عندما يصبح التسوّل حبل النجاة الأخير في مناطق سيطرة الحوثيين

2026-06-15 20:41 الهدهد/خاص:
عندما يصبح التسوّل حبل النجاة الأخير في مناطق سيطرة الحوثيين

تحت شمس الظهيرة الحارقة في إحدى جولات مدينة إب، تقف أم حنين (47 عاماً) ممسكة ببضع مسابح وألعاب أطفال رخيصة، تراقب السيارات المارة بحثاً عمن قد يشتري شيئاً أو يمنحها ما يسد رمق أسرتها. قبل سنوات، لم تكن تتخيل أن ينتهي بها الحال على الرصيف، لكن توقف راتب زوجها التربوي المقعد إثر جلطة دماغية، وانهيار مصادر الدخل، دفعاها إلى معركة يومية من أجل البقاء.

قصة أم حنين ليست حالة فردية، بل واحدة من آلاف القصص التي باتت تتكرر في المدن الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، حيث تحوّل التسول من ظاهرة محدودة إلى وسيلة نجاة أخيرة لأسر دفعتها سنوات انقطاع الرواتب وتدهور الأوضاع الاقتصادية وانهيار شبكات الحماية الاجتماعية إلى حافة الجوع.

ففي ظل سياسات اقتصادية يصفها مراقبون بأنها ساهمت في توسيع دائرة الفقر والعوز، ومع استمرار حرمان مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين من رواتبهم، لم تعد الأرصفة مجرد ممرات للمشاة، بل أصبحت شاهداً يومياً على اتساع رقعة الحاجة وتآكل الطبقة الوسطى وانزلاق مزيد من الأسر نحو الفقر المدقع.

ولم يتوقف الأمر عند التجويع الممنهج، بل امتد ليشمل التضييق على العمل الإنساني عبر مضايقة منظمات الإغاثة الدولية والمحلية وشن حملات اعتقال تعسفية طالت العاملين فيها، ما دفع العديد من المنظمات والوكالات الأممية والدولية إلى تقليص أو تعليق أنشطتها في مناطق سيطرة المليشيا، الأمر الذي فاقم معاناة ملايين اليمنيين المحتاجين للمساعدات الإنسانية.

وفي الوقت الذي تصنف فيه الأمم المتحدة الأزمة اليمنية باعتبارها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، تتدفق مليارات الريالات والدولارات إلى خزائن المليشيات عبر السيطرة على إيرادات الدولة من الجمارك والضرائب والجبايات المختلفة، بينما تتسع دائرة الفقر والجوع بين السكان.

الرصيف.. الملاذ الأخير لزوجة تربوي

بملامح يخفيها نقاب أسود، وجسد أنهكه التعب، تقف أم حنين عند إحدى جولات المدينة بحثاً عن ثمن كيس خبز يسد رمق أطفالها الستة وزوجها التربوي المقعد على الفراش إثر إصابته بجلطة دماغية، بعد سنوات من توقف راتبه.

تقول أم حنين لمنصة "الهدهد":

"قضى زوجي زهاء 30 عاماً في تربية الأجيال، واليوم أقف هنا لأستجدي المارة وسائقي السيارات ثمن كيس خبز لإعالة أسرتي. منذ أن قطع الحوثيون راتبه تحولت حياتنا إلى جحيم. بعنا كل ما نملك في المنزل، حتى دبلة زواجي. لم يتبقَّ أمامي سوى خيارين: إما أن أمد يدي للناس، أو أترك أطفالي وزوجي يموتون جوعاً أمام عيني".

وتشير إلى أن زوجها يعاني من أمراض مزمنة ويحتاج إلى أدوية بصورة مستمرة، الأمر الذي ضاعف من معاناة الأسرة.

وتضيف:"عندما يعزف المارة عن شراء ما أحمله من مسابح وألعاب أطفال، أضطر إلى سؤال الناس. الرصيف أصبح ملاذنا الأخير للبقاء على قيد الحياة. لو كان زوجي يستلم راتبه لما رأيتني هنا ألاحق السيارات لأبيع هذه الألعاب. الجوع كافر، ونحن نموت ألف مرة في اليوم حتى نعود إلى البيت بكسرة خبز نسد بها رمق أطفالنا".

براءة طفولة اغتالها الحرمان

وعلى بعد أمتار قليلة، يتنقل الطفل عصام (11 عاماً) بين السيارات لبيع المناديل والاستجداء، بعد أن اضطر إلى ترك مقاعد الدراسة للسنة الثانية على التوالي.

يقول عصام:"مكاني هنا على الرصيف من الصباح حتى المساء. تركت المدرسة لكي أبيع الفاين. أبي كان موظفاً، لكن منذ أن توقفت الرواتب لم يعد لدينا ما نعيش به. ليس أمامنا خيار آخر؛ إما أن ننزل إلى الشارع ونبيع ونطلب الله، أو نموت جوعاً داخل البيت".

ويضيف:"حتى بيع الفاين لم يعد يجدي كثيراً، فالمارة وسائقو السيارات أوضاعهم صعبة مثلنا. يعزفون عن الشراء، فنضطر إلى سؤال الناس حتى نعود إلى البيت بثمن كسرة خبز".

وحال أم حنين والطفل عصام ليس سوى نموذج يتكرر في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، سواء على الأرصفة أو في الجولات أو أمام المساجد والمحلات التجارية والمطاعم، في مشهد بات أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وانقطاع مصادر دخل مئات الآلاف من الأسر.

سياسة تجويع ممنهجة

يرى الصحفي المهتم بالشأن الاقتصادي وفيق صالح أن تصاعد ظاهرة التسول في مناطق سيطرة الحوثيين يمثل نتيجة طبيعية لتفاقم الأزمة الإنسانية وتدهور الأوضاع المعيشية.

وقال صالح لمنصة "الهدهد":

"مليشيا الحوثي دفعت بالأوضاع نحو الانهيار عبر سياسات التجويع والإفقار، والتي تجلت في حرمان مئات الآلاف من موظفي القطاع العام من رواتبهم لسنوات طويلة، الأمر الذي دفع فئات كانت تصنف ضمن الطبقة الوسطى إلى حافة العوز الشديد، وأجبر بعض أفرادها أو عائلاتهم على اللجوء إلى التسول كخيار أخير للبقاء".

وأضاف أن المليشيا أحكمت سيطرتها على المساعدات الإنسانية الدولية والمحلية ووجهت جزءاً منها لخدمة عناصرها والمقربين منها، ما حرم الأسر الأشد فقراً من قنوات الدعم البديلة.

وتابع:"لم تكتفِ المليشيا بذلك، بل أقدمت على تدمير شبكات الأمان الاجتماعي عبر التضييق على الجمعيات الخيرية والمبادرات المستقلة، ومصادرة أموال الزكاة والخيرات وحصرها في كيانات تابعة لها، الأمر الذي ساهم في اتساع رقعة الجوع وزيادة أعداد المحتاجين للمساعدات الإنسانية".

تحذيرات أممية وأرقام صادمة

في أبريل الماضي، حذرت الأمم المتحدة من خطر انزلاق أكثر من 18 مليون يمني إلى الجوع الشديد، مؤكدة أن 22.3 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية والحماية خلال عام 2026.

كما ذكرت دراسة حديثة صادرة عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية في مايو الماضي أن أكثر من 70% من اليمنيين باتوا يعيشون تحت خط الفقر، فيما يعتمد نحو 24 مليون شخص على المساعدات الإنسانية التي تواجه بدورها عراقيل وإجراءات متكررة تعيق وصولها إلى المستحقين.

وسبق أن اتهمت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مليشيا الحوثي بالاستيلاء على نحو 103 مليارات دولار من موارد البلاد منذ انقلابها عام 2014، مؤكدة أن تلك الأموال لم تُستخدم لتحسين الخدمات أو دفع رواتب الموظفين، بل ذهبت لتمويل الحرب ومشروع التوسع الإيراني.

وتصنف الممارسات الحوثية المتمثلة في تجويع المدنيين ومصادرة الرواتب وعرقلة المساعدات الإنسانية واعتقال الموظفين الأمميين والعاملين في المجال الإنساني بوصفها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وفي مطلع يونيو الجاري، أدان مجلس الأمن الدولي ومنظمات حقوقية دولية بارزة هذه الممارسات، معتبرة أنها قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية تستوجب المساءلة والملاحقة القانونية الدولية.