طبيب صالح يُفجر قنبلة سياسية بعد 15 عاماً.. هل بثّت قناة "أحمد علي" رسائل مشفّرة إلى طارق تحت غطاء "النهدين"؟
لم تكن المقابلة التي ظهر فيها الطبيب الخاص للرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح، الدكتور هيثم الرضي، مجرد شهادة متأخرة عن واحدة من أكثر محطات اليمن غموضاً، بل بدت أقرب إلى قنبلة "سياسية وإعلامية" انفجرت بعد خمسة عشر عاماً من حادثة تفجير جامع دار الرئاسة. والأكثر إثارة لم يكن مضمون الرواية بقدر ما كان "توقيت بثها والمنصة التي احتضنتها قناة "اليمن اليوم" المملوكة لأحمد علي عبد الله صالح.
وقبل أيام، ظهر الرضي في "بودكاست رؤى" على القناة، في أول ظهور إعلامي مطول له للحديث عن حادثة الثالث من يونيو/حزيران 2011، مقدماً رواية جديدة لتفاصيل التفجير، وتطرح اتهامات بشأن الجهة التي نفذته، والأهم من ذلك، تكشف – من وجهة نظره – عن إخفاقات أمنية خطيرة سبقت العملية ومهدت لنجاحها.
وقال "الرضي" إن استهداف جامع دار الرئاسة لم يكن نتيجة قصف صاروخي كما رُوّج آنذاك، وإنما نُفذ بواسطة عبوة ناسفة زُرعت داخل الجامع، معتبراً أن ما جرى كان "عملية مدبرة" رافقتها اختراقات أمنية واسعة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: "من اتهمه الرضي؟" بل: لماذا أُعيد فتح هذا الملف الآن؟ ولماذا اختارت قناة أحمد علي تحديداً أن تمنح هذه الرواية كل هذا الحضور في هذا التوقيت؟.
ورغم أن تحميل الفرقة الأولى مدرع وقائدها آنذاك علي محسن الأحمر مسؤولية تسهيل العملية ظل لسنوات جزءاً من الخطاب السياسي والإعلامي لمعسكر صالح، فإن أخطر ما ورد في حديث الرضي لم يكن موجهاً إلى خصوم 2011، بل إلى منظومة الحماية الرئاسية نفسها.
فالرجل لم يكتف بالحديث عن المنفذين، بل ركز بصورة لافتة على ما وصفه بـ"الاختراقات الأمنية" و"سوء الإدارة" داخل الحماية الرئاسية، وهو ما يعيد تلقائياً فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بالجهة التي كانت تتولى تأمين الرئيس في ذلك الوقت، وهنا تحديداً تبدأ الرواية في تجاوز خصوم الأمس، لتلامس أسماء من داخل الدائرة الأقرب إلى صالح.
تلميحات تتجاوز خصوم 2011
في المقابلة، سرد "الرضي" تفاصيل أمنية دقيقة، مؤكداً أن التفجير نُفذ بواسطة عبوة ناسفة زُرعت داخل الجامع، وليس بقصف صاروخي، وأن العبوة – بحسب روايته – وصلت عبر ميناء ميدي قبل أن تنتقل بطقم يتبع الفرقة الأولى مدرع، لكن القنبلة الحقيقية التي فجّرها الرضي لم تكن هذه الرواية، بل حديثه المطول عن "الداخل".
إذ كشف أن عربة التشويش المخصصة لتعطيل اتصالات الهواتف وأجهزة الإرسال كانت، بحسب روايته، "متوقفة وغير مفعّلة لحظة وقوع التفجير" واعتبر أن ما جرى لم يكن مجرد خلل أمني عابر، بل سلسلة من الإخفاقات التي سهّلت نجاح العملية، وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: من كان مسؤولاً عن منظومة الحماية الرئاسية في ذلك اليوم؟.
فالحديث عن اختراقات داخل الحماية لا يوجّه الأنظار فقط إلى منفذي التفجير، بل يعيد طرح ملف القيادة الأمنية التي كانت تتولى حماية الرئيس، وهو ملف ظل لسنوات بعيداً عن النقاش العلني.
ولذلك، فإن أهمية تصريحات الرضي لا تكمن فقط في إعادة اتهام الخصوم التقليديين، بل في أنها أعادت، بصورة غير مباشرة، فتح ملف لم يكن مطروحاً داخل معسكر صالح نفسه، وهو ما يمنح المقابلة أبعاداً سياسية تتجاوز كثيراً كونها مجرد شهادة توثيقية.
ورغم أن هيثم الرضي تجنّب ذكر اسم طارق محمد عبد الله صالح صراحة، فإن حديثه عن انهيار منظومة الحماية الرئاسية يفتح الباب أمام أسئلة يصعب تجاوزها، فالقائد الذي كان يتولى الحرس الخاص المكلّف بحماية الرئيس آنذاك يصبح، بحكم موقعه القيادي، حاضراً في أي نقاش يتعلق بالإخفاقات الأمنية التي سبقت التفجير، حتى وإن لم يُوجَّه إليه أي اتهام مباشر.
وهنا تكمن خطورة الرواية، فهي لا تعيد فقط اتهام خصوم صالح التقليديين، بل تعيد طرح ملف المسؤولية داخل الدائرة التي كانت تحيط بالرئيس نفسه. وإذا كانت منظومة الحماية قد شهدت، وفق رواية الرضي، اختراقات واسعة، وتعطلت فيها وسائل التشويش، فمن يتحمل المسؤولية القيادية عن تلك المنظومة؟
ملف أكثر حساسية
لا تبدو شهادة "الرضي" معزولة عن سياق إعلامي أوسع. فقبل أشهر، أعاد "مدين علي عبد الله صالح"، في وثائقي قناة العربية "المعركة الأخيرة"، سرد الساعات الأخيرة التي سبقت مقتل والده في ديسمبر/كانون الأول 2017، وهو ما فتح باباً واسعاً للنقاش حول توزيع الأدوار داخل الدائرة العسكرية المحيطة بالرئيس السابق.
واليوم، يعود الطبيب "الرضي" ليفتح ملفاً أكثر حساسية، يتعلق بتفجير جامع دار الرئاسة عام 2011. وفي الحالتين، تتكرر الأسئلة نفسها حول أداء المنظومة الأمنية والعسكرية المحيطة بصالح في أكثر اللحظات مصيرية في حياته.
ورغم أن أياً من الروايتين لا يتضمن اتهاماً مباشراً لطارق صالح، وفق متابعين فإنهما تعيدان، كلٌ بطريقته، طرح تساؤلات حول موقعه القيادي في تلك المحطات، وهو ما يمنح الشهادتين أبعادًا سياسية تتجاوز التوثيق التاريخي.
الحماية الرئاسية... الملف الذي كُسر الصمت حوله
طوال 15 عاماً، انصب الجدل حول هوية الجهة التي نفذت التفجير، بينما بقي ملف الحماية الرئاسية بعيدًا عن دائرة النقاش، لكن الرضي قلب المعادلة، فبدلًا من الاكتفاء بالحديث عن منفذي العملية، ركز بصورة لافتة على ما وصفه بالإخفاقات داخل منظومة الحماية، وتعطل وسائل التشويش، والثغرات الأمنية التي سبقت التفجير.
وبذلك، لم يعد السؤال مقتصرًا على: من نفذ العملية؟ بل أصبح أيضاً كيف نجحت؟ ومن كان مسؤولًا عن منعها؟، وهذا التحول في زاوية السرد يعيد، للمرة الأولى من داخل الدائرة المقربة من صالح، فتح ملف ظل مغلقًا لسنوات، ويطرح أسئلة لم يكن معسكر الرئيس السابق يوجهها إلى نفسه.
كما لا يمكن قراءة هذه الشهادات بمعزل عن التحولات التي شهدها معسكر صالح بعد مقتله، فبينما ظل "أحمد علي" خارج المشهد التنفيذي لسنوات، صعد "طارق صالح" ليصبح أحد أبرز الفاعلين العسكريين والسياسيين، عبر تأسيس المكتب السياسي للمقاومة الوطنية، ثم انضمامه إلى مجلس القيادة الرئاسي، ليصبح صاحب مشروع سياسي وعسكري مستقل، لا مجرد امتداد لإرث عمه.
وفي المقابل، تداولت وسائل إعلام خلال السنوات الماضية حديثاً عن وجود تباينات داخل معسكر الرئيس السابق بشأن مستقبل المؤتمر الشعبي العام وتمثيل إرث صالح، إلا أن أياً من هذه الروايات لم يحظَ بتأكيد رسمي من أحمد علي أو طارق صالح، ومع ذلك، فإن إعادة بث شهادة "الرضي" عبر قناة مملوكة لأحمد علي تمنحها بعدًا سياسيًا يصعب تجاهله، حتى وإن لم يكن ذلك معلنًا.
هل بدأت معركة الروايات؟
قد تُقدَّم المقابلة باعتبارها مجرد شهادة توثيقية متأخرة، لكن توقيت بثها، والمنصة التي احتضنتها، والتركيز الواضح على ملف الحماية الرئاسية، تجعلها قابلة لقراءة سياسية أوسع.
فالمادة لم تكتف بإعادة تدوير اتهامات قديمة بحق خصوم صالح، بل أعادت تسليط الضوء على ملف ظل خارج دائرة النقاش طوال سنوات، وهو ملف أداء الحماية الرئاسية ومسؤوليتها عن منع الاختراق.
ولذلك، فإن السؤال الذي تثيره المقابلة لا يتعلق فقط بما قاله "هيثم الرضي"، بل أيضًا بسبب اختيار هذا التوقيت لإعادة طرح هذه الرواية، ولماذا جاءت عبر منصة محسوبة على "أحمد علي"، في وقت يشهد فيه معسكر الرئيس السابق إعادة تشكل لموازين النفوذ والرمزية.
وربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو المقابلة أقرب إلى فتح معركة جديدة حول الرواية التاريخية وإرث علي عبد الله صالح، أكثر من كونها مجرد استعادة متأخرة لوقائع تفجير جامع دار الرئاسة.