باحثون لـ"الهدهد": الحوثيون يعيدون إنتاج الإمامة القديمة بسياسات الجوع والجباية
أعادت تصريحات قيادات مليشيات الحوثي الأخيرة بشأن الجوع والرواتب وحقوق المواطنين فتح النقاش مجدداً حول طبيعة نظرة الجماعة إلى المجتمع والسلطة، بعدما أثارت موجة غضب واسعة في الأوساط اليمنية وعلى منصات التواصل الاجتماعي. وبينما رأى باحثون ومؤرخون أن هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، ذهبوا إلى أبعد من ذلك بالقول إنها تمثل امتداداً للفكر الإمامي الذي قام تاريخياً على الجبايات والتراتبية الاجتماعية واستنزاف موارد المجتمع، مؤكدين أن ما يعيشه اليمنيون اليوم يعيد إلى الأذهان أنماطاً من الحكم والتعامل مع الرعية ارتبطت بتاريخ الإمامة في اليمن.
وجاءت هذه المواقف عقب تصريحات أدلى بها محمد مفتاح، القائم بأعمال ما تسمّى حكومة الحوثيين غير المعترف بها دولياً، دعا فيها الموظفين إلى "العمل مجاناً"، قائلاً: "اشتغلوا، ولا تتذمروا، ولا تقولوا إن الجوع والفساد والظلم انتشر في البلاد"، في امتداد لسلسلة من المواقف التي أطلقها قادة حوثيون بشأن الجوع والرواتب وحقوق الموظفين، وتعكس نظرة تستند إلى إرث سياسي وفكري مشابه لما كان سائداً لدى أجدادهم أئمة الزيدية في تعاملهم مع اليمنيين وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.
الجباية جوهر الإمامة تاريخياً
وفي هذا السياق، قال الدكتور ثابت الأحمدي، الباحث في تاريخ الإمامة الزيدية والفكر السياسي، إن تاريخ الإمامة في اليمن ارتبط تاريخياً بالجبايات والمكوس واستنزاف موارد الناس، معتبراً أن جماعة الحوثي "تعيد إنتاج النموذج نفسه بأدوات معاصرة"، وأن الواقع المعيشي في مناطق سيطرتها يمثل امتداداً للسياسات التي اتبعتها الإمامة عبر القرون.
وأضاف الأحمدي، في تصريحات خاصة لمنصة "الهدهد"، أن "الإمامة لا يشبهها من الكائنات الحية إلا الطفيليات، فهي تعتاش على حقوق الناس وممتلكاتهم وأقواتهم"، مشيراً إلى أن الأئمة فرضوا على اليمنيين عبر التاريخ أنواعاً متعددة من الجبايات والمكوس، بعضها كان يُحصّل حتى قبل مواسم الحصاد، وهو ما أدى - بحسب قوله - إلى انتشار الجوع والمجاعات وهجرة السكان وتراجع الإنتاج الزراعي.
وأوضح أن الإمام كان "يستأثر بأكثر من نصف غلات الرعية، بينما يتقاسم العمال والجنود والقضاة ما تبقى"، مضيفاً أن المجاعات تكررت في عهود الأئمة رغم "تكدس الأموال والحبوب في مخازنهم". واستشهد بمقولة الإمام يحيى حميد الدين الشهيرة: "من عاش فهو عتيق ومن مات فهو شهيد"، معتبراً أنها تعكس نظرة الإمامة إلى معاناة الناس.
ويرى الأحمدي أن جماعة الحوثي "تسير على النهج ذاته"، قائلاً إنها فرضت "أنواعاً متعددة من الجبايات حتى بات التجار وكأنهم مجرد محصلين للأموال لصالح الجماعة"، مضيفاً أن سياساتها الاقتصادية أسهمت في اتساع دائرة الفقر والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية.
وأشار إلى أن سياسة الأئمة "قامت على ترف الطبقة الحاكمة مقابل فقر الرعية"، مؤكداً أن هذا النمط "يتكرر اليوم مع الإمامة الجديدة"، على حد وصفه، مضيفاً: "تاريخ الإمامة هو تاريخ الفقر والجوع والمرض، والواقع اليوم خير شاهد على ذلك مع الجماعة الحوثية التي تمثل، في نظرنا، نسخة أخرى من الإمامة التاريخية".
إفلاس أمام معاناة الجوعى
من جانبه، قال الكاتب والباحث في تاريخ الزيدية، توفيق السامعي، إن تصريحات القيادي الحوثي محمد مفتاح التي دعا فيها الموظفين إلى العمل مجاناً وعدم التذمر من الجوع، تعكس "إفلاساً حقيقياً في تقديم الحلول"، مشيراً إلى أن الجماعة لم تكتفِ بالعجز عن معالجة الأزمة المعيشية، بل "سخرت من الجوعى وطالبتهم بالعمل المجاني في وقت تنعدم فيه فرص العمل أمام اليمنيين الواقعين تحت سيطرتها، بعد أن سدت كافة منافذ الحياة والعمل".
وأضاف السامعي، في تصريحات خاصة لمنصة "الهدهد"، أن محمد مفتاح "كان يسكن في غرفتين ملحقتين بأحد جوامع صنعاء، لكنه اليوم يعيش في قصر باذخ اقتناه من أقوات الجوعى، شأنه شأن بقية القيادات الحوثية"، معتبراً أن هذه القيادات "لا تكترث لمعاناة الناس ولا تتذكر حالها السابق".
وربط السامعي بين هذه التصريحات وبين ما وصفه بإرث الإمامة في التعامل مع المجاعات، قائلاً إن "خطابات مفتاح تشبه خطابات أئمة الماضي الذين تجاهلوا المجاعات التي تعرض لها اليمنيون"، مستشهداً بمقولة الإمام يحيى حميد الدين: "من عاش فهو عتيق ومن مات فهو شهيد". وأضاف: "هؤلاء الإماميون الجدد يسيرون في طريق أشد من سابقيهم في التضييق على المواطنين"، مشيراً إلى أن مدير برنامج الغذاء العالمي وصف الحوثيين في وقت سابق بأنهم "يسرقون الطعام من أفواه الجوعى".
وفي معرض حديثه عن نظرة الحوثيين إلى المواطنين، قال السامعي إن الجماعة "لم توفر الرواتب حتى لمن التحق بجبهاتها، وتركتهم جوعى أيضاً"، مستشهداً بحادثة أحد المصابين في صفوف الحوثيين الذي ظهر وهو يصرخ قائلاً: "أنا جاوع"، مضيفاً أن الجماعة "تنكرت له كما تنكرت لبقية اليمنيين".
وأشار إلى أن الحوثيين، بوصفهم سلطة أمر واقع، "لم يقوموا بمسؤولياتهم تجاه المواطنين، ولم يسمحوا للمنظمات بأداء دورها، كما لم يتركوا المواطن يتدبر أمره المعيشي"، معتبراً أن الجماعة "استحدثت أبواباً واسعة للجبايات استنزفت أموال اليمنيين وقضت على فرص العيش الكريم".
وأضاف أن كثيراً من اليمنيين اضطروا إلى بيع ممتلكاتهم لمواجهة الظروف المعيشية، "لكن الجماعة صادرت الرواتب والأموال، وفرضت الأخماس والأعشار والمجهود الحربي وغيرها من الجبايات حتى تم سحق مختلف الطبقات الاجتماعية". كما اتهمها باحتكار المساعدات الإنسانية ومساعدات التجار وتكوين "إمبراطوريات مالية كبيرة"، مضيفاً: "غنيهم فاحش الثراء، وشبع متشردهم، وتملكت قناديلهم الشركات".
ويرى السامعي أن الفكر الإمامي "قام تاريخياً على الجبايات التي تستنزف أموال اليمنيين وتعرضهم للمجاعات"، مضيفاً: "ما من إمام حكم اليمن إلا وشهدت البلاد في عهده مجاعتين أو أكثر، رغم تكدس الأموال في مخازنهم، لكنهم كانوا يبخلون بها على الشعب".
وفي ما يتعلق بسياسات الرواتب، قال إن الحوثيين "يحذون حذو الإمامة القديمة حذو القذة بالقذة، بل يزيدون عليها في أبواب الجبايات"، موضحاً أن الأموال التي تُجبى من المواطنين "تُوزع وفق تراتبية طبقية، تتصدرها الطبقة الحاكمة، بينما لا يحصل المقاتلون أنفسهم إلا على الفتات".
وأضاف أن الأزمة الحالية أفرزت "طبقة جديدة هي طبقة المشرفين، التي تأتي بعد طبقات القيادات الدينية والسياسية الهاشمية، بينما تتراجع طبقة السياسيين الزنابيل الذين تم استيعابهم سابقاً ضمن الجماعة". وقال: "لقد أحرقوا كل أوراق التراجع خلفهم وما زالوا مصرين على المضي في هذا الطريق".
وأكد السامعي أنه لا يرى أي اختلاف جوهري بين الحوثيين والإمامة التاريخية، قائلاً: "لا يختلف الإماميون الجدد الحوثيون عن الإماميين القدامى، لا في العقيدة ولا في الفكر، بل إنهم أشد منهم بسبب الامتداد الإيراني". وأضاف أن "الفكر القديم والجديد قائم على التمييز العنصري، وادعاء الحق الإلهي، والجبايات، وكنز الأموال، واستخدام العنف والإرهاب لإخضاع اليمنيين".
وأشار إلى أن الحوثيين "يستنسخون حتى أبسط خطوات الماضي ويجعلون منها عقيدة وتشريعاً"، مضيفاً أنهم "لم يختلفوا حتى في المجاعات والتخلف ونشر الفقر والمرض والجهل، وهي أبرز سمات الماضي التي يعملون على تكريسها اليوم".
وخلص السامعي إلى القول: "لا تستطيع التمييز بين الإمامة والحوثية؛ فالفكر هو الفكر، والعقيدة هي العقيدة، والنهب هو النهب". وأضاف أن أبرز ما يميز الحوثية، من وجهة نظره، هو "ولاؤها للخارج وافتقادها للقرار المستقل"، معتبراً أن الجماعة "تقدم نفسها كأداة قادرة على تنفيذ أجندات القوى الخارجية مقابل استمرار بقائها ودعمها".
لوم الجائعين لا جديد
بدوره، أكد الكاتب ورئيس مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام، عادل الأحمدي، أن تصريحات مفتاح لا تمثل موقفاً استثنائياً داخل الجماعة، بل تعكس خطاباً دأب الحوثيون على ترديده منذ سنوات.
وأوضح الأحمدي، في تصريحات خاصة لمنصة "الهدهد"، أن "تصريحات محمد مفتاح وجدت طريقها إلى الإعلام وأحدثت هذه الضجة، بينما هذه النبرة في لوم الجياع هي ما يقوم به خطباء الحوثي في كل جمعة على مدار السنوات، إلى درجة أنهم يتهمون من يئنون من الجوع وكأنهم عملاء، فهذه هي وظيفة الحوثي أصلاً؛ تجويع الآخر وتجويع الشعب، ولا أرى في ذلك جديداً، لأنه جاء من أجل هذا الشيء".
وأضاف أن "ربط الأمعاء بالجبهات يبين إلى أي مدى لا يريد هؤلاء إلا أن يأكل من يقاتل معهم في الجبهات، ولا يهمهم أمر الشعب"، معتبراً أن الحوثيين "يمثلون امتداداً شاخصاً للإمامة التاريخية"، مستشهداً بأبيات للشاعر محمد محمود الزبيري في وصف الإمام:
نسدي له أموالنا ونفوسنا
ويرى بأنا خائنون لئام
كم من أب واسى الإمام بروحه
ماتت جياعاً بعده الأيتام
يمتص ثروة شعبه ويميته
جوعاً، ليسمن آله الأعلام
وأكد الأحمدي أن "النقطة المهمة التي أريد قولها في هذا السياق أنه لا يجب أن نحمّل الحوثيين أي مسؤولية في ذلك، فالحوثيون عبارة عن عدو، ومن الخبل والخطل أن نلوم العدو لأنه يمارس عداوته بكل وضوح".
وأضاف: "لا نريد أن نتحوّل إلى معارضة ونتعامل معهم كسلطة وكأننا نطالبها بأن تمنح المواطنين رواتب أو تشبعهم من جوع أو تؤّمنهم من خوف، لا على الإطلاق".
وحمّل الأحمدي المسؤولية الكاملة لـ"القيادة الشرعية ومن ورائها المجتمع الدولي"، قائلاً: "كل يوم يمر وكل أمعاء تقرقر هي مسؤولية الحكومة الشرعية، ومسؤولية كل يمني، وعلى رأسهم حكومتهم الشرعية، في إنهاء هذه المجاعة".
وختم بالقول: "إذا ظل الحوثيون على ما هم عليه، ستظل المآسي على امتدادها من جوع وفقر وقهر وانتهاك للأعراض والعقائد والحريات والحرمات والأوطان".