باكستان تدخل معادلة البحر الأحمر.. خبيران يتحدثان لـ"الهدهد" عن رسائل الردع وحسابات التصعيد (تقرير)

2026-07-26 17:26 الهدهد - خاص
باكستان والبحر الأحمر  - منصة الهدهد
باكستان والبحر الأحمر - منصة الهدهد

في تطور جيوسياسي لافت، يُعيد رسم خريطة الردع الإقليمي، دخلت "باكستان" خط أزمة الملاحة البحرية في البحر الأحمر بتحذير شديد اللهجة وجهته إلى إيران وجماعة الحوثي، معلنة أن أي استهداف للسفن التي تحمل العلم الباكستاني أو تلك المرتبطة بالموانئ السعودية يُعد تهديداً مباشراً لأمنها القومي وحقاً أصيلاً للرد بالقوة.

وكانت وزارة الخارجية الباكستانية قد أكدت، الأربعاء الماضي، في بيان رسمي، أنها تحتفظ بحقها كاملاً في استخدام القوة لمواجهة أي عمل عدائي يستهدف السفن التي ترفع العلم الباكستاني أو المصالح البحرية المرتبطة بها، مجددة رفضها القاطع لتهديدات الحوثيين الموجهة ضد حركة الملاحة التجارية المرتبطة بالمملكة.

وجاء الموقف الباكستاني الحاد أعقاب إعلان الجماعة استهداف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر عبر هجمات مركبة استخدمت فيها صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيّرة، بحجة "انتهاك الحصار البحري" الذي فرضه المتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، والذي أعلن سابقاً حظراً للملاحة البحرية على السعودية.

ورداً على ذلك، أفادت الرياض باتخاذ "جميع الإجراءات اللازمة لحماية سفنها" وفقاً للقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فيما توعد تحالف دعم الشرعية بالرد "بكل حزم وقوة" لحماية حركة الملاحة العابرة عبر مضيق باب المندب، بالتوازي مع موجة تنديدات عربية ودولية واسعة حذرت من تداعيات التصعيد الحوثي على التجارة العالمية.

اتصالات رفيعة وتصعيد الردع

وفي سياق متصل، أدين التكثيف الهجومي للحوثيين من أعلى مستويات السلطة التنفيذية في إسلام آباد، حيث وصف رئيس الوزراء الباكستاني، "محمد شهباز شريف"، استهداف الناقلات السعودية بأنه "عمل غير مقبول ويشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتهديداً لسلامة الملاحة والأمن الإقليمي".

وأكد شريف، في تصريح عبر منصة "إكس"، يوم الخميس، عقب اتصال هاتفي أجراه مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تضامن باكستان المطلق مع المملكة ودعمها لكافة التدابير التي تتخذها لحماية أمنها وسيادتها البحرية.

على ضوء ذلك، تناولت منصة "الهدهد" في هذا التقرير دلالات التهديد الباكستاني بالرد، وما إذا كان التلويح باستخدام القوة يمثل بداية لتشكيل تحالفات أمنية جديدة لحماية الملاحة الشريانية، أم أنه أداة ضغط دبلوماسية للجم التصعيد وإعادة ترتيب حسابات السيطرة والردع في الممرات البحرية لشرق الأوسط.

ويُجمع محللان وخبيران بالشأن السياسي تحدثا لمنصة "الهدهد" على أن التحرك الباكستاني الأخير يرسم "خطوطاً حمراء جديدة" فرضتها طبيعة التحالف الاستراتيجي والشراكة الدفاعية بين الرياض وإسلام آباد. فالأخيرة -التي تعتمد بشكل أساسي على إمدادات النفط والمشتقات النفطية السعودية- ترى في أي تهديد للمصالح السعودية مساساً مباشراً بأمنها القومي واقتصادها.

ويرى المتابعون للشأن الإقليمي أن اتفاقيات الدفاع المشترك بين البلدين الشقيقين تجعل إسلام آباد جزءاً لا يتجزأ من أي معادلة ردع أو تحرك سعودي، سواء عبر الدعم العسكري والفني أو الإسناد السياسي والدبلوماسي. 

وفي الوقت ذاته، تضع هذه التطورات طهران أمام حسابات دقيقة؛ إذ تدرك القيادة الإيرانية أهمية الحفاظ على شعرة معاوية مع باكستان كقناة تواصل ووسيط إقليمي حيوية، مما يجبرها على مراجعة أدوات تصعيدها ومراعاة الخطوط الحمراء الجديدة في البحر الأحمر.

مصالح مشتركة تحميها القوة

وفي معرض تحليله لمحددات هذا الموقف والدوافع الاستراتيجية خلفه، يرى الكاتب السياسي السعودي "عشق بن محمد بن سعيدان" أن التحرك الباكستاني الأخير في البحر الأحمر يأتي انطلاقاً من قاعدة رئيسية في اللعبة السياسية: "لا توجد صداقات مجانية، بل مصالح تحميها القوة". 

في حديثه لـ "الهدهد" يقول "بن سعيدان"، إن "إسلام آباد تتحرك في المقام الأول لحماية أمنها القومي؛ إذ يعتمد نحو 90% من تجارتها على الملاحة البحرية، وهو ما يدفعها اليوم لرسم خط أحمر استراتيجي يُحوّل أي تهديد للملاحة أو للمصالح السعودية إلى تهديد مباشر لباكستان نفسها".

ويضيف أن الرسالة الموجهة إلى طهران وجماعة الحوثي جاءت حادة وصريحة لتؤكد أن "المساس بالرياض هو مساس بـ إسلام آباد"، لافتاً إلى أن القيادة الإيرانية تدرك اليوم أنها تقف أمام جدار دفاعي صلب، يجسّد عمق الشراكة الأمنية والعسكرية المتجذرة بين البلدين.

وحول مدى قدرة إسلام آباد على فرض هذه المعادلة، يشدد الكاتب السعودي على أن باكستان تملك بالفعل أدوات الردع الكافية؛ حيث تمنحها القدرات البحرية المتقدمة والمشاركة في الدوريات البحرية ثقلاً استراتيجياً يُعزز فرض معادلة أمنية جديدة في المنطقة، لتبقى القاعدة الذهبية حاضرة دائماً: "لا حلفاء دائمون.. بل مصالح عليا مشتركة".

رسائل سياسية 

وفي السياق ذاته، يرى المحلل السياسي اليمني "وديع عطا" أن التحركات الباكستانية الأخيرة في ملف البحر الأحمر تحمل رسائل سياسية واضحة ومباشرة مفادها أن "هناك خطوطاً حمراء لا ينبغي تجاوزها، خاصة عندما يتقاطع التصعيد مع علاقات إسلام آباد الثنائية والقوية مع الرياض".

ويقول عطا في حديثه لـ "الهدهد" إن السعودية تمثل شرياناً وحيوياً لباكستان كمورد أساسي للنفط والمشتقات النفطية، وهو ما يجعل الاستقرار في هذا الممر المائي مسألة استراتيجية ترتبط مباشرة بعمق العلاقات التاريخية والدينية والسياسية بين البلدين. وبناءً على ذلك، فإن إسلام آباد ترسل إشارة صريحة لطهران وجماعة الحوثي بأنها ستتعامل مع أي تهديد وفق ما تقتضيه اتفاقيات الدفاع المشترك والشراكة الأمنية مع السعودية.

ويضيف المحلل السياسي أن باكستان، باعتبارها قوة عسكرية إقليمية ضاربة، لن تتردد في خوض أي ترتيبات دفاعية لحماية الأمن القومي السعودي، سواء عبر الإسناد العسكري والفني، أو من خلال مواقف سياسية ودبلوماسية حازمة من قيادات الصف الأول في إسلام آباد.

وفيما يتعلق بالحسابات الإيرانية، يرى "عطا" أن طهران مجبرة على التهدئة والحفاظ على علاقاتها مع إسلام آباد؛ إذ تمثل باكستان بالنسبة لإيران "القناة الأبرز والوسيط الحيوي لامتصاص الغضب الأمريكي والدولي، وركيزة أساسية للتواصل مع دول الخليج"، وهو ما يدفع طهران، رغم رغبتها في تثبيت نفوذها الإقليمي، إلى مراعاة الخطوط الحمراء الجديدة والمصالح السعودية غير المباشرة لتجنب صدام استراتيجي مع جارتها النووية.