خلفيات وحسابات.. ما وراء "نبش" إعلام "أحمد علي صالح" لملفات المشاريع المتعثرة في مدينة حيس؟
بثّت قناة "اليمن اليوم"، التي تبث من القاهرة وتُعرف بقربها من أحمد علي عبدالله صالح، مؤخراً، تقريراً مصوراً تناول تعثر عدد من المشاريع الخدمية في مدينة حيس، (جنوبي محافظة الحديدة)، مسلطًا الضوء على معاناة السكان نتيجة توقف مشاريع حيوية أوشكت على الاكتمال.
التقرير، الذي تابعته منصة "الهدهد" بدا في ظاهره، مادةً خدمية تنقل شكاوى المواطنين بشأن تأخر مشروع الكهرباء وسفلتة مدخل المدينة، إلا أن توقيته، والجهة التي بثته، وطريقة صياغته، دفعت مراقبين إلى قراءة ما هو أبعد من الملف الخدمي، خاصة أن المدينة تقع ضمن مناطق النفوذ العسكري والإداري للقوات التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي "طارق صالح".
رسائل سياسية
ركز التقرير على مشروعين رئيسيين، هما مشروع الكهرباء ومشروع سفلتة وتشجير مدخل مدينة حيس، مؤكدًا أن نسبة الإنجاز في بعضهما تجاوزت 80% قبل أن تتوقف الأعمال "لأسباب غير مفهومة".
ونقل التقرير شهادات لمواطنين تحدثوا عن الأضرار التي خلفها التعثر، من انقطاع الكهرباء في ظل موجات الحر، إلى تزايد الحوادث المرورية بسبب الطريق غير المكتمل، قبل أن يختتم بتساؤل حمل دلالة سياسية "هل من مسؤول يسمع أصواتهم؟"، مع الإشارة إلى ما وصفه بـ"العجز واللامبالاة".
هذه اللغة دفعت بعض متابعين إلى اعتبار أن التقرير لم يكن مجرد تغطية لمعاناة السكان، بل حمل رسائل سياسية مغلفة بقالب خدمي، منها استدعاء مرحلة النفوذ الإماراتي
استحضار المرحلة
ويرى متابعون أن التقرير أعاد، بصورة غير مباشرة، استحضار المرحلة التي كانت الإمارات تشرف خلالها على تنفيذ وتمويل عدد من المشاريع في الساحل الغربي.
فالإصرار على أن المشاريع كانت تسير بوتيرة جيدة قبل أن تتوقف، قد يُقرأ باعتباره مقارنة ضمنية بين مرحلتين، الأولى شهدت نشاطًا تنمويًا ملحوظًا، والثانية تعثرت فيها المشاريع رغم اقتراب بعضها من الاكتمال.
ورغم أن التقرير لم يذكر الإمارات صراحة، فإن هذا المعنى بدا حاضرًا بين السطور، بما يعيد إلى الأذهان صورة الإدارة السابقة للملف الخدمي في الساحل الغربي.
إحراج سلطة طارق
في المقابل، يرى آخرون أن الرسالة الأكثر وضوحًا كانت موجهة إلى السلطات القائمة في مناطق سيطرة طارق صالح.
وذكروا أن اختيار مدينة حيس تحديدًا، وهي إحدى المناطق الواقعة ضمن نفوذ "المقاومة الوطنية"، مع التركيز على مشاريع متعثرة قاربت على الإنجاز، ثم استخدام تعبيرات مثل "العجز" و"اللامبالاة"، يضع السلطة المحلية والجهات المشرفة على هذه المناطق في دائرة المساءلة السياسية والإعلامية.
ويكتسب ذلك أهمية إضافية في ظل الخطاب الذي يقدّم الساحل الغربي باعتباره نموذجًا للاستقرار والإدارة مقارنة بمناطق الصراع الأخرى.
أنسنة المعاناة... وسيلة لتعزيز الرسالة
إلى ذلك اعتمد التقرير على شهادات إنسانية أكثر من اعتماده على الأرقام أو الوثائق، حيث تحدث مواطنون عن أطفال يعانون من آثار الحرارة بسبب غياب الكهرباء، وكبار سن يواجهون ظروفًا صحية صعبة، إلى جانب حوادث سير ناجمة عن الطريق غير المكتمل.
هذا الأسلوب، الذي يقوم على إبراز المعاناة اليومية، يمنح التقرير بعدًا وجدانيًا، لكنه في الوقت ذاته يعزز الرسالة السياسية، عبر تحميل الجهات المسؤولة تبعات استمرار هذه الأوضاع.
تباينات داخل البيت المؤتمري
وفي ذات الوقت يفتح التقرير الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين الأجنحة المحسوبة على حزب المؤتمر الشعبي العام.
فعلى الرغم من انتماء "أحمد علي صالح" و"طارق صالح" إلى الدائرة السياسية نفسها، فإن ظهور تقرير بهذا المستوى من النقد تجاه مناطق نفوذ الأخير قد يعكس استمرار التنافس على النفوذ والرمزية داخل المعسكر المناهض للحوثيين، أو على الأقل اختلافًا في أولويات الخطاب الإعلامي بين الطرفين.
ولا يمكن الجزم بأن التقرير يعكس موقفًا سياسيًا منظمًا، إلا أن صدوره عن وسيلة إعلام محسوبة على "أحمد علي" يمنحه دلالات تتجاوز مجرد التغطية الخدمية.
ما الذي يعنيه ذلك؟
في المشهد اليمني، تحولت الملفات الخدمية منفصلة عن الصراع السياسي إلى إحدى أدوات الضغط وتبادل الرسائل بين القوى المتنافسة.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى تقرير "اليمن اليوم" باعتباره محاولة لإعادة فتح ملف الأداء الخدمي في الساحل الغربي، وفي الوقت نفسه توجيه انتقاد غير مباشر للسلطات القائمة هناك، مستفيدًا من معاناة المواطنين لإثارة أسئلة حول كفاءة الإدارة المحلية وقدرتها على استكمال مشاريع حيوية.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستدفع هذه الرسائل الإعلامية السلطات في الساحل الغربي إلى تسريع استكمال المشاريع المتعثرة، أم أنها تمثل مؤشرًا على مرحلة جديدة من التنافس الإعلامي والسياسي بين أجنحة المعسكر الواحد، حيث أصبحت ملفات الخدمات جزءًا من معركة النفوذ بقدر ما هي قضية تمس حياة المواطنين؟.