من حروب صعدة إلى اجتياح صنعاء.. كيف كشف هادي أسرار "اللعبة المزدوجة" لصالح مع الحوثيين وعلاقته المبكرة بإيران؟
بعد أكثر من 11 عاماً على سيطرة مليشيا الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء، ما تزال الأسئلة حاضرة حول الكيفية التي تمكنت بها الجماعة من إسقاط مؤسسات الدولة خلال أيام قليلة، رغم امتلاك الحكومة آنذاك جيشاً كبيراً وأجهزة أمنية كانت تُعد من بين الأقوى في البلاد.
ومع إعادة تداول مقابلات وتصريحات للرئيس اليمني الراحل "عبدربه منصور هادي" عقب وفاته، عاد الجدل مجدداً حول الدور الذي لعبه الرئيس الأسبق "علي عبدالله صالح" في صعود الحوثيين، والتحالف الذي جمع الطرفين قبل سقوط صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014.
ففي مقابلات أجراها مع صحيفة "عكاظ" السعودية وقناتي "العربية" و"الجزيرة" خلال سنوات الحرب، قدّم هادي رواية مفصلة لما اعتبره تحالفاً استراتيجياً بين صالح والحوثيين، مؤكداً أن سقوط العاصمة لم يكن نتاج تفوق عسكري للجماعة فحسب، بل نتيجة تفاهمات سياسية وعسكرية سبقت ذلك بسنوات.
وساطة مع إيران لإفشال المرحلة الانتقالية
وفقاً لشهادة هادي، فإن التنسيق لم يكن وليد لحظة اجتياح صنعاء، بل بدأ مبكراً حين استشعر صالح أن مخرجات "مؤتمر الحوار الوطني" تشكل تهديداً نهائياً لنفوذه وعائلته بعد تنحيه عن السلطة عام 2012.
وبناءً على ذلك، أرسل صالح وفداً يضم 16 عضواً من مجلس النواب اليمني إلى طهران لإقناع الحوثيين بالاصطفاف معه، بل وامتدت خطوط الاتصال والوساطة لتصل إلى الضاحية الجنوبية في بيروت عبر التواصل مع أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، لإدارة سيناريو مشترك غايته إرباك المشهد السياسي ومنع نجاح التسوية.
وكشف "هادي" أن "صالح" لم يكن ينظر إلى المبادرة الخليجية ومؤتمر الحوار الوطني باعتبارهما فرصة لإنهاء الأزمة اليمنية، بل كان يراهما تهديداً مباشراً لنفوذه السياسي بعد خروجه من السلطة عام 2012.
ووفق رواية "هادي"، فإن "صالح" أرسل 16 عضواً من مجلس النواب إلى إيران بهدف التوسط لدى الحوثيين وإقناعهم بالتحالف معه، مقابل العمل المشترك على إفشال الحوار الوطني والمرحلة الانتقالية.
وقال إن إيران كانت تنظر إلى نجاح المبادرة الخليجية باعتباره تكريساً للنفوذ الخليجي في اليمن، ولذلك لم تكن متحمسة لنجاح التسوية السياسية التي قادتها دول مجلس التعاون الخليجي.
كما أشار إلى أن شخصيات مقربة من صالح أجرت اتصالات مع أطراف إقليمية، بينها "حزب الله" اللبناني، في إطار مساعٍ لتنسيق المواقف مع الحوثيين وإعادة رسم المشهد السياسي في اليمن.
وثيقة "العشر نقاط".. المرجع الديني والمرجع السياسي
في واحدة من أبرز شهاداته التي أدلى بها لصحيفة "عكاظ" السعودية، فجّر "هادي" مفاجأة من العيار الثقيل حين اعتبر علي عبد الله صالح وأولاده "اللاعب الأساسي" في عملية إسقاط العاصمة، مكشوفاً عن وجود اتفاق سياسي مكتوب وموقع بين الطرفين يتكون من 10 نقاط سرية رسمت ملامح يمن جديد يدار بالريموت كنترول من طهران.
الوثيقة التي صاغها ممثلون عن صالح (أحمد الكحلاني، عارف الزوكا، ومهدي دويد) وممثلون عن عبد الملك الحوثي (أبو علي الحاكم، محمد المشاط، ومحمد علي الحوثي)، تضمنت 10 نقاط رئيسية، أبرزها أن يصبح زعيم الحوثيين "المرجع الديني" لليمن، بينما يتولى نجل الرئيس الأسبق، أحمد علي عبدالله صالح، دور "المرجع السياسي".
وقال إن الاتفاق نص أيضاً على إنهاء المرحلة الانتقالية وإسقاط المبادرة الخليجية، وصولاً إلى اعتماد نموذج حكم مستوحى من التجربة الإيرانية، مع تعهدات بدعم اقتصادي إيراني لليمن.
وذهب "هادي" إلى أبعد من ذلك حين قال إن أحد بنود الاتفاق كان استهدافه شخصياً وإنهاء موقعه كرئيس للجمهورية من أجل إسقاط الشرعية الانتقالية بالكامل.
ونتيجة لذلك قال "هادي" إنه أجرى اتصالاً مباشراً مع زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي، وأبلغه بمعلومات حول الاتفاق الذي جرى بين قيادات حوثية وأخرى من حزب المؤتمر الشعبي العام.
وأضاف أنه أخبر الحوثي بأن المشروع القائم على المرجعية الدينية المستوحاة من النموذج الإيراني لن ينجح في اليمن، وأن المجتمع اليمني يختلف في تركيبته السياسية والاجتماعية عن التجربة الإيرانية.
وبحسب روايته، فإن الحوثي نفى تبني الجماعة للمذهب الاثني عشري الإيراني، وأكد أنها تنتمي إلى المذهب الزيدي، غير أن "هادي" قال إنه شكك في ذلك بسبب العلاقات المتنامية بين الجماعة وطهران، ووجود مئات الطلاب اليمنيين الذين كانوا يتلقون تعليمهم في مدينة قم الإيرانية.
الحروب الست وكذب صالح
من أكثر النقاط حساسية في رواية هادي تشكيكه في طبيعة الحروب الست التي خاضها نظام صالح ضد الحوثيين بين عامي 2004 و2010.
فبينما كانت تلك الحروب تُقدَّم بوصفها مواجهة مفتوحة بين الدولة والجماعة، قال هادي إن صالح كان يدير الصراع بطريقة مختلفة.
وذكر أنه بحكم موقعه كنائب للرئيس آنذاك كان مطلعاً على تفاصيل كثيرة، مدعياً أن صالح كان يدعم الوحدات العسكرية التي تقاتل الحوثيين، وفي الوقت ذاته يسمح بوصول إمدادات عسكرية إلى الجماعة.
يقول "هادي" مستنداً إلى معايشته للكواليس بحكم موقعه آنذاك كنائب للرئيس: "لا داعي للكذب.. كان صالح يرسل 10 قاطرات ذخائر لعلي محسن الأحمر، ويرسل في الوقت ذاته 15 قاطرة لعبد الملك الحوثي.. وحين يرى أن أحدهما شارف على الهزيمة يتدخل فوراً لوقف الحرب".
كما قال إن "صالح" كان يوقف المعارك كلما اقترب أحد الطرفين من تحقيق حسم عسكري، وهو ما سمح للحوثيين بالحفاظ على قوتهم العسكرية وإعادة تنظيم صفوفهم بعد كل جولة قتال.
معسكرات وألوية تحت نفوذ الحوثيين
وفي سياق متصل، تحدث "هادي" عن تسليم "صالح" 8 ألوية عسكرية في محافظة صعدة لعبدالملك الحوثي وذلك في عام 2011، مشيراً إلى أن بعض تلك الوحدات سلّمت أسلحة ثقيلة للحوثيين، بينها دبابات ومدفعية، وهو ما منح الجماعة تفوقاً عسكرياً ساعدها لاحقاً على التمدد خارج معقلها الرئيسي في صعدة نحو عمران ثم صنعاء.
وبحسب "هادي" فإن تلك التطورات لم تكن مجرد أحداث عسكرية منفصلة، بل جزءاً من عملية متدرجة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة اليمنية.
من الخصومة إلى الشراكة
ورغم أن "صالح" خاض ست حروب ضد الحوثيين خلال فترة حكمه، فإن التطورات التي أعقبت احتجاجات 2011 خلقت مصالح مشتركة بين الطرفين.
فصالح وجد نفسه خارج السلطة بعد أكثر من ثلاثة عقود في الحكم، بينما كان الحوثيون يبحثون عن فرصة للتمدد السياسي والعسكري خارج صعدة.
ومع تصاعد الخلافات بين القوى المشاركة في المرحلة الانتقالية، برز تقاطع مصالح واضح بين الجانبين، تُرجم لاحقاً إلى تحالف ميداني ساعد الحوثيين على التوسع شمالاً وصولاً إلى العاصمة.
وقد ظهر ذلك –بحسب رواية هادي– في موقف وحدات عسكرية وقبلية محسوبة على الرئيس الأسبق، والتي التزمت الحياد أو امتنعت عن مواجهة الحوثيين أثناء تقدمهم نحو صنعاء.
كيف سقطت العاصمة؟
في مقابلات أخرى مع قناتي "العربية" و"الجزيرة"، قال هادي إن الحوثيين لم يكونوا قادرين على السيطرة على صنعاء لولا وجود تفاهمات مسبقة مع قوى نافذة داخل المؤسسة العسكرية والقبلية.
وأوضح أن الجماعة عقدت تفاهمات مع شخصيات وقبائل وقوى عسكرية في المحافظات الواقعة بين صعدة وصنعاء، ما سمح لها بالتقدم دون مقاومة حقيقية.
وأضاف أن الحوثيين تمكنوا لاحقاً من السيطرة على الوزارات والمؤسسات الحكومية، ثم فرضوا حصاراً على مقر إقامته قبل وضعه تحت الإقامة الجبرية بعد أشهر من سقوط العاصمة.
ليلة السقوط: جيش بلا وطنية
في تفكيكه للمشهد الميداني الأخير الذي تلا جولات القتال، كشف هادي في مقابلاته مع قناتي "العربية" و"الجزيرة" عن مرارته الشديدة تجاه المؤسسة العسكرية والقبلية المحيطة بحزام صنعاء، والتي كانت تدين بالولاء لحزب صالح (المؤتمر الشعبي العام).
وأوضح أن طموح إيران للوصول إلى باب المندب ومضيق هرمز وجد طريقاً سهلاً لأن "الجيش مع الأسف لم يكن في مستوى الوطنية ولم يواجه الحوثيين".
وبدلاً من الدفاع عن العاصمة، سارعت القيادات العسكرية والقبائل الموالية لصالح من عمران إلى أمانة العاصمة لتوقيع اتفاقات "عبثية" قضت بـمبدأ الحفاظ على المصالح الذاتية: "لا تلمسونا ولا نلمسكم".
هذا التواطؤ فتح أبواب صنعاء على مصراعيها، واقتحم الحوثيون الوزارات والمؤسسات السيادية دون أدنى مقاومة، لينتهي المشهد بتطويق منزل الرئيس هادي، وشن حرب عليه استمرت 24 ساعة، ثم وضعه تحت الإقامة الجبرية.
وتمثل رواية "هادي" واحدة من أكثر الشهادات تفصيلاً حول العلاقة بين صالح والحوثيين في السنوات التي سبقت سقوط صنعاء، وما يمنح هذه الشهادة زخماً إضافياً هو أن التحالف بين صالح والحوثيين لم يعد محل جدل بعد سيطرة الجماعة على العاصمة، إذ ظهر الطرفان لاحقاً كشريكين في إدارة السلطة الجديدة، قبل أن ينتهي ذلك التحالف بمقتل صالح على يد الحوثيين في ديسمبر/كانون الأول 2017.