اختبار السيادة.. باحثون يفككون لـ "الهدهد" خلفيات وتوقيت التشكيك بهوية سقطرى ودور الإمارات
في توقيت سياسي بالغ الحساسية، وبينما تبحث القوى اليمنية عن قواسم مشتركة لترتيب بيت الشرعية المتصدع، تحولت قاعة "المؤتمر الوطني لتعزيز الشراكة بين السلطة المركزية والمحلية" في العاصمة المؤقتة عدن، إلى ساحة مواجهة كلامية ساخنة مسّت قلب السيادة الوطنية والثوابت التاريخية للبلاد، إثر تصريحات لمسؤول محلي بارز شكك فيها بالهوية اليمنية لجزيرة سقطرى الاستراتيجية.
وشهدت الجلسة الختامية للمؤتمر المنعقد في عدن برعاية حكومية ودعم دولي، يوم الثلاثاء، مشادات حادة فجرتها تصريحات وصفت بـ"الخطيرة" أطلقها محافظ أرخبيل سقطرى،الموالي للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل والمدعوم إماراتياً، " رأفت الثقلي"، تعمد فيها تجريد الجزيرة من هويتها الوطنية، عبر استدعاء سرديات القرب الجغرافي من البر الصومالي، وهو ما اعتبره مراقبون "اختباراً محرجاً" لسيادة مجلس القيادة الرئاسي.
ونقلت مصادر خاصة حينها لـ"الهدهد"، كانت حاضرة في الجلسة، أن تصريحات الثقلي قوبلت بردود أفعال غاضبة واستهجان واسع داخل القاعة.
ووفقاً للمصادر، فقد تصدى وكيل محافظة أبين، "عبد العزيز الحمزة"، بقوة لطرح الثقلي، مبدياً اعتراضاً قاطعاً اعتبر فيه تلك التصريحات مساساً صارخاً بالثوابت الوطنية والتاريخية، ومحاولة لشرعنة أجندات خارجية تستهدف قضم الأرخبيل اليمني الاستراتيجي.
ولم تكن هذه المشادات الحادة مجرد ملاسنة عابرة في كواليس مؤتمر رسمي، بل أعادت إلى الواجهة دلالات خطيرة حول عمق الانقسام البيني داخل معسكر الشرعية، وطبيعة الصراع الخفي والمعلن على الجزر والموانئ اليمنية الحيوية.
أبعاد التوقيت والدور الإماراتي
ويرى مراقبون للشأن اليمني أن تصريحات المحافظ الثقلي لا يمكن قراءتها بمعزل عن النفوذ المتنامي لدولة الإمارات العربية المتحدة في أرخبيل سقطرى، والذي يمتد لسنوات عبر أذرعها المحلية والمتمثلة في المجلس الانتقالي.
وتأتي هذه المحاولات لتجريد الجزيرة من هويتها اليمنية في وقت تشهد فيه المنطقة صراعاً محموماً على الممرات المائية الخطيرة، حيث يسعى "الانتقالي" وممولوه إلى فرض أمر واقع يفصل الأرخبيل عن الجغرافيا والسيادة اليمنية، مستغلاً حالة الضعف والتشظي التي تعيشها الدولة.
صمت "الرئاسي".. تواطؤ أم عجز؟
وأثارت الحادثة تساؤلات ملحة في الشارع اليمني والأوساط السياسية حول صمت مجلس القيادة الرئاسي، برئاسة "رشاد العليمي"، تجاه ما وصفه ناشطون وسياسيون بـ"الخيانة العظمى" الصادرة عن مسؤول رسمي يمثل الدولة في مؤتمر يهدف بالأساس إلى "تعزيز الشراكة مع السلطة المركزية".
ويضع هذا الصمت المستمر مجلس القيادة الرئاسي أمام معضلة حقيقية، فإما أن يتخذ إجراءات حازمة بحق المحافظ الثقلي لإثبات أهليته في حماية السيادة الوطنية، أو أن يكرس انطباع العجز والارتهان للقوى الإقليمية، مما يفتح الباب أمام مزيد من التمزيق لما تبقى من جغرافيا تقع تحت مظلة الشرعية.
ويرى مراقبون سياسيون في أحاديث لـ"الهدهد"، أن هذه الواقعة لا تقف عند حدود المشادة الكلامية التي شهدتها قاعة مؤتمر "تعزيز الشراكة" في عدن، بل تكشف بوضوح كيف تستخدم القوى الإقليمية لافتة "المشروع الانفصالي" كمرحلة تمهيدية لوضع اليد على الجزر والممرات المائية اليمنية الاستراتيجية، مؤكدين أن الصمت الرسمي يثير الريبة ويستدعي الملاحقة القانونية بتهمة "الخيانة العظمى".
حقيقة دستورية لا تقبل التأويل
وفي قراءة قانونية وتاريخية لأبعاد هذه الأزمة، يقول الباحث في القانون الدولي والأمين العام لمؤتمر سقطرى الوطني، "د. أمير السقطري"، إن "هذه التصريحات تثير الكثير من علامات الاستفهام والاستغراب، خصوصاً عندما تصدر من مسؤول يعتلي هرم السلطة المحلية، ومُعين بقرار جمهوري يفترض به أن يكون حارساً للسيادة الوطنية ومدافعاً عنها".
وفي حديث خاص لـ"الهدهد"، أضاف "السقطري": "سقطرى ليست قضية قابلة للاجتهاد السياسي أو التأويل الشخصي، وليست ملفاً مفتوحاً للنقاش حول هويتها الوطنية، بل هي حقيقة تاريخية، وقانونية، ودستورية ثابتة. سقطرى كانت وستظل جزءاً أصيلاً من الجمهورية اليمنية، وهو ما تؤكده الوقائع التاريخية، والوثائق الرسمية، والاعتراف الدولي المتواصل بسيادة اليمن على الأرخبيل".
الخصوصية الثقافية لا تنفي الانتماء الوطني
وأوضح الباحث القانوني أن التأكيد على يمنية سقطرى لا يعني أبداً إنكار خصوصيتها الفريدة، فالجزيرة تمتلك لغة عريقة وتراثاً ثقافياً وإنسانياً مميزاً تشكل عبر قرون من العزلة الجغرافية.
واستطرد قائلاً: "هذه الخصوصية ليست موضع خلاف، بل هي مصدر فخر لكل اليمنيين، والتنوع الثقافي واللغوي داخل الوطن الواحد لا ينتقص من الهوية الجامعة بل يثريها".
ورداً على محاولات ربط الجزيرة بالبر الصومالي، أكد "أمير السقطري" أن "الجغرافيا وحدها لم تكن يوماً معياراً للسيادة أو الانتماء الوطني، فالعالم مليء بالجزر والأقاليم التي تبعد مئات الكيلومترات عن مراكز دولها، ومع ذلك لا يشكك أحد في سيادتها القانونية".
توقيت حساس ومطالب بموقف حازم
وحذر "السقطري" من خطورة هذه الأطروحات بالنظر إلى توقيتها الحساس الذي تمر به الجغرافيا اليمنية والمنطقة، تزامناً مع تزايد الأهمية الاستراتيجية للأرخبيل في قلب خطوط الملاحة الدولية.
وأشار إلى أن الواجب الوطني والدستوري يقتضي من الجهات الرسمية المختصة توضيح موقفها بصورة صريحة تجاه أي تشكيك بوحدة الأراضي اليمنية، صوناً لمكانة مؤسسات الدولة.
وقال "لقد حافظ أبناء سقطرى على هويتهم وتراثهم ولغتهم عبر مئات السنين، كما حافظوا على انتمائهم الوطني رغم مختلف التحولات والتحديات".
وأكد أن الدفاع عن يمنية سقطرى لا يتعارض مع حماية خصوصيتها الثقافية، بل إن صون هذا التنوع هو واجب وطني يقع على عاتق الدولة والمجتمع معاً، ولا ينبغي بأي حال من الأحوال استغلاله للتشكيك بالهوية الوطنية الجامعة".
تقاطعات إقليمية: إسرائيل وأطماع الموانئ
وفي هذا السياق، حذر الصحفي والباحث السقطري، "أحمد ثاني"، من خطورة توقيت هذه التصريحات، مؤكداً أنه "لا يجوز لأي مسؤول رسمي أن يفتح باب التساؤل حول يمنية جزر أرخبيل سقطرى تحت عنوان الخصوصية أو القرب الجغرافي من الصومال".
وأضاف "ثاني" في تصريح خاص لـ"الهدهد": "توقيت هذه التصريحات بالغ الحساسية والخطورة؛ إذ يأتي بالتزامن مع تغلغل إسرائيلي في أرض الصومال، وسط صراع إقليمي مستعر للسيطرة على الموانئ والجزر وخطوط الملاحة المجاورة، وفي لحظة هشاشة داخلية تعاني فيها الدولة اليمنية من ضعف حضورها الخدمي والتنموي في الأرخبيل".
وشدد الباحث السقطري على أن "الخصوصية الثقافية واللغوية لسقطرى هي مصدر فخر وتنوع داخل الهوية اليمنية الجامعة، وليست مدخلاً لفصلها عنها أو تمييع سيادتها".
وبشأن الرد القانوني والدستوري المفترض، أكد "ثاني" أن "أي تشكيك في هوية سقطرى أو سيادة الدولة عليها من مسؤول عام يمثل إخلالاً جسيماً بواجبات المنصب، ويستدعي التحقيق الفوري والإقالة".
تركة النفوذ الإماراتي.. مؤسسات مختطفة
من جانبه، يرى الناشط "عاصم السقطري" أن تصريحات "رأفت الثقلي" ليست مفاجئة، بالنظر إلى ولائه المطلق لدولة الإمارات العربية المتحدة منذ اللحظات الأولى لوصولها إلى الأرخبيل، مشيراً إلى أن المشكلة الأكبر تكمن في "القصور الفادح" لأداء الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي.
وفي حديثه لـ"الهدهد"، أبدى "السقطري" استغرابه الشديد من تقاعس المجلس الرئاسي عن اتخاذ إجراءات صارمة لإقالة الثقلي، خصوصاً منذ صدور التوجيهات الرسمية بمغادرة القوات الإماراتية لسقطرى مطلع كانون الثاني/ يناير من العام الجاري، لافتاً إلى أن الثقلي عُرف بتقلبه بين الولاءات والمطالبة بانفصال سقطرى تلبيةً لأجندات مموليه.
سيادة هشة ورواتب بـ"أختام الانفصال"
وفجّر الناشط "السقطري" مفاجأة بشأن طبيعة الأوضاع داخل الأرخبيل حالياً، حيث يرى أن "المشكلة الكبرى الآن، في الأرخبيل تتمثل أن الناس لا تعاني من "رأفت" ومن تحركاته بقدر ما تعاني من المجلس الرئاسي، ومنذ خروج الإمارات إلى الآن لم يتم إعادة هيكلة المؤسسات المدنية والعسكرية، ولم يتم واقالة واستبعاد الموالين للإمارات".
وقال إن "المؤسسات العسكرية والأمنية ما تزال قيادتها السابقة التابعة للانتقالي، والرواتب تصرف عن طريق الانتقالي، فالكشوفات العسكرية لا تزال عليها أعلام الانفصال وختم الانتقالي، دون تغيير".