الحديدة.. موانئ تدر المليارات وسكان يبحثون عن وجبة

2026-07-23 09:49 الهدهد/خاص:
صيادون يعرضون أسماكهم للبيع في ميناء الاصطياد بمدينة الحديدة
صيادون يعرضون أسماكهم للبيع في ميناء الاصطياد بمدينة الحديدة

مع أول خيوط الفجر، يدفع أحمد، وهو صياد في أوائل الأربعينيات، قاربه الخشبي الصغير نحو مياه البحر الأحمر. قبل سنوات كان يعود بما يكفي لإعالة أسرته، أما اليوم فيعود غالباً بصيد قليل لا يغطي سوى جزء من احتياجات منزله.

يسكن أحمد مع زوجته وخمسة أطفال ووالدته المسنة في شقة صغيرة من غرفتين على أطراف مدينة الحديدة، يدفع مقابلها ثلاثين ألف ريال شهرياً. وبعد أن يسدد الإيجار ويشتري الدقيق والأرز وما تيسر من احتياجات أطفاله، لا يبقى في جيبه شيء تقريباً.

يقول وهو ينظر إلى البحر الممتد أمامه: "لدينا البحر، ولدينا الميناء، وتدخل إلى المحافظة آلاف الحاويات والسفن، لكننا نحن لا نرى إلا الفقر. لا نعرف أين تذهب كل هذه الأموال".

بالنسبة لأحمد، لم تعد الحرب مجرد أخبار يسمعها في نشرات التلفزيون، بل أصبحت جزءاً من تفاصيل حياته اليومية، فكلما تصاعد التوتر في البحر الأحمر، ازداد خوفه من أن تتوقف حركة الصيد، أو ترتفع الأسعار، أو تعود الغارات الجوية التي شهدتها المحافظة خلال العامين الماضيين.

ويضيف بحسرة: "لا أحد يسأل عن الناس هنا. الحوثيون يعتبرون الحديدة مصدراً للجبايات، ويطلبون من الشباب القتال معهم، بينما نحن لا نحصل حتى على أبسط الخدمات. مغامراتهم مع إيران جلبت لنا القصف والخوف، ولم تجلب لنا مدرسة ولا مستشفى ولا فرصة عمل".

الجوع يتسع أكثر

وتتجدد هذه المخاوف اليوم مع عودة الحوثيين إلى التصعيد البحري وإعلانهم فرض حظر على السفن المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر، بعد أشهر من الهدوء النسبي الذي أعقب التفاهم مع الولايات المتحدة بوساطة سلطنة عُمان. ويخشى سكان المحافظة أن يؤدي هذا التصعيد إلى جولة جديدة من الضربات العسكرية، خصوصاً أن الحديدة دفعت بالفعل ثمن المواجهات السابقة، عندما تعرّضت منشآت وموانئ ومصانع لغارات أثرّت بصورة مباشرة على الاقتصاد المحلي، وأفقدت آلاف العمال مصادر دخلهم.

وتختصر قصة أحمد، التي تنقلها منصة الهدهد، واقع محافظة كاملة، فبينما يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر، تصنّف الأمم المتحدة الحديدة اليوم واحدة من أكثر المحافظات اليمنية تعرضاً للجوع وانعدام الأمن الغذائي. 

وتشير أحدث تقارير لجنة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، إلى أن بعض مديريات المحافظة، وفي مقدمتها مديرية الزهرة، دخلت المرحلة الخامسة من التصنيف، وهي مرحلة "الكارثة"، بما يعني وجود جيوب سكانية تواجه خطر المجاعة الفعلية، فيما يعيش ما بين 60 و70 في المائة من السكان في مستويات "الأزمة" أو "الطوارئ" الغذائية.

كما تسجل الحديدة أعلى معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل والمرضعات، بينما يعيش ما بين 85 و90 في المائة من السكان في دائرة الفقر متعدد الأبعاد، بعد أن انهارت مصادر الدخل التقليدية، من الصيد والزراعة والعمل اليومي، وتوقفت رواتب معظم موظفي القطاع العام منذ سنوات.

إيرادات بلا تنمية

لكن المفارقة أن هذه المحافظة المنكوبة تحتضن أهم الموانئ التجارية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، والتي تواصل تحقيق إيرادات مالية ضخمة. فبحسب تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي، بلغت الإيرادات الجمركية والضريبية المتحصلة من واردات الوقود والسلع عبر موانئ الحديدة خلال الفترة الممتدة من أبريل 2022 حتى يونيو 2024 نحو 1.8 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة 994 مليار ريال يمني، فيما تتراوح الإيرادات السنوية للموانئ بين مليار وملياري دولار.

ورغم هذه الموارد، لم ينعكس شيء منها على حياة السكان، فوفق تقارير دولية، لا تُدار هذه الإيرادات ضمن موازنة عامة معلنة أو خاضعة للرقابة، بل يُوجه جانب كبير منها إلى تمويل الأنشطة العسكرية والأمنية، فيما يستمر الجدل بشأن عدم تخصيص إيرادات الميناء لصرف رواتب موظفي الدولة، خلافاً لما نص عليه اتفاق ستوكهولم الموقع عام 2018.

تصعيد يفاقم المعاناة

ويأتي ذلك في وقت يعيد فيه الحوثيون توسيع عملياتهم العسكرية في البحر الأحمر، عبر إعلان استهداف السفن المرتبطة بالسعودية، في خطوة تنذر بإعادة المنطقة إلى دائرة التصعيد بعد فترة من الهدوء النسبي. 

ويخشى سكان الحديدة أن يقود هذا المسار إلى ردود عسكرية جديدة، تجعل المحافظة مرة أخرى ساحة للمواجهة، وتلحق أضراراً إضافية بالموانئ والمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية، وتدفع بمزيد من السكان إلى دائرة الفقر والجوع.

وهكذا تقف الحديدة أمام مفارقة يصعب تجاهلها؛ محافظة تستقبل السفن القادمة من مختلف أنحاء العالم، وتدر موانئها مليارات الدولارات، لكنها في الوقت نفسه تتصدر مؤشرات الجوع والفقر وسوء التغذية في اليمن. وبين وفرة الموارد وشدة الحرمان، يبقى السؤال الذي يردده أحمد كل صباح وهو يعود بقاربه إلى الشاطئ:

"إذا كانت كل هذه الأموال تدخل الحديدة، فلماذا يبقى أهلها الأكثر جوعاً؟".