميقة لطبيعة التجريف الحوثي، يرى الصحفي اليمني "سامي الكاف"، أن الميليشيا لم تتوقف منذ سيطرتها على مؤسسات الدولة عن محاولة تكريس خرافة الولاية عبر كل الوسائل المتاحة، بدءاً من الفعاليات والقوانين، وصولاً إلى المناهج التعليمية والخطابات الموجهة.

ويوضح الكاف في منشور على "إكس" رصده "الهدهد" أن هذا الضخ يهدف مباشرة إلى "إعادة إنتاج المجتمع وفق هرم طبقي يمنح فئة محددة حق الوصاية والحكم، ويحرم بقية اليمنيين من حقهم الطبيعي في المواطنة المتساوية".

وينبه  إلى نقطة جوهرية تتجاوز مجرد إسقاط النظام الجمهوري، قائلاً: "الحوثية لا تناقض الدولة المدنية فحسب، بل تناقض الفكرة الحديثة للدولة ذاتها؛ لأنها تستبدل شرعية الشعب بشرعية السلالة، والمؤسسات بالعصبية، والقانون بالخرافة، وتحاول تحويل اليمن بكل تنوعه واتساعه إلى فضاء خاضع لمنطق ولاية الفقيه، بوصفه التعبير السياسي عن دولة ثيوقراطية لا ترى في المجتمع شركاء متساوين، بل رعايا ينبغي إخضاعهم".

"ولاية باطنية غنوصية" 

من جانبه، يذهب الناشط والباحث "عبد الكريم عمران" إلى بُعد أكثر خطورة، يمس الكرامة الإنسانية والآدمية التي تبتلعها الطقوس السياسية المذهبية المستوردة. 

ويعتبر عمران أن الاعتقاد بالولاية لا يقتصر على الانحراف العقائدي، بل إنه "يسلب الإنسان آدميته وكرامته، ويذله ويهينه"، مستشهداً بمشاهد "صادمة" لشباب وضباط في بعض بلدان المنطقة وهم يغسلون أقدام الزوار ويتبركون بتقبيلها نتيجة لشحن هذه العقيدة الباطنية.

ويؤكد في تدوينات على منصة "إكس" رصدها "الهدهد" أن الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بريء من هذا التوظيف السياسي.

وقال موضحاً "ليس لعلي من عيد الغدير والولاية إلا السمعة، أما الفائدة فهي للسلالة وأوثانها التي تجتهد في إثبات هذه الخرافة لمورثها لكي تثبت لها، فتستثمرها وتتاجر بها للعلو في الأرض واستعباد الناس، وإلا فعلي قد رحل قبل 1400 عام وأفضى إلى ما قدم".

وأضاف "هذه هي الولاية الباطنية الغنوصية التي يقاتل عليها المتوردون الحوثيون.. ولاية استعلاء واستعباد تقسم الناس إلى طبقتين: سلاليون أولياء وسادة لهم العلو والسمو والإجلال، وعامة عبيد طائعة خاضعة مخلصة في خدمتهم وتقبيل أقدامهم والتبرك بهم".

ما وراء هوس الاحتفالات؟

أمام المشاهد المبالغ فيها والاستعراضات الضخمة التي يقيمها الحوثيون في هذه المناسبات، يطرح الصحفي "هلال القاعدي" سؤالاً جوهرياً حول أسباب هذا الهوس والإنفاق المظهري.

"القاعدي" يلخص الإجابة في أربعة دوافع رئيسية تحرك الجماعة، أولها فرض ولاء الشعب اليمني للجماعة وسلالتها بالترغيب والترهيب، ثم تحويل هذه المناسبات إلى مواسم مفتوحة للجبايات والنهب المالي بقوة السلاح.

إضافة إلى توجيه رسائل سياسية للداخل والخارج من خلال الحشود المليونية المجبرة، ومحاولة تغيير الهوية الثقافية والدينية التاريخية للشعب اليمني واستبدالها بالهوية المستوردة.

 بذخ وسط شعب يبحث عن لقمة 

وفي الوقت الذي يصر فيه الحوثيون على إخراج هذه المهرجانات الطائفية بكلف باهظة، تبرز المقارنة المؤلمة مع الواقع المعيشي الكارثي للمواطنين، حيث يسلط الناشط عبد المحسن المراني الضوء على الفجوة الصادمة بين أولويات الجماعة ومعاناة الشعب اليمني.

ويشير المراني في تدوينة له على "إكس" رصدها "الهدهد" إلى أنه "في الوقت الذي تعيش فيه آلاف الأسر اليمنية ظروفاً معيشية قاسية، وتبحث عن لقمة العيش وتكافح لتوفير أبسط احتياجاتها، ينفق الحوثيون المليارات على احتفالات ما يسمى بـ(يوم الولاية)، في مشهد يعكس حجم الفجوة بين معاناة الشعب وأولويات هذه الجماعة".

وقال: "بينما الموظفون محرومون من رواتبهم لسنوات، والمرضى يعجزون عن شراء أبسط الأدوية، والأسر تواجه الجوع والفقر ببطون خاوية، تُهدر الأموال العامة والمنهوبة على المهرجانات والفعاليات والشعارات الطائفية التي لا تُطعم جائعاً، ولا تعالج مريضاً، ولا تبني وطناً".