"جثة بلا رأس" واتهامات بالتصفية.. كيف تفاعل اليمنيون مع تطورات مصير السياسي "محمد قحطان"؟ 

2026-07-09 20:31 الهدهد - خاص
محمد قحطان - منصة الهدهد
محمد قحطان - منصة الهدهد

تتصاعد ردود الفعل اليمنية الغاضبة وتأخذ أبعاداً حقوقية وقانونية أكثر صرامة، عقب التكشف المتسارع للتفاصيل "الوحشية" المحيطة بالإعلان عن وفاة القيادي السياسي البارز "محمد قحطان" في معتقلات مليشيا الحوثي. ودخلت القضية مرحلة التشكيك الجنائي الكامل في الرواية الحوثية التي تزعم مقتله في غارة جوية قديمة، وسط اتهامات متزايدة للجماعة بتصفيته جسدياً في وقت قريب، وتقطيع جثته لطمس معالم التعذيب، وسط مطالبات بتحميل زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي المسؤولية الجنائية المباشرة.

وعبّر قادة سياسيون وبرلمانيون وإعلاميون يمنيون عبر منصات التواصل الاجتماعي عن إدانتهم الشديدة للممارسات الحوثية، معتبرين أن إخفاء مصيره طوال عقد من الزمن، ثم الكشف عن وفاته في ظروف غامضة، يمثل انتهاكاً صارخاً لكل القوانين الإنسانية والدولية.

وفي وقت سابق اليوم (الخميس 9 يوليو)، كشفت مصادر وتصريحات خاصة لأسرة السياسي اليمني البارز والمخفي قسرياً منذ أكثر من 11 عاماً، "محمد قحطان"، عن "مفاجأة صادمة" تمثلت في تقديم مليشيا الحوثي "نصف جثة" فقط بلا رأس ولا قفص صدري، والادعاء بأنها تعود للقائد السياسي، وسط غضب شعبي عارم واتهامات صريحة للجماعة بتصفيته جسدياً وطمس معالم الجريمة.

وجاء هذا الإعلان الصادم بعد أن أنهت لجنة رباعية، تضم الحكومة اليمنية وأسرة قحطان، والحوثيين، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، معاينة الرفات غير المكتمل في العاصمة صنعاء، وأخذ أربع عينات مستقلة من الـ DNA، تمهيداً لنقلها من قبل الصليب الأحمر إلى مختبرات دولة بريطانيا للتأكد الجنائي من الهوية.

وفي تصريحات خاصة ومفصلة، أدلى بها عبد الرحمن قحطان، نجل السياسي المخفي لمنصة "الهدهد"، كشف عن كواليس الجلسة العاصفة والملاسنات التي دارت مع ممثلي جماعة الحوثي، مؤكداً الرفض المطلق للعائلة للرواية الحوثية.

وأكد نجل قحطان أن "النصف السفلي من الجثة موجود، أما النصف العلوي فغير موجود تماماً؛ حيث جُردت الجثة من الرأس والقفص الصدري، ولم يُسلم سوى بضعة عظام من اليد وعظمة واحدة فقط من العمود الفقري".

وأبدت العائلة وفريقها الفني اعتراضاً شديداً، معتبرين أنه من غير المنطقي طبياً وعظامياً أن يتبقى النصف السفلي للجسد كاملاً، بينما يختفي الرأس تماماً، وهو العضو الأشد تماسكاً وقوة في الهيكل العظمي البشري.

وفي أولى الردود الغاضبة، اعتبر البرلماني اليمني "محمد مقبل الحميري" أن القيادي "محمد قحطان" سيبقى "شاهداً حياً وميتاً على أحقر مجرمين سلاليين عنصرين"، مؤكداً أن الحوثيين عذبوه وقتلوه بغض النظر عن الوسيلة، سواء بتفجير مكانه أو تحت التعذيب.

وقال "الحميري" في منشور على "فيسبوك" تابعته "الهدهد"، "تعذيب متعمد لأسرته وأحبابه لأكثر من عشر سنوات دون الإفصاح عن مصيره.. ليت القيادة السياسية والأحزاب وكل شرفاء الوطن يتركون خلافاتهم ويتوحدون تحت راية وقيادة واحدة لمواجهة هذا الحقد الدفين على اليمن واليمنيين".

من جانبه، شارك الدبلوماسي والسياسي اليمني "علي أحمد العمراني" هذا الموقف، واصفاً الجماعة بـ"المجرمين المحترفين"، لافتاً إلى احتمالية وضعه في مرمى النيران أو تصفيته جسدياً مع إيهام أسرته طوال سنوات بأنه على قيد الحياة.

أما الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام، "توكل كرمان" فجّرت تفاصيل مرعبة حول ما عُرض على أسرة قحطان، مؤكدة أن الجماعة ارتكبت "سلسلة جرائم مركبة" بدأت بالاختطاف وانتهت بالوفاة تحت ظروف تكتنفها الشكوك الشديدة.

وأبرز ما كشفته كرمان حول ملابسات الوفاة، في منشور لها على "فيسبوك" رصدته "الهدهد"، ان أسرة قحطان أكدت أن الجثمان المعروض عليها اقتصر على "النصف السفلي" فقط، بينما الجزء العلوي والرأس مفقودان، كما أن الجماعة بررت تشوه الجثة بتعرض الموقع لـ"قصف جوي"، وهي رواية لا تبدد الشكوك بل تزيدها.

وأشارت إلى أن عائلة قحطان تعرضت لضغوطات لإجبارها على التوقيع على محضر المعاينة لإغلاق الملف، مشددة على أن فرضية "التصفية الجسدية أو طمس الأدلة" تظل قائمة بقوة، مطالبة بمساءلة جنائية كاملة لا تسقط بالتقادم.

فحص الـ DNA أولاً

في السياق ذاته، شكك "عبد الرحمن صالح معزب"، رئيس الكتلة البرلمانية للمكتب السياسي للمقاومة الوطنية وعضو مجلس النواب، في الرواية الحوثية جملة وتفصيلاً، مؤكداً غياب أي دليل قطعي يثبت أن الجثة تعود للقيادي قحطان.

وحدد معزب في منشور على "فيسبوك" رصدته "الهدهد"، خطوات رئيسية للتعامل مع هذه الأنباء، من خلال الفحص الطبي الشرعي (DNA)، كخطوة أولى وأساسية للتأكد من هوية الجثة، والتحقيق الشفاف لمعرفة أين ومتى توفي بدقة، إضافة إلى كشف ما إذا كان قحطان في السجن أثناء القصف، أم جرى نقله عمداً إلى موقع عسكري لاستخدامه كدرع بشري.

مرثية إنسانية في رجل السلام

بعيداً عن لغة السياسة الجافة، نعى الإعلامي والكاتب اليمني البارز "أنور العنسي" قحطان، بكلمات مؤثرة، مؤكداً صعوبة تصديق رحيل رجل كان يمثل "السياسي المدني الرائع، والإنسان الودود اللطيف".

واستذكر "العنسي" مواقف شخصية جمعته بقحطان في صنعاء قائلاً: "كان مرحاً وساخراً، شديد التجاوب مع الصحافة في أحلك المنعطفات السياسية.. كان يحضر مقيلي ويزورني ويفسح لي مكانه بكل احترام ونبل". 

بدوره نقل الكاتب والمحلل السياسي "محمد علي محسن" تفاصيل تقشعر لها الأبدان عن نجل قحطان الأكبر "عبد الرحمن"، واصفاً الجريمة بأنها فاقت حدود الفاشية والدناءة.

وعلّق محسن بالقول: "هذه جريمة قتل مكتملة الأركان، جريمة قتل بالتقسيط، سيبقى عارها وصمة في جبين القتلة والتاريخ. لم يكتفوا باختطاف وإخفاء بقايا جسد، وإنما أرادوا دفن الحقيقة في قبر النسيان، بعد أن قتلوه كل يوم ألف مرة في غياهب زنازينهم".

مخاوف من "طمس معالم التعذيب"

من جانبه، أكد المحلل السياسي اليمني "ياسين التميمي" أن عرض "نصف جثة" لا يمثل دليلاً قطعياً يمكن الاعتماد عليه للتأكد من هوية قحطان، مشيراً إلى أن القضية تدخل الآن منعطفاً قانونياً وإنسانياً جديداً ومشدداً على أن الجريمة لا تسقط بالتقادم.

وذكر في منشور له على منصة "إكس"، تابعته "الهدهد" أن تقديم دليل غير مكتمل هو محاولة مكشوفة من مليشيا الحوثي لإخفاء الأدلة على الانتهاكات البشعة التي تعرض لها قحطان.

وقال "إذا كان قحطان قد قُتل جراء قصف جوي كما يزعم الحوثيون، فعليهم تقديم أدلة كاملة تثبت أين ومتى، ولماذا وُضع في موقع عسكري مستهدف"، ولفت إلى أن تقطيع الجسد وإخفاء النصف العلوي (بما فيه الرأس) يرجح بقوة محاولة طمس آثار التعذيب العنيف الذي تعرض له حتى الموت.

استعادة الجمهورية أو باطن الأرض

وفي رد فعل اتسم بالمرارة والغضب، تساءل الإعلامي اليمني "جميل محمود عز الدين" عن غياب أي وازع ديني أو قيمي أو قبلي لدى الجماعة، معتبراً أن ما حدث يتنافى مع أبسط أخلاق الحرب والإنسانية.

وقال "عزالدين" "أي دين لهؤلاء القتلة وأية ذمة حتى الأسير لم يسلم منهم؟! لا أخلاق يمنية ولا عربية ولا إسلامية ولا قبلية.. إن استعادة الجمهورية واجب على كل يمني، مالم فباطن الأرض خير من هذا الذل".

في السياق، عبّر وكيل وزارة الإعلام "عبد الباسط القاعدي" عن عمق الفجيعة برحيل قحطان، واصفاً إياه بـ"أهم العقول السياسية اليمنية على الإطلاق"، ومؤكداً أن هذه الجريمة النكراء وحدها كافية لكي ينتفض الشعب اليمني في وجه الميليشيا ويمحوها من الوجود.

"جرعة يقظة" للملمة الصفوف

بدوره، اعتبر الكاتب والباحث "نبيل البكيري" أن قضية الزعيم الوطني محمد قحطان هي صورة مصغرة ومكثفة لطبيعة العلاقة بين الشعب اليمني وجماعة الحوثي "الشوفينية العنصرية"، مشيراً إلى أن الإمامة عادت إلى اليمن مستغلة أحقاد وخنوع حفنة من الساسة العجزة.

ودعا البكيري اليمنيين إلى إقامة "احتفاء جنائزي مهيب" في عموم المحافظات المحررة، وجعل هذه الفاجعة الأليمة "جرعة يقظة وطنية" حقيقية تهدف إلى لملمة الصفوف، وتجاوز الخلافات، واستعادة النضال على كل المستويات للتخلص من الجماعة الطائفية.

فرضية القتل تحت التعذيب

الأكاديمي والباحث اليمني "عارف أبو حاتم" تحدث عن معطيات طبية وجنائية وصفت بالخطيرة، مشيراً إلى أن حالة الأشلاء المقدمة من الحوثيين لا تمثل دليلاً قاطعاً على الهوية، بل تمثل دليلاً واضحاً على ارتكاب جريمة تعذيب وحشية سبقت الموت.

وذكر أن "الجثمان المقدم لا يحتوي على رأس ولا قفص صدري، وبقية أجزائه مهشمة بالكامل. في حال طابقت فحوصات الـ DNA الهوية، فهذا لا يعني صحة رواية القصف الجوي، بل يؤكد تعرضه لتعذيب عنيف أدى لتهشيم وجهه وجمجمته وصدره، ثم عُمد إلى إخفاء هذا الجزء لترقيع الجريمة بادعاء الغارة الجوية قبل 10 سنوات".

كما طرح أبو حاتم فرضية زمنية صادمة تخالف المزاعم الحوثية، مؤكداً: "لدي يقين أن الفحص الطبي الشرعي خارج اليمن سيؤكد أن عملية القتل والتصفية تمت مؤخراً، وقبل أقل من 3 سنوات فقط، وليس قبل عقد من الزمن".

من جانبه، أشار الكاتب والمحلل السياسي "حسين الوادعي" إلى أن خبر تصفية قحطان كان قد سُرّب قبل سنوات، لكن الآمال ظلت متمسكة برؤيته حياً. ولفت الوادعي إلى "الحقارة" السياسية التي مارستها الجماعة باعترافها المبطن بإخفاء وفاته طوال هذه السنين خوفاً على مصير أسراهم لدى الحكومة الشرعية.

ودعا الوادعي عائلة قحطان وحزبه (التجمع اليمني للإصلاح) إلى التوقف عن التعاطي المحلي مع القضية، وتدويلها بشكل عاجل، سواء قُتل تحت التعذيب أو استُخدم كدرع بشري، بوصفه معتقلاً سياسياً وُضع في موقع عسكري مستهدف، فالنتيجة واحدة والجريمة حوثية بامتياز.

وأبدى الوادعي استغرابه الشديد من صمت حزب الإصلاح -الذي يمتلك شبكات حقوقية واسعة في أوروبا وأمريكا- وعدم تحريكه للملف قانونياً حتى الآن لتقديم الجناة إلى المحاكم الدولية.

تحقيق دولي 

في السياق ذاته، حمّل وكيل وزارة الإعلام اليمنية "د. محمد قيزان"، زعيم الجماعة "عبد الملك الحوثي" المسؤولية الجنائية والقانونية المباشرة عن التصفية الجسدية التي تعرض لها قحطان بعد 11 عاماً من الإخفاء القسري.

وقال "قيزان" "لا يمكن القبول مطلقاً بالرواية المضللة التي تروج لها المليشيات. المسؤولية الكاملة تقع على عاتق عبد الملك الحوثي شخصياً بصفته قائد الجماعة التي احتجزته طوال هذه السنوات، وهو المسؤول الأول عن سلامته وفق القانون الدولي والإنساني".

وشدد على أن هذه الجريمة البشعة لا يمكن أن تمر دون تحقيق دولي مستقل وشفاف، تشرف عليه الأمم المتحدة لكشف الحقيقة كاملة، وإنصاف أسرة الضحية، ووضع حد نهائي لسياسة الإفلات من العقاب التي تتدثر بها الجماعة في تعاملها مع ملف المختطفين والمخفيين قسرياً.